جنوبي (قصة قصيرة)

نشر من طرف الشاهد في الخميس 15 أكتوبر 2020 - 15:23
اخر تاريخ تحديث الإثنين 23 نوفمبر 2020 - 17:50

         هبط من حافلة النقل العمومي في المحطة السابقة لمقصده. لم ينتبه للمعالم من حوله من شدة الألم. اضطر إلى السير على قدميه المسافة الباقية. كانت المسافة ما بين المحطة المقصودة والمحطة التي هبط فيها عن طريق الخطأ حوالي كيلومترين تقريبا. طالت الطريق عليه، وهو يسير مثقلا بالألم والتوتر، لم يلاحظ من جمال شارع "محمد الخامس" بالعاصمة شيئا. اصطفاف النخلات الباسقات على جانبي الطريق بما يبهج النظارة والمارة من المترجلين وسائقي السيارات. جداول الورود المزهرة وسط أغصانها الخضراء تملأ المسافات ما بين نخلة وأخرى، في تناسق بديع. تناثر البنايات المختلفة الارتفاع، حديثة المعمار الهندسي على الجانبين لمراكز رئيسية لبنوك وإدارات وطنية. شمس الصباح الدافئة التي تمنح الود والفرح بين ثنايا أشعتها للعابرين من خلالها. بعض السياح المارين على أرصفة الشوارع الجانبية وهم يسجلون اللقطات التذكارية بكاميرات هواتفهم فرحين بالدفء والجمال. دخل مقر الطب الجامعي عبر درجات رخامية لا تتعدى عدد أصابع اليدين. لحسن الحظ لم ينتظر طويلا. كان أول عام دراسي له بالجامعة. كما كان أول وجود له في العاصمة وفي الشارع وفي كل مكان يمر به. مازال الصباح في ساعاته الأولى، دافئا، نديا، طيبا. والمرضى من طلبة الجامعات لم يلحقوا بعد بالمقر. فبدى فارغا أنيقا مريحا، على عكس ما قيل له عنه.

     نادته طبيبة الأسنان بلقبه، بعد أن تسلمت ورقة التسجيل من المسؤول. وما إن جلس أمامها فوق المقعد الخاص كالعصفور الجريح متألما، حتى تبين حسنها الفتان وقدها البان وعمرها الصغير كأنها زميلته في نفس العام. والتهمته رائحة شذاها العاتي لتزيده توترا وخجلا. وبابتسامة ملائكية طلبت منه فتح فيه، لتعاين الضرس المكسور. ثم حقنته على الفور بالجرعة المعيرة للمخدر في جانب اللثة. سألته أن ينتظر لحظات حتى يسري المخدر في الجانب المتألم من  فمه. عندما استدعته لتبدأ في خلع ضرسه، كان في كامل وعيه وأعصابه. زادته جرعة أخرى من المخدر في المنطقة المتاخمة للسان من اللثة. وطلبت من الانتظار قليلا. لم تندهش طبيبة الأسنان في أول الأمر. إذ أرجعت الأمر لكمال الصحة وتمام الجسد. كان طوله فارها، مكتمل العضلات، رياضي البنية. استدعته للمرة الثانية لتنهي مهام خلع الضرس. نقرت خده الخارجي بسبابتها اليمنى، ارتجف من الألم. انزلت الطبيبة الكمامة  المعقمة من على شفتيها : "ألم يؤثر بك المخدر؟! هل تشعر بأي خدر يمس أعصاب فمك ؟!". استغربت الطبيبة هذه المرة حين هز رأسه بالنفي. بادرته بالسؤال: "ألكوليك أنت ؟!" رد عليها: "لا".  سألته ثانية، وهي تحضر مقدرا عياريا ثالثا من المخدر من خزانة المواد الطبية بجانب باب الغرفة : "أنت من الجنوب؟!". "نعم. مدنين".

     ابتسمت في هدوء وغرست سن حقنة المخدر في طرف اللثة اللصيقة بالضرس المراد خلعه. وأبقته هذه المرة على كرسي الكشف. تنظر إليه وتتفحصه، وهو مغمض العينين أمامها، متألما خجلا من نظراتها الثاقبة المتفحصة. لم يستطع أن يخفي معالم الألم على وجهه الأسمر وسيم الملامح الذي لايخلو من صرامة وتحجر، من أثر أوجاع ضرسه المتضررة والتي زادتهم وخزات الحقن الثلاثة آلاما إضافية. تتزاحم في رأسه عشرات الأسئلة  المتوالدة من تساؤلاتها. هل وحدهم المدمنون على تناول الخمور من لا تؤثر بهم جرعات المخدر؟! هل يبدو عليه من أولئك  الصنف؟! وهل يعرف الجنوبيون بتناول الخمور في العاصمة؟! وكيف تستطيع هي التعرف عليهم -هكذا- في قلب النهار؟! ثم قالت بثقة ودلال: "أها، تأكل الكثير من التمور إذن".

هز رأسه موافقا دون أن يفتح عينيه أو فمه. أضيفت حزمة أخرى من التساؤلات إليه. هل تناول التمور تهمة؟! فكل من يسكن الجنوب يتناول التمر في كامل أوقات النهار والليل؛ لا يملك غيره من غلة متاحة. يفتتح به صباحه، وبين الوجبات الثلاثة كتحلية بعد تناول الوجبة وقطعا من الليل أيضا أثناء وقوف الشباب على رأس الأنهج. أو عند الدخول خلسة للمخزن في طريق المرور لدار الخلاء كي يقضي حاجته في قلب الليل، وقبل الصلوات الخمس وبعد النوافل…

      أحضرت آلة الخلع من الفرن الكهربي الصغير المجهز لتعقيم جميع الأدوات الدقيقة المستخدمة لديها بجانب الغرفة. وبدأت تحرك الضرس قليلا في مكانه بعد أن أحكمت قبضة الآلة عليه، استعدادا لنزعه. تحرك جسد الطالب الجنوبي أسفلها بهدوء ملاحظ وسيطرة مضاعفة. ضغطت على كتفيه الأيمن بيدها اليسرى، حتى يثبت دون حركة. واستمرت في محاولة نزع الضرس بقوة أكبر. ندت منه بعض الآهات المكتومة، دليل على تأثره العميق ومحاولة سيطرته على ألمه وانفعاله. تعرقت الطبيبة وزاد انفعالها هي الأخرى من اهتزاز سيطرتها وعدم تمكنها من إتمام عملية الخلع بسرعة. زادت من جهدها في محاولة خلخلة الضرس من مكانه بعد أن التصقت تماما بجسدها من الكرسي. 

ولما لم تجد تطورا ملموسا بخلخلة الضرس، اضطرت إلى رفع ساقها اليمنى لتضعها فوق صدر طالبنا الجنوبي، وتمسك بكتفه الأيمن بقبضتها اليسرى وتحضنه بكل ما تملك من عزم وقوة. تحرك يمنة ويسرة وفي نفس الوقت إلى الأعلى في محاولة أخيرة حاسمة لاستئصال الضرس البغيض. وجم الطالب واستسلم تماما حينما أحس بملمس جلدها الناعم يكتسيه وذيوع رائحة عطرها الزاكي المتدفق إلى ضميمة روحه، يسحق جلمود كيانه. جمد مكانه كالصنم. لم يستطع الإتيان بأي ردة فعل وهو الذي تثور بداخله البراكين والعواصف. تمنى لو لم يرد ذلك الموقف ولم يأت إلى هذا المكان و هذه الجامعة وهذه العاصمة.  لحظات مرت عليهما كأنها الدهر من تداخل مشاعر التوتر والقلق والحشمة والوجل والإصرار والألم. إلى أن نجحت في خلع الضرس من مكانه. تنفسا الصعداء معا، رغم الدماء الساخنة التي فاضت من فم الطالب الجنوبي. رغم العرق العنبري الذي سال من جسد الطبيبة الجميلة. أسرع إلى الحوض الصغير الملاصق لكرسي الخلع لتنظيف فمه. أسرعت الطبيبة الحسناء إلى منشفة بيضاء خاصة لتجفيف العرق من وجهها وجبينها وأعلى صدرها وهي تنظر إليه بلا مواربة، بعيونها العسلية النجلاء، منتصرة. ثم اقتربت بدلال، لتضع بعض القطن الطبي الممزوج بسائل التطهير في فمه. محذرة إياه من تناول أية أطعمة لهذا اليوم، غير السائلة منها بعد ساعات طوال. اومأ برأسه بالإيجاب طائعا، ورفع عينيه إليها، ليكتشف حسنها مكتملا كالقمر البدر في ليلة منتصف الشهر. وقد زاده جهدها الوظيفي الطاغي جمالا وحسنا ورنقا خرافيا. تمنى لو احتواها بين أحضانه شاكرا لها صنيعها معبرا لها عن حسن إدارتها للموقف، معبرا عن عشقه لجمالها الأخاذ، الذي حفر أخاديد الغبطة في قلبه. كما تحفر رؤيته لأول ثمرة طيبة في عرجون نخلة "دقلة النور" فرحة الأمل منبئة لا محالة بحصاد مبارك.

خرج من المكان مغادرا عتبات البناية مبتهجا هيمانا، رغم الألم وفقد الدماء والخجل وخلع الضرس. بعد أن مدت إليها يدا رقيقة بالسلام والتواصل والأمل. استطاع أن يسير في شارع "محمد الخامس" هذه المرة بتؤدة وتأمل، ناظرا إلى كل ما يحيط بالشارع من علامات متفرسا. شعر بالندم على غفلته وقلة انتباهه لتثمين كل ذاك الجمال الرباني والبهاء الطبيعي. خطى مزهوا مستمتعا بجمال النخلات الباسقات والبتلات  الحمراء البازغة بين الأغصان الخضراء واضعا يده اليمنى على خده الذي لم يزل في خدره ينتفض باقيا، مبتسما، خجلا، مسترجعا التفاصيل الدقيقة.

د. أنديرا راضي

في نفس السياق