الفيروس التاجي يعمق أزمة التعليم التونسي

نشر من طرف هاجر عبيدي في الجمعة 15 جانفي 2021 - 14:08
اخر تاريخ تحديث الخميس 4 مارس 2021 - 19:46

 

بالنظر والتمعن في واقع التعليم التونسي ومستوى التلاميذ ونسب البطالة في صفوف أصحاب الشهائد العليا وبالنظر إلى تفاقم ظاهرة مغادرة مقاعد الدراسة في سن مبكرة وضرب مصداقية مجانية التعليم بالبلاد وغيرهم من الظواهر الاجتماعية التي أصبحت بمثابة عوائق أمام تقدّم وازدهار المجتمع التونسي، تدرك جيّدا وجود إخلالات بالجملة في منظومة التعليم لم تتمكّن الحكومات المتعاقبة من حلّها بسبب تشعبّها وتداخلها. كما تدرك أن منظومة التعليم هي الركيزة الأساسية التي تنهض من خلالها الشعوب فإذا صلحت أثرت ايجابيا على سائر القطاعات وإذا فسدت أفسدت ما حولها.

إشكاليات بالجملة تعيق محاولات التقليص من وطأة الأزمة الخانقة التي يشهدها التعليم التونسي لعل أبرزها اهتراء البنية التحتية للفضاءات المدرسية وافتقارها لأبسط المستلزمات الحياتية مما تسبّب في انتشار أوبئة فتكت بالبعض من تلاميذنا، علاوة على برامج تعليمية تقليدية لا تحاكي التطورات العالمية تقوم بالأساس على التلقين وتعصف بملكة الإبداع والابتكار.

مؤشرات خطيرة تهدد مستقبل التعليم في تونس عززتها جائحة كورونا التي فرضت على تونس إغلاق مؤسساتها التربوية منذ يوم 12 مارس إلى غاية يوم 15 سبتمبر 2020 كما تم تطبيق نظام الدراسة بالأفواج خلال العودة المدرسية الحالية تفاديا للاكتظاظ داخل قاعات الدرس الذي من شانه أن يفاقم في حالات العدوى بالفيروس التاجي.

إجراءات وان لم تثبت نجاعتها على مستوى الحد من انتشار الفيروس داخل الوسط المدرسي فان تداعياتها السلبية على مستوى ومكتسبات التلميذ والطالب وخيمة جدا نظرا لتعطيل نسق التعلم والاستغناء عن جزء هام من البرامج التعليمية دون تعويضها.

وأكد الخبير الدولي في التربية عماد بن عبد الله السديري أن التعليم التونسي يعيش اليوم أزمة حقيقية ستكون لها حتما تداعيات اجتماعية واقتصادية وسياسية خطيرة على مستقبلنا خاصة وان جميع الدراسات البحثية الدولية التي حاولت في الأشهر الأخيرة تقدير حجم الأضرار الناجمة عن تعليق الدراسة بسبب تفشي وباء كوفيد 19 تؤكد أن هذه التداعيات في بعض دول العالم ستكون مؤلمة جدا.

وذكر الخبير الدولي في التربية في تصريح لموقع الشاهد بان تونس أغلقت مؤسساتها التربوية لمدة سبعة أشهر كاملة وبان العودة المدرسية لهذا العام لم تكن وفقا للنسق الطبيعي، حيث ارتأت وزارة التربية التونسية تطبيق نظام الأفواج وتعميمه على جميع المراحل والجهات وهو نظام يقوم بالأساس على تقليص عدد أيام التمدرس بنسبة 50%، أي انه عوضا عن التعلم لمدة 180 يوما خلال هذا العام الدراسي، فإن التلميذ التونسي سيخسر حوالي 90 يوما من التعلم على أقل تقدير وهي بطبيعة الحال أرقام مفزعة تزيد في تعقيد الوضع التربوي المتأزم أصلا في تونس.

وواضح عماد بن عبد الله السديري انه بحسب المنهجيات البحثية التي اعتمدها معهد اليونسكو للإحصاء أو منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أو البنك الدولي في تقدير الأضرار الناجمة عن تعطيل التعلم، فإن ما فعلته تونس بالأطفال التونسيين ستكون له حتما آثار سلبية كثيرة على بلادنا. كما اعتبر ان ما فعلته تونس بالأطفال التونسيين أسوأ من السيناريوهات التي تم وضعها.

وأكد المتحدث انه من المتوقع على نحو خاص أن تتراجع سنوات التعلم الفعلي في جميع المراحل التعليمية وأن ترتفع تباعا نسب التلاميذ التونسيين الذين لا يتقنون بعض المعارف والمهارات الأساسية مثل القراءة والرياضيات والعلوم بحسب المعايير الدولية إلى مستويات غير مسبوقة.

كما ذكر بأن المنظومة التربوية التونسية كانت تحقق نتائج ضعيفة جدا في ظروف العمل الطبيعية، حيث أكد تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في العام 2016 وتقرير الجمعية الدولية لتقييم التحصيل التربوي في العام 2012 أن حوالي 70% من التلاميذ التونسيين يفتقدون إلى الحد الأدنى من الإتقان في القراءة والرياضيات والعلوم. وتبعا لما حصل خلال العام الدراسي المنقضي وما يحصل خلال العام الدراسي الحالي، فإنه من المتوقع أن تنتج المؤسسات التربوية التونسية جيلا مشوها من الأطفال التونسيين العاجزين والفاقدين لأبسط المعارف والمهارات.

وأضاف السديري أن المنظمات الدولية لم تتوقف عند تحديد حجم الأضرار التربوية فحسب بل لقد حاولت أيضا أن تتدارس التداعيات التنموية الأخرى لتراجع المستوى المعرفي للتلاميذ، على الصعيد الاقتصادي على نحو خاص وفي هذا الصدد، فقد بيّن البنك الدولي في إحدى الأوراق البحثية التي نشرها سنة 2020 أن حجم هذه الخسائر سيبلغ مليارات الدولارات، إذ من المتوقع أن يخسر الطفل التونسي حوالي 1789 دولار أمريكي (حوالي 4884 دينار تونسي) من دخله الفردي السنوي عند الالتحاق بسوق العمل بسبب التدني المتجذّر في مستواه التعليمي وتراجعه المحتمل بعد إغلاق المؤسسات التربوية التونسية لفترات طويلة.

وأضاف المتحدث انه حسابيا سيبلغ إجمالي الخسارة في الدخل الفردي لكل طفل تونسي يعيش بيننا حاليا خلال كامل مسيرته المهنية المستقبلية 32647 دولار أمريكي على أقل تقدير (أي 89126 دينار تونسي). وباعتبار أن أعداد التلاميذ التونسيين الذين التحقوا بمقاعد الدراسة في شهر سبتمبر 2019 قد بلغ مليونان و174 ألف تلميذا وتلميذة، فإن هذا يعني عمليا أن الاقتصاد التونسي – أو الشعب التونسي – سيخسر، بسبب المستوى التعليمي المنهار للجيل الحالي وفشل الحكومة في إنقاذه، حوالي 71 مليار دولار أمريكي (أي حوالي 194 مليار دينار تونسي) على أقل تقدير.

وشدد المتحدث على ان التعليم يمثّل إحدى أهم الركائز التي ينبني عليها تقدم الشعوب وازدهارها ولا أمل لأي شعب في زيادة تنافسيته الاقتصادية وتحسين ظروفه المعيشية وتحقيق كرامته الإنسانية دون إرساء منظومة تربوية متقدمة.

كما أكد أن ما يجب إدراكه في تونس هو أن وزارة التربية بما هي عليه من رداءة في التفكير والتخطيط والتسيير منذ عقود وسنوات طويلة، كانت ولازالت تمثل إلى اليوم خطرا حقيقيا على الشعب التونسي فهي تقطع أجنحته وتحد من حريته وتحرمه بشكل موثق ومستدام من تحقيق طموحاته وتطلعاته، وبخاصة التخلص من الفشل التنموي المؤلم.

تجدر الاشارة الى انه تم ايقاف الدروس بداية من يوم امس والى غاية يوم الخميس 24 جانفي الجاري.

في نفس السياق