تاريخ الثورات في تونس: من العد إلى الغد

نشر من طرف الشاهد في الجمعة 15 جانفي 2021 - 15:09
اخر تاريخ تحديث الثلاثاء 9 مارس 2021 - 01:53

يسرني أن أضع أمام جمهور القراء نص مداخلتي التي قدمتها في إطار ندوة مشروع رؤية تونس 2040 بمناسبة التفكير في واقع الثورة التونسية ومستقبلها بين الموجود والمنشود بعد عشر سنوات من اندلاعها.

"تونس معروفة منذ القديم بأنّها قاصمة لظهور الجبّارين، لهذا قال أحد شعراء العصر الوسيط بإفريقية:

"فــــكلّ جبار إذا ما طغى

وكان في طغيانه يُـسرف

أرسله الله إلى تونــــس

فكل جبّار بها يُقصــف"

فتونس بلد الثورات... وقد أخبرنا ابن عذاري المراكشي في كتابه "البيان المُغرب في أخبار الأندلس والمغرب" أنّ عدد الثورات بها في فترة ما بعد الفتح الإسلامي بلغ 375 ثورة

وقد كان الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز سياسيا حكيما عندما فهم نفسية وشخصية الشعب التونسي الذي لا يفلح معه المشروع العسكري ولا الخطط السياسية لإخضاعه أو لإصلاحه

وإنما ينفع معه فقط الحوار لذلك راهن على إصلاح تونس بواسطة مشروع علمي تعليمي، تمثّل فيما يُعرف ببعثة الفقهاء العشرة، الذين سيُراهنون على تكوين أجيال جديدة من السكان المحليين يتولون بدورهم تغيير مجتمعهم من الداخل، وهذا الأمر وهذه التربية تطلب الصبر والزمن الطويل... يعني العقود أي عشرات السنوات لبلوغ النتائج.

ومن يُريد أن يتعرّف على تاريخ الثورات في تونس... فستطول مطالعاته... لأنّ تونس معروفة منذ القديم بكثرة ثوراتها.

وبشكل سريع سأحدثكم عن ثورات تونس التي يجهلها الكثير منّا للأسف:

ثورات فترة ما قبل ميلاد المسيح

منذ تاريخ ما قبل ميلاد المسيح وتونس تعيش الثورات المتلاحقة، بين 240ـ237 ق.م فيما يعرف بثورة المرتزقة واللّوبيين على قرطاج والتي انتهت بانتصار عبد ملقرط البرقي ونجاحه في قمعها

لماذا هذه الثورات؟

لأنّ القرطاجيين عاملوا السكّان الأفارقة بقسوة بعد انتهاء حربهم مع روما حول "صقلّية" بإمضاء معاهدة سلم سنة 241 ق.م

حيث ضاعفوا مقادير الإتاوات وافتكّوا محاصيل الزراعة فثار في وجههم السكّان وكادوا يقتلعون وجودهم من أصله على أرض تونس.

 

ثورات ما بعد المسيح بتونس

للأسف نحن لا نعرف من أشهر الثائرين على روما إلا سبارتكيس الذي جسدته السينما الغربية في أفلام ومسلسلات... لكننا نجهل بطلا تونسيا عظيما ثار على روما هو تاكفريناس

الذي ثار على الإمبراطورية الرومانية في تونس (من 17 إلى 24 م)،

 وهو بطل نوميدي عمل بالجيش الروماني ثم انشقّ عنه جامعا حوله الصعاليك الذين درّبهم ونظّمهم بشكل عسكري وقادهم للثورة على الرومان مستعينا في ذلك بقبائل "الموزولاميين" الرّحل من مناطق الكاف وحيدرة وتبسّة

 وانضمّ إليه قائد أخر هو "مازييان" الذي قاد "الماويين" الذين اختصوا في النهب والحرق وترويع الجيش الروماني

 والتحق بهما "القينيتون" (القاطنون بأرياف خليج قابس) وقبائل "القرامنتاس".

وانتهت هذه الثورة المجيدة بانتهاء قائدها "تاكفاريناس" الذي ظفر به أعداؤه الرومان واغتالوه عام 24م.

ومنذ عام 533م تلاحقت ثورات البربر الذين تعاظم نفوذهم خلال الحكم البيزنطي بعد أن حاول "أكتافيوس" الملقّب بـ"أغسطوس"

إضعافهم من خلال إقصائهم عن أراضيهم الخصبة منذ عام 29 ق م.

أما عن أشهر ثورات العهد العربي الإسلامي بتونس:

فهي سلسلة من الثورات في عهد الولات

 ثم خلال العهد الأغلبي الذي شهد ثورات غريبة من بينها:

 ثورة العبيد السودان... أي ثورة اجتماعية لطبقة الحرس الرئاسي بلغة اليوم، لأنهم محقورون.

 وثورة الدراهم... أي ثورة اقتصادية... قام بها التجّار ضد الإصلاحات المالية للأمير التي تضرّروا منها.

واندلعت في العهد الفاطمي: ثورة الخوارج بقيادة أبي يزيد صاحب الحمار (من 935م - 946م) ... وهي ثورة اقتصادية ضد كثرة أنواع الجباية التي سلطها الفاطميون على سكانهم.

وخلال مرحلة الحكم العثماني لتونس ظهرت في تونس عام 1591م ثورة "الدايات" (ضبّاط أتراك )على "البوكباشيين" وهم ضبّاط أتراك أعلى درجة من الدايات) بما أسّس لفترة الشورى العسكرية أي الحكم العسكري الجماعي على أسس النقاش والتفاهم والوفاق.

وتواصلت الثورات بين الأمراء والقادة وكان الشعب في هذه الحالات وقودها لعديد الاعتبارات التي يطول شرحها وليس المجال لطرحها ونذكر ثورة الأخوين محمد وعلي إبني مراد الثالث (1675 م ـ 1686م)

 وثورة علي باشا (1728 م ـ 1729م) التي تحوّلت لاحقا إلى حرب أهلية بين علي باشا بتونس العاصمة وحسين بن علي بالقيروان.

وانطلقت عام 1759 م شرارة ثورة جبل "وسلات" بقيادة إسماعيل حفيد علي باشا وتواصلت إلى سنة 1762م.

وعادت الثورات الشعبية سنة 1864 م مع ثورة علي بن غذاهم الذي قاد انتفاضة القبائل على الحـكم الجائر للبايات لاسيما بعد فرضهم لسياسة جبائيّة مجحفة لا تتماشى والوضع المزري للشعب.

وانطلقت عام 1881 م ثورة قبائل الجنوب والوسط بقيادة علي بن خليفة النفاتي، ضد الاستعمار الفرنسي إبان انتصاب الحماية في تونس.

ولا ننسى الثورة الشعبية العارمة لسنة 1952، وهي الثورة التي هزّت عرشا الاستعمار الفرنسي في تونس، ومهدت لاستقلال تونس،

وقد تمّ تأليف عشرات الكتب عنها، وكتبت عنها الصحافة العالمية وقتها، ووصلت أخبارها إلى مقرّ الأمم المتحدة بأمريكا، وأربكت الموقف الفرنسي وقادت إلى حصول تونس على استقلالها الذاتي.

وانتهاء بثورة 17 ديسمبر 2010-14 جانفي 2020.

الخلاصة

هذه الثورة الأخيرة التي نعيشها اليوم ولدت من رحم واحد لسلسة الثورات التونسية القديمة، فالذاكرة واحدة والتاريخ واحد، وحتى حماقة الحكّام واحدة وتكرار أخطائهم واحد...

لقد اختلفت وجهات نظر التونسيين إلى الثورة:

 بعضهم يراها مباركة وأخرجتنا من ظلمات الاستبداد والدكتاتورية إلى نور الحرية والديمقراطية

وبعضهم يرى أنّ الثورة هي أنثى الثور، بمعنى حدث عقيم لا خير فيه

ومن ناحيتي أرى أنّها مرحلة جديدة وواقع وطني يجب أن نعالجه بحكمة لنحقق النتائج الإيجابية المرجوة منه، ونتجنّب المساوئ والأخطاء السابقة

وقد عرّف الدكتور نبيل خلدون قريسة في دراسة له حول منطق الثورة بأنّ الثورة: "تعتبر تغييرا عنيفا أو قطيعة مع السائد قد تكون نهائية وجذريّة

وقد تكون رمزيّة مرتبطة بالذاكرة ورموزها،

 وقد تكون ماديّة بهدم كلّ ما اعتمد عليه الماضي من مؤسّسات وأعوان لقهر الثائرين عليها وردعهم"

وفي هذا الإطار أذكر أنّه لا بناء لمستقبل منشود دون تاريخ موجود، لذا لا بُدّ من النظر في التاريخ في ضوء منهج عقلاني وإلا لا فائدة تُرجى من النظر في شاشة التاريخ.

ولهذا قال مؤرخ تونس الخالد عبد الرحمن ابن خلدون:

"فنّ التاريخ الذي تتداوله الأمم والأجيال…

هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق،

علم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق،

فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، جدير بأن يعدّ في علومها خليق".

وإذا بحثنا في الثورة التونسية من منطلق طوباوية الحكمة، أي من زاوية نظر مثالية وحالمة:

سنقول إنها ثورة جميلة وباهرة... وهي ثورة الياسمين وثورة الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية،

لكن على أرض الواقع ولو نصارح أنفسنا بكامل الصدق دون مزايدات ومجاملات ودون نفاق وكذب سياسي وتعصّب ثورجي هل حققت الثورة أهدافها:

بسط الأمن والأمن،

قطع دابر الفساد والفاسدين والمفسدين،

تحقيق ثراء لخزينة تونس

ودعم استقلال قرارها الوطني،

وتطوير الاستثمارات وتوفير مواطن الشغل،

وتحسين مستوى المعيشة،

وتحسين القدرة الشرائية للمواطن التونسي،

هل انتهى الفقر من تونس بعد عشر سنوات من الثورة المباركة،

وهل ازدهرت الصناعة والفلاحة والسياحة والخدمات في تونس؟ وهل ارتفع معدل نمو بلادنا؟

كل هذا لم يتحقّق للأسف،

بل تونس مفلسة اليوم، وهي مديونة للخارج، وشركاتها كلها خراب،

هذه حقيقة مؤلمة لي ولكم ولكل تونسي حرّ

لكن في مقابل ذلك حقّقت الثورة أشياء عظيمة هي:

- نجاح التحول الديمقراطي في تونس، وهو تحوّل نموذجي في العالم،

- تكريس الحريات الفردية والجماعية،

- ترسيخ حقوق الإنسان،

وقدمت الثورة لتونس صورة عظيمة في العالم، وقد صفقت لها طويلا أكثر الدول تقدما،

ومنهج الحوار المتبع في تونس من أجل تجاوز أزماتها تم تثمينها عالميا من خلال إسناد جائزة نوبل للسلام إلى الرباعي الراعي للحوار في تونس

وهنالك نقد أريد أن أبديه بشأن الطبقة الحاكمة التي أفرزتها الثورة على الرغم من أن جل قياداتها البارزين من أصدقائي المقربين الذين أحبهم لكن ذلك لن يجعلني أجاملهم سواء في لقائي المباشر معهم أو في مثل هذه الندوات:

- قدموا مصالحهم وحساباتهم الحزبية على مصلحة تونس،

- نظام سياسي بثلاثة رؤوس، والسفينة تغرق إذا لم يكن لها ربان واحد،

- خضوع مقيت لإملاءات صندوق النقد الدولي، الديون مقابل تطبيق توجيهات رأس المال الدولي،

- توريد لنصوص القوانين ونماذج الهيئات الدستورية الأكثر تقدما في العالم، على حساب الخصوصية التونسية،

- تفكّك الدولة التونسية إلى جزر متباعدة، رئاسات ثلاثة متنافرة، بلديات مستقلة عن سلطة الدولة ومرتهنة لأحزابها، هيئات دستورية لا سلطة للدولة عليها، نقابات تصول وتجول وهي سلطة موازية لسلطة المسؤولين الحكوميين، لم يعد التعليم هو المصعد الاجتماعي بل الانتماء الحزبي، فقدت الدولة سلطتها على بعض المسؤولين المنتخبين من قبل منظوريهم (أقصد المؤسسات الجامعية، والبلديات)، كما فقدت سلطتها على المسؤولين المرشحين من قبل الهيئات الدستورية، وكذلك من قبل الأحزاب والكتل البرلمانية ورجال الأعمال الممولين لهم.

وأختم بالإشارة إلى أنّه عندنا نماذج تاريخية للتعامل الحكيم مع الثورات:

وقبل ذلك أشير إلى أنّ تاريخ تونس شهد هروب ثلاثة حكام:

الأول زيادة الله الثالث إلى مصر، ومعه ألف عبد كل عبد متمنطق بحزام فيه ألف دينار ذهب

الثاني أبو زكريا ابن اللحياني السلطان الحفصي هرب إلى مصر ومعه 24 قناطر ذهب وجرابين من الدر والياقوت

الثالث هو زين العابدين بن علي الذي هرب إلى المملكة العربية السعودية

أما النماذج المشرقة لديمقراطية تونس عبر العصور... فهي بلد تضرب المثل في تطبيق الديمقراطية... سبحان الله إنها دائم الاستثناء في العالم.

 

بعول قرطاج

تجدر الإشارة إلى أنّ اختيار القرطاجيين لحكّامهم لا يرتبط مطلقا بالتوريث أي ليس ثمة عائلات حاكمة وسلالة تتناقل السلطة بالوراثة بل كان قائما على اختيار الأجدر ومن أكثر العائلات نفوذا في كلّ مرحلة.

وكان المواطن في عهد قرطاج يعارض القوانين ويناقش القرارات وله الحق أيضا في نقد سير بعض الأمور ومراجعتها خلال انعقاد مجلس العامة (مجلس الشعب) وهي النقطة التي انتقدها أرسطو مع ما فيها من روح ممارسة للديمقراطية المباشرة وفي أوسع معانيها وتجلياتها الشعبية.

وقد غاصت «الديمقراطية» عميقا في نظام الحكم بقرطاج حتى أنّه صار يتولّى مقاليد كلّ البلاد حاكمان وليس شخصا واحدا ويـُـسميان "الشفطان" يـُـنتخبان ولمدّة عام من طرف الأعضاء الثلاثمائة لبعول قرطاج (مجلس الشيوخ) ومهمّتهما نشر العــدل وإدارة الشعب في ضوء مقرّرات ومتابعة ورقابة هياكله الدستورية (مجلس الشيوخ، ومجلس الشعب الذي كان يطلق عليه عمر قرت حدشت) واللّجان المنبثقة عنهما وأشهرها لجنة الثلاثين من بعول قرطاج الذين يفوّض لهم مجلس الشيوخ ولأسباب تنظيمية مسؤولية تسيير البلاد من خلال معاضدة جهود الحاكمين.

 

ديمقراطية السلطة القضائية

وكانت السلط التنفيذية والتشريعية والقضائية شبه متفرّقة تماما وكان الحـُـكم في قرطاج يُدار وفق فكر الأغلبية وتطلّعاتها عكس روما ـ لاحقا ـ التي تتحكّم فيها، أقلّية بإسم مجلس الشيوخ.

لكن عندما تم انتخاب "حنبعل""شفطا" أي أحد الحاكمين كرّس هذا القائد، بقوّة السلاح وليس بقوّة القانون ـ الذي تلاعبت به مصالح القضاة ـ ديمقراطية السلطة القضائية من خلال حلّ المحكمة العليا للبلاد التي كان قضاتها معيّنين للأبد ممّا ارتهن مسار حياة الناس بأيديهم وهزّ ثقة المواطن في عدالة نظام حكم بلاده وفرض "حنبعل" انتخاب القضاة سنويا وعدم تمكين أيّ مواطن من أن يكون قاضيا في عامين متلاحقين.

 

لا استبدادا أو عصيانا

تنظيم عملية الاستشارة الشعبيّة وتفويض السلطة وتفريقها وترتيب الأدوار وتوزيعها وتقنين عمليات المساءلة والمتابعة والمراقبة وإبداء الرّأي بشكل منظّم وبكامل الحرية هو الذي حصّن نظام حكم قرطاج حسب الفيلسوف اليوناني "أرسطو" من الهزّات والمخاطر التي تنجرّ عن الاستبداد والعصيان أي الظلم والغضب والثورة وما في هذا جميعا من ويلات ودمار وخراب.

 

المدينة الديمقراطية

كما عرفت تونس قبل ألف عام ولأوّل مرّة في حدث غير مسبوق ظاهرة المدينة المستقلّة في عصر ملوك الطوائف الذي شمل بلا استثناء الأندلس والمشرق وبلاد المغرب والتي عرفت كيف تقفز بمفهومنا الحديث إلى مصاف "المدينة الديمقراطية" أي المدينة التي تنتظم في عقد "نظام الحكم الشوري".

وفي هذا الصدد يورد ابن خلدون في مقدمته "لما تغلّب العرب على إفريقيّة وانـحلّ نظام الدولة الصنهاجية وارتحل المعزّ من القيروان إلى المهدية انتزى الثوار في البلاد فغلب حمّو ابن مليل البرغواطي على مدينة صفاقس وملكها سنة إحدى وخمسيــــن وأربعمائة وخالفت سوسة وصار أهلها إلى الشورى في أمرهم".

وهو ما فصّل فيه العلاّمة حسن حسني عبد الوهاب القول في مجلّده الثاني من كتاب "ورقات عن الحضارة العربية بإفريقية التونسية"، حيث أورد و"إن استقلّت (سوسة) عن دولة صنهاجة المركزيّة إلاّ أنها لم تّتخذ كغيرها أميرا مستبدّا يدير شؤونها بما توحي إليه نفسه الأمّارة بل إنها اختارت لنفسها نوعا من شكل الحكومة الشوريّة وهو صنف من النظام الجمهوري".

وكانت إدارة هذه المدينة موكولة إلى هيئة حاكمة منتخبة من بين أفراد السكّان وعدد أعضائها هو إثنا عشر شخصا ممن توفّرت فيهم حسب المؤرّخ حسن حسني عبد الوهاب "شروط اللياقة والنزاهة والحنكة والإخلاص وأقاموا بينهم مجلسا استشاريا يدير شؤون المدينة ويرعى مصالحها الداخلية والخارجية بموافقة سكّانها وبعد أخذ رأي جمهورهم".

 

العهد العثماني

وعندما استفحل الظلم واشتعل غضب الأهالي وكثر تذمّر الجند من جماعة "الديوان" الذين يــسيّرون أمر البلاد اجتمعت كلمة "الدايات" وهم صغار الضّباط على تخليص البلاد من حالة الاحتقان والغليان الاجتماعي التي وصلت إليها، فانقلبوا على "البُوكباشيين" أي سامــي الضّباط الذيـــن كانــــوا مجتمعيــن في القصبة ولم ينج منهم إلاّ من حالفه الحظّ بالتخلّف عن هذا الاجتماع والفرار لاحقا.

وأقرب شبها بهذه القصّة ما تطالعنا به كتب التاريخ حول ما قام به "محمد علي" والي مصر، حيث تم استدعاء المماليك ذوي السلطان النافذ في البلاد ومصدر قلاقلها وإعمال السيف فيهم بعد إغلاق باب القلعة محلّ استضافتهم.

 حدثت انتفاضة أو ثورة "الدايات" كما وصفها "إبن أبي دينار" في كتابه "المؤنس في أخبار إفريقية وتونس" في شهر أكتوبر من عام 1591م.

وأصبح الحــكم نمطا من "الديمقراطية العسكـرية" لـكن اجتماعات "الدّايات" بالقــــصبة لإدارة شؤون البلاد التونسية كشفت عن تباين كبير في المواقف، حيث لم يكن "الدّايات" يتّفقون على رأي إلى أن تمكّن "محمد عثمان داي" القوي الشخصيّة والنافذ الجاه بما له من ثروة مالية هائلة حصّلها من معارك وتجارة البحار من الاستئثار بالحكم من 1594 إلى 1610م تاريخ توريثه لصهره "يوسف داي" وبعده لـ"لأسطا مراد" قبل أن يتحّول زمام الحكم إلى "البايات" حيث تمكّن الباي "مراد كورسو" منذ سنة 1613 م من اكتساب ثقة الأهالي حيث كان يجوب البلاد طولا وعرْضا لاستخلاص الجباية مستعينا بالمحلّة وهي فرق الصبايحيّة وزواوة وفرسان القبائل المخزنية إلى أن استمال رؤوس البلاد وقادتها في الجهات فأمسك بزمام الحكم الذي أورثه فيما بعد إلى ابنه حمّودة باشا وبهذا انتهى حكم "الدايات" الذي تواصل في الجزائر وظلّ مخاصما لحكّام تونس ومـُـشعلا لنار الفتنة فيها والحروب معها.

هذه نبذة من صفحة الرقيّ السياسيّ التي خطّها الشعب التونسي في تاريخ تمدّنه والتي لم ينفكّ يستنسخ مــثلها في الرّقيّ خلال كلّ فترة يــسجّل فيها بطولات وأمجاد ويـُـمسك بقصب السبق على الصعيدين الإقليمي والعالمي كما فعل مؤخّرا وهو يصنع ربيع الثورات العربية.

ولا يملك التونسي اليوم وكل من موقعه إلاّ أن ينخرط في أمجاد وطنه وبطولات شعبه مصداقا لقول الشاعر:

"إذا عظّم البلاد بنوها أنزلتهم منازل الإجلال".

الدكتور الصحبي بن منصور

في نفس السياق