بين المرسوم والقانون: التلاصّ الإيديولوجي والسلفية المندسة في حداثة مغشوشة

نشر من طرف الشاهد في الأربعاء 21 أكتوبر 2020 - 10:36
اخر تاريخ تحديث الإثنين 30 نوفمبر 2020 - 15:32

من بين المفارقات التي كشفتها الثورة؛ التوجه نحو الماضي للبحث عن حلول للحاضر وربما للمستقبل؛ وهذا النمط من "التفكير"، إن صحت تسميته تفكيرا؛ ليس إلا ظاهر خلل في البناء المنطقي لمواقف أغلب من تصدر للظهور الإعلامي والبحث عن الموقع السياسي؛ للمجموعات وأفراد يزعمون؛ أنهم يحملون مشاريع يعرضونها للحصول على مناصب في مرحلة أولى، ثم تطبيقها وتقريبها من الواقع؛ أو أقلمة الواقع وتطويعه لهذه المواقف؛ ليقبله أو ليفرض عليه.

إلى هنا تبدو المسألة مقبولة ومستساغة لأن الأفكار لم تولد لتبقى "حبيسة أو سجينة الكتب والمرجعيات". لكن ما يثير الحيرة؛ هو حالة التلاصّ الإيديولَوجيَ الذي يحمل دلالات مخيفة ومرعبة؛ فما معنى هذا التلاصّ؟ وما تجلياته؟ وما هي استتباعاته؟

 

في معنى اللصوصية الإيديولوجية

كشفت المناكفات التي شهدها مجلس البواب يوم 20 أكتوبر الجاري؛ بمناسبة مناقشة تنقيح المرسوم 116 عن خواء فكري وفراغ رهيب؛ سواء لدى السياسيين في معظمهم أو من الإعلاميين المتمترسين؛ وراء منظماتهم؛ فالشعار المرفوع لديهم بكل وقاحة، بالمعنى الفكري: ليس بالإمكان أحسن مما كان !

هذا التمسك بالجمود والتكلس الإيديولوجي يمكن أن يُقبل من قبل من يعتبرون أنفسهم في مصاف الفكر السلفي؛ أو الذين يتهمون بالانتماء إلى السلفية؛ بمرجعيتها الدينية؛ أما أن يتمترس من اعتبر نفسه حداثيا وتقدميا؛ خلف "المرسوم المذكور" ليجعله صنما؛ يعبده؛ ولا يستطيع أن يغادر موقعه ليبحث عن تجدد ممكن لقضايا العصر؛ خصوصا في قضايا الإعلام؛ التي تتغير باستمرار كل دقيقة من عالمنا اليوم.

ولعل ما يزيد الأمر حيرة أن نجد أبجديات فهم روح القانون؛ التي عبر عنها مونتسكيو؛ هي الغائب الأبرز؛ في نقاش عن تشريع يفترض فيه مواكبة الواقع؛ وتوقع ما يمكن أن يحدث وليس التعامل بشكل جامد مع متغيرات التشريعات القانونية، فأيّ معنى لوجود مجلس نيابي منتخب إن لم يخرجنا من وضع المراسيم إلى حالة القوانين!

لعل التساؤل عن روح القوانين وليس عن مجرد النظر إلى النص القانوني كمعطى مقدس؛ بل باعتباره متغيرا َعن الواقع وتحولاته، هو ما يبرر وجود مؤسسة برلمانية؛ فأي دور لنواب لا يسنّون القوانين ويحنطوننا في مراسيم!

أليست هذه سلفية ترجعنا إلى عصور الملوك والسلاطين الذين نصبوا أنفسهم ناطقين باسم الإله على الأرض وأخذوا من الكنيسة مصدر تبريك لطغيانهم! ألن يتحول مجلس النواب كمؤسسة ديمقراطية إلى ثيوقراطية تزعم احتكار الممارسة الاتصالية في زمن زالت فيه الحواجز وتحولت أبسط أجهزة بث لدى طفل يلهو إلى قناة تلفزية يتحكم في أزرارها وكاميراتها من منزله!

ألا توجد القوانين لاستشراف الواقع؛ ومواكبة التحولات التي تدور فيه!

ونتيجة لذلك برزت اللصوصية الإيديولَجيَة في مواقف نقابة الصحفيين وجامعة الإعلام تعبيرا مفضوحا عن تبني أو الاستيلاء. على أطروحات الخصم الإيديولوجي؛ ائتلاف الكرامة ؛لأنه استطاع بحركة وعي؛ وفهم عميق للواقع أن يتقدم بهذا المشروع لتنقيح المرسوم 116؛ غير أن معارضي هذا التوجه الحداثي الفعلي؛ سرعان ما تحركوا بمنطق "تغيير مواقع" بشكل يعبّر عن ردة فعل طفولية، فكانت مواقفهم؛ إن كانت مواقف تسير في إطار رفض التنقيح، لا لعدم جدواه أو نجاعته، بل باعتبار أن من تقدم به؛ يمثل خصما وربما؛ عدوا إيديولوجيا؛ وهو ما يناقض أبسط أبجديات التفكير السليم الذي يعرف الحق بالحق؛ وليس بمن يقوله.

 

سلفيات حداثية

هذه الأحداث والنقاشات المتعلقة بتنقيح المرسوم؛ كشفت أقنعة؛ طالما زيفت الواقع الإعلامي؛ فانقلبت المسافة بين ثنائية الحداثة والسلفية؛ إلى مجرد خداع؛ لا قيمة لها؛

فمن يزعم الانتماء إلى الحداثة يتجاهل متعمدا أو عن جهل؛ أن الحرية للجميع وأن "السلطة المطلقة مفسدة مطلقة"، وهما  أسس الحداثة وفلسفتها؛ فلا يمكن لمن يتمسك بالترخيص لإنشاء قنوات تلفزية عند "أهل الحل والعقد" ممثلا في الهايكا؛ أن يكون منتميا للحداثة، مهما كانت المبررات التي يقدمها؛ إذ أن الدفاع عن حق الأفراد في المبادرة وفي النشاط الاقتصادي بما في ذلك؛ الاتصال والإعلام؛ هو من بين أولويات من يبحث ويزعم أنه حداثي؛ فهل يمكن اليوم الرجوع بالمجتمع الإعلامي؛ الوطني إلى زمن "البرافدا" السوفياتية !

يأي معنى يدافع البعض عن عقلية الاحتكار والزبونية؛ في زمن العولمة! ليس لذلك إلا تفسير واحد: سلفية حداثية؛ مغشوشة؛ تبحث عن إرجاعنا إلى زمن جريدة العمل والحرية، وهي تحيل إلى طرفة تتمثل في أن أحد باعة الجرائد في الستينات؛ كان ينادي في الطرقات؛ عمل  اكسيون؛ صباح لابراس؛ المارة يسمعون: "عملْ اكسيدون صبَحْ لا باسْ".

إنه ليس مجرد حادث "اكسيدون"؛ عابر في منطق بعض السياسيين والإعلاميين؛ الأمر أخطر من ذلك؛ لأنه يخفى انتهازية تسعى لتأبيد المؤقت وحكم الموتى للأحياء.

أنور البصلي

في نفس السياق