رسالة الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور إلى فرحات حشاد بعد حوادث أوت 1947 (وثيقة)

نشر من طرف الشاهد في الجمعة 21 أوت 2020 - 01:48
اخر تاريخ تحديث الأحد 28 فيفري 2021 - 01:52

- تمتنع جميع المنظمات النقابية في الدنيا من الاتصال بالملوك ولو كانوا دستوريين خاضعين للنظام الديمقراطي.

- إنّ موقف الشعب نحو سموّه وإعراض طبقات العَملة عن الاتصال به، لكون استسلامه للإدارة الاستعمارية أمورٌ يعلُمها الخاص والعام والعدو والصديق.

- وإنه ليؤلمني جدا أن أتصور الحبيب عاشور ذلك البطل الوطني النقابي خارجا من السجن بشفاعة لم يخرج بها أحد من أهل وطنه قبله.

- الطامة الكبرى التي يندى لها جبين المروءة الإنسانية خجلا هو مد يدكم لقبض مقدار من الباي، وهو أمر يقدح في شرفنا النقابي.  

 

كتب الفاضل ابن عاشور هذه الرسالة بعد حوادث صفاقس في 5 أوت 1947 التي استشهد فيها نقابيون واعتقلت إثرها السلطات الاستعمارية الفرنسية المناضل النقابي الحبيب عاشور وعدد من النقابيين.

ويقول المؤرخ محمد الحبيب الهيلة إنّ هذه الرسالة كتبت عندما اختلف السبل بين الرجلين بخصوص موقف الاتحاد العام التونسي للشغل من ملك تونس الأمين باي الذي نصبته فرنسا بعد خلع المنصف باي ونفيه. فقد بقي الاتحاد "منصفيا" يعارض وجود الأمين باي "إلاّ أنّ حوادث 5 أوت 1947 وتداخل الحزب الدستوري ومساومات الإقامة العامة الفرنسية والقصر الملكي دفعت بالاتحاد إلى الالتجاء للأمين باي لعله ينقذ المنظمة الشغيلة وزعماءها من شر كبير. فكان هذا الوضع هو الذي أبرز خالفا جوهريا بين الشيخ وفرحات فكتب له هذه الرسالة".

والملاحظ أن الشيخ ختم رسالـته بذكر اسمـه متبـوعا بوظيفته في الاتحاد "الرئيس الشرفي لا لتحاد العام التونسي للشغل" وهو ما يشير، حسب قراءة الحبيب الهيلة، إلى أن قرارات التحول في سياسة الاتحاد وقعت دون استشارة رئيسه الشرفي الذي وافقت على تسميته القاعدة العمالية.

ويرجّح أنّ تاريخ الرسالة هو في شهر سبتمبر بعد قبول فرحات حشاد مبلغ 100 ألف فرنك من الباي وصدور بلاغ حول ذلك في 9 سبتمبر، وهو ما رفضه الشيخ الفاضل بشدة، واعتبره الطامة الكبرى.

ابن عاشور
الشيخ الفاضل بن عاشور يلقي خطابا في مقر الاتحاد العام التونسي للشغل

الأخ العزيز فرحات حشاد

الكاتب العام للاتحاد العام التونسي للشغـــــل

سلاما زكيا كَزكاء نفسك، ومشرقا كإشراق ذكائك، وتحية أخوة تنعش ما بيننا من روح التعاضد على العمل الصالح والتناصر في إعلاء كلمة الحق، وتبعث في نفسك الكريمة ذكريات الساعات الحرجة العذبة التي قضيتها معي بين حلّ وترحال، نضع النواة الأولى في هذه الشجرة المباركة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، شجرة الاتحاد العام التونسي للشغل .

وفي هذه الذكريات ما يؤدّي إلى مداركك العالية أعظم ما أنا حريص على أدائه لها، فإن شواهد التكريم والإعجاب حين أستحضر لك المنزلة المجيدة لنبـني عليه أبرز مثل النجاح والنصر التي طَفح بها ماضيك.

وبعد: فلقد طالعت في هذه الأيام الأخيرة بين أخبار الصحف أخبارا تمسّ اتحادنا العزيز، وهي أخبار المقابلات التي جرت بين رجال في الاتحاد وبين حضرة صاحب السمو سيدي محمد الأمين باي . ولست بحاجة لأن أقول لك إن ذلك قد وقع في نفسي موقع الاستغراب التام. فمثلك من يدرك أن هذه الأخبار- في غرابتها- تقع وقع الصواعق على كل فكر ارتسمت فيه صور المبادئ التي قام عليها الاتحاد العام التونسي للشغل، كيفما كانت صلة ذلك الفكر بمؤسساتنا العتيدة.

فما ظنك بمن كان مثلي في صلته المتينة بالاتحاد وغيرته على نجاحه وحسن سمعته. وقد اندمج اسمي في اسم الاتحاد ودانت نفس بين المـثـل العليا والمبادئ القويمة المقدسة التي طالما أمليتها في خطبي على إخواننا في الاتحاد من ساعة استهلاله حتى أصبحت دستور العمل وأسس المبادئ التي تكون عليها كيان الاتحاد، وأصبحت ذاتي عنوانا على الاتحاد، يمسها ما يمسّه من فخر، ويناله ما ينالها من وزر، من يوم نودي في المؤتمر التكويني للاتحاد (20 مارس 1946) نداء إجماع وإلحاح لأكون كاتبه العام، فمنعني من تلبية نداء الإخوان يقيني بأنّ وفرة تكليفي وتوزع أوقاتي يمنعاني من ذلك. وقبلت بعد لأْي الرئاسة الشرفية لتلك المؤسسة العزيزة شاعرا بما يقتضي ذلك عليّ من واجبات في تحديد مواقفي العامة والشخصية على نحو يحفظ كرامة الاتحاد الذي عُنون عليه باسمي أكثر مما يحفظ كرامتي الشخصية.

وإن فخَرَ مخلص بأعماله فإني َفخور بما استطعت أن أرد للاتحاد من الخدمات الجليلة بمجرد هذا الانتساب الأدبي، مما أعان على ازدهاره والإقبال عليه ونجاحه وثبات موقفه. ولعلّك لا تنسى أنّ كثيرا من الاجتماعات التكوينية للاتحادات المحلية والجهوية قد كان حضوري فيها ضرَبة لازب وشرطا أساسيا، ما كان يتم التكوين الجهوي بدونه. فكنت آتي من الحاضرة إلى مراكز الاجتماعات القاصية من الكاف إلى تطاوين لألقي خطابي في التشجٌع والتأييد، وأنقلبُ إلى الحاضرة في الحين وقد تم تأسيس اتحاد محلي أو اتحاد جهوي.

ولقد حمّلني كل ذلك أن أصبحت َدريئة لسهام الانتقادات المصوبة نحو حركتنا المباركة من أعداء القومية الذين كانوا  يمثلون الحركة النقابية من قَبْل لخدمة أهوائهم الحزبية ومصالحهم الاستعمارية، لشعورهم بأن الضربات القاضية لم تكن تأتيهم إلاّ من ِقبلي. فيكون من الواضح الجلي أنّ نفسا تكنّ للاتحاد بهذه الذكريات الطيبة بين أعماقها وتشعر بمسؤولتها العظمى في إنشاء هذا الجهاز القومي الصالح تكون أكثر إحساسا ِمن غيرها بفداحة الصدمات التي يلاقيها الاتحاد في سبيل كفاحه، في ما يرجع إلى سُمعته في الحاضر وأمله في المستقبل، وتكون مسؤولة عن مصارحة الإخوان بما يختلج في أعماقها من المشاعر التي تشيدها تلك الصدمات، وذلك ما أوجب علي أن لا أكتمك –يا أخي- ولا أكتم إخواني المسؤولين عن تسيير الاتحاد تسييرا عمليا ما يساور نفسي الآن من المخاوف الناشئة عن هذه المجازفة المتجلية في تردّد وفُود الاتحاد على ساحة سيدي الأمين باي.

فإنّ موقف الشعب نحو سموّه وإعراض طبقات العَملة عن الاتصال به، وقلّة ثقتهم فيه وفي حاشيته، وحْكمهم على مواقفه بالتقصير في الدفاع عن عرش هو أول من يُطالب بالدفاع عنه، لكون استسلامه للإدارة الأجنبة الاستعمارية خلافا لكل من يعمل للقضية الوطنية بإخلاص، أمورٌ يعلُمها الخاص والعام والعدو والصديق بعد أن برهنت عليها المظاهرات والإضرابات والعرائض والمواقف السلبية التي يلاقى بها ركابه في وسط الشعب التونسي، وبعد أن أوجبت  جميع منظماتنا السياسية القومية على كل وطني حُر التباعد عنه وعدم الاتصال به، حتى تعطلت في سبيل ذلك أكبر أعيادنا القومية. وبعد أن أعلن المؤتمر القومي في ليلة  القدر قراره في عدم شرعية ملكِه.

وقد كان اتحادنا من أعظم عناصر ذلك المؤتمر وقامت الطبقة العاملة في سبيل تأييده بمواقفها التي سجلها التاريخ بمداد الفخر، وبعد أن أعلن المؤتمر القانوني الأول لاتحادنا العام عدم الاعتراف بحق فرنسا في تنصيب ملك على تونس غير ملكها الشرعي وأيّدت ذلك الطبقة العاملة بإضراب 14 ماي 1947.

ولعل هذا يكفي مانعا للاتحاد- وهو رأس حياتنا القومية، وقلب شعورنا الشعبي، ولسان الطبقة العاملة - ِمن أن يتصل بسيدي الأمين باي كوليّ للأمر، فضلا عن أن تصدر بلاغات الاتحاد طافحة بثناء الطبقة العاملة عليه واعترافها بفضله، وما الطبقة العامة لو تمكنت من النطق إلا لسان واحد ناطق بعكس ذلك.

على أننا لو فرضنا أن سيدي الأمين لم يكن بهذه المنزلة وكانت ولايته على الطريقة المعتادة، ولم يكن في مواقفه ما حكم به عليه الرأي العام الوطني بما حكم، لكان مجرد كونه ملكا مطلقا يتصرف تصرفا لا يقوم على الشورى ولا على تحديد المسؤولية بما لا يقره الدين ولا تصادق عليه النظم الديمقراطية التي ترتبط بها القوانين النقابية، لكان ذلك وحده مانعا للاتحاد من أن يتـصل به، كما تمتنع جميع المنظمات النقابية في الدنيا من الاتصال بالملوك ولو كانوا دستوريين خاضعين للنظام الديمقراطي.

وأنا مؤمن بأن هذه الملاحظات ما كانت لتغيب عن مثل إدراكك وإدراك الإخوان المسؤولين ، ولكن ظهر لي أن تحرّج الموقف بعد حوادث صفاقس لم تزل جراحاتها تحز في قلوبنا هو الذي سول لكم هذا الصنيع. وكأني بكم وقد هالكم الأمر ودب إلى نفوسكم اليأس ذهلتم عن أن قوة الطبقة العاملة هي قوة الله المنضّدة عليها معها وقوة الحق الكامنة فيها، فانصرفتم تبحثون عن َسَند تتقوّون به في مقابلة الصولة العدوانية الخائبة الفاشلة التي صال بها علينا أعوان الاستعمار. فلاَح لكم قصر الإمارة وعظّمته في أعينكم دعاية خدّامه وقربت إليكم ما يستطيع أن يبذل في معونتكم من جهود لو أنتم التفتم إليه واستنجْدتُم به. ثم لاحت لكم جميع الحقائق الحالقة من هذا الاتحاد على نحو ما أسلفت تقريرها لكم، فوازنتُم بين المصلحة

المرجوة وبين الشناعة الحاصلة، ورجح لكم هول الموقف أن تؤثروا جلب المصلحة للاتحاد وتضّحوا في سبيلها بالمعاني المانعة.

هذا هو الاحتمال الذي تتلقاه نفسي باطمئنان ليقيني بطنيتك وصادق عملك وخالص موقفك في سبيل اتحادنا العزيز، والذي باطمئناني إليه أستطيع أن ألقي تحت قدميًّ وُدبّر أذني جميع التآويل والاحتمالات والإشاعات التي يتخرّص بها الناس في شأن هذه المقابلة، فأحبّ أن أصارحك على أني– مع تقديري لهذا الاحتمال- أرى أنه ما كان ليبرر المجازفة التي ارتكبتم في الالتجاء إلى هاته السلطة التي ما كان ينبغي لاتحاد الشغل أن يلتجئ إليها . وإن الذي يؤلمني من ذلك بصفة خاصة أن تكون أنت انت فرحات الذي وقفت في وجه أعظم صدمة صدمتنا في تاريخ كفاحنا يوم أجمعت جامعة النقابات العالمية فصم صميمها على عدم الاعتراف بنا، فتلقيت ذلك ثابتا ساخرا وقلت: إن قوتـنا فينا، وإن اتحادنا سينشئ جامعة عالمية أعظم من الجامعة التي لم تعترف بنا، يهولك اليوم موقف نذل من موظفي الاستعمار فتظن أنهم  يستطيعون حل الاتحاد أو إقصاءه حقا عن لجان الحل والعقد في شؤون العمال، وتغفل عما أكسبت اتحادنا من القوة دماء الشهداء الأبرار التي أريقت في ساحة المحطة بصفاقس أو الأبطال الصناديد من رجالنا الذين ألقُوا في ظلمات السجن حول زعيمهم وزعيمنا العظيم الحبيب عاشور:

ففي القتلى لأقوام حياة *** وفي الأسرى ِفدى لهم وعتْق

وللحرٌة الحمراء باب *** بكــل يد مــضرّجٍة يُدقّ

الحبيب عاشور
صور الحبيب عاشور بعد اعتقاله

ولعلك لم تكن تغفل طرفة عين عمّا يكون للقصر ِمن فائدة في أن يقصده وفد العمال، ولا سيما يً هذه الظروف التي تحيط به والتي تدعوه إلى الحرص على التقوي في سبيل المقاومة الشخصية التي يقاومون بها وزارة الكعاك، فكان ذلك يفرض عليك أن لا ترضى لاتحادك العظيم بأن يكون وسيلةً لتحقيق مثل هذه الأغراض وأن تربأ به عن حلْف القصر ومسيّري وزارة الكعاك الاستعمارية.

ولعل الواقع قد كشف لك بعد المقابلة الثانية على أن مآل المقابلتين قد كان إلى وقوف الذي توجه إليه الوفد موقف المحايد المرن ونقل المسألة إلى الوزير لالتزامه لكم بتحقيق المطالب:

فيا ليته قد كان في أول الهوى *** أراح عذولي واكتفينا من ....

وهذا ما يكفي لأن يصور للناس أن القصر استفاد منّا ولم نستفد منه حيث رَدنا إلى مرحلة كنا مقتدرين على أن نصل إليها بدونه.

أما أن يكون القصر بتداخله يستطيع أن يدفع شيئا مما يدبّره الفرنسيون لاتحادنا من الكيد فهو ظن لا يستقر لحظة عند أبسط الأفكار وأكثرها بلَها. فمتى كان القصر الحالي يستطيع أن يقف وقفة حازمة في وجه الإرادات السياسية الفرنسية؟ وهو الذي لم يستطع أن يثبت في أكثر الأمور تعلقا به وأبعدها عن مقاصد الفرنسوية.

 فإذا كان الفرنسيون يضمرون شرا للاتحاد فإنه لا يمنعهم ِمن إيصاله إليه إلا رهبتهم من قوته فيبقون منتظرين وقفة ضعف من طرف الاتحاد ليسلّطوا عليه ضربتهم، ولا يجدون مظهرا للضعف– بعد ما سبق في حل الأحزاب بتقهقر غير منتظر– إلا أن يسجل الاتحاد على نفسه الضعف إلى أقصى حد بالتجائه إلى الباب الذي كان رجاله يدعون عـلنا إلى صدّ الناس عن الالتجاء إليه.

وإذا كان المقيم قد اقتبل وفد الاتحاد بعد المقابلة الأمينية فذلك لأنه أراد له رجال السياسة من بني قومه أن لا يتصل بالاتحاد إلّا والاتحاد على حالة من الضعف تجعل جانبه غير مخشي على المصالح الاستعمارية . وبعد أن تجد الأوساط الاستعمارية من مواقفنا ما تتناوله بتهّكم وتورك يشفيان غليل نفس الاستعمار فينا، وتحقق لدعايته الأثيمة ما كانت تتطاول به من أن سياسة اتحادنا سياسة مستمدة من ذوات خارجية عنه تتقلب بها تقلبات الظروف وعواطف الأطماع.

هذه هي الملاحظات التي ترجع إلى المقابلة باعتبار ذاتها وإلى فساد ما فيها من أصل الاتصال. أما ما اشتملت عليه المقابلة من الأمور المنافية لشرف الاتحاد ومبادئه فإني ألاحظ من ذلك ثلاثة أمور:

- الأمر الأول هو أننا بالتجائنا إلى القصر الأميني التجاء شكاية واستنجاد قد جعلناه حَكما بيننا وبين الإدارة، وهو قد وَعد بالتأمل في الأمر وَقبلنا ذلك منه. وَمن ذا الذي يضمن لنا أنه بعد انقضاء أيام يجيبنا بأنه تأمل وسأل ونظر ثم قرر أن الحق في جانب الإدارة وأّيد أعمالها وحمّل المسؤولية علينا كما فعل مجلس الوزراء أمام تصريحات المقيم. فكيف نستطيع لو وقع ذلك– لا قدر الله– أن نقدح في عدالة حُكم نحن الذين حكّمناه وَهرعنا إليه وأدخلناه في الأمر ورفعنا القضية إلى أنظاره.

- الأمر الثاني هو مسألة طلب السراح الوقتي للزعيم الحبيب عاشور ومعتقلي صفاقس، ومعلوم أن السراح الوقتي لا يطلبه إلّا أحد الرجلين: إما إنسان مقر بمسؤوليته القضائية معترف بعدالة القانون ونزاهة المحكمة يريد أن يتمتّع مؤقتا بحالة السراح حتى تحين ساعة القصاص الحق، وإما إنسان مطمئن إلى براءته واثق بعدالة المحكمة ونزاهتها يطلب السراح ليقينه بأنه إذا عرضت القضية على المحكمة فإنها ترفع عنه حالة الإيقاف وتطلق سبيله فيتعجل ذلك السراح بصفة وقتية تقررها المحكمة نهائيا في ما بعد.

ونحن نجزم بأن حالة معتقلينا الكرام مع المحكمة ليست حالة واحدة من هذين ليقيننا بأن أحكام المحكمة هي أحكام صورية قد أملِي مضمونها في البلاغات السفيرية وأن القوانين التي تستند إليها هي جاِئرة مختلـة وضعْت لتغلّ حريات الجنس العربي ولتضطهد الطبقة العاملة منه بصفة خاصة.

وإن موقف من كانت هذه حالته مع المحكمة وهذا اعتقاده فيها أن لا يطلب سراحا وقتيا ولا  يلتجئ إلى استئناف ولا تعقيب، وأن يقف ثابتا غير متحرك أمام المهزلة الإنسانة التي يريد الظلم أن يجعله موضوعها، وذلك ما كان فعله دائما المعتقلون السياسيون عندنا وعند غيرنا من الأمم ولو صدر الحكم عليهم بالإعدام.

وإنه ليؤلمني جدا أن أتصور الحبيب عاشور ذلك البطل الوطني النقابي خارجا من السجن بشفاعة لم يخرج بها أحد من أهل وطنه قبله– إلا علي بن ضياف(*)–  فأودّ أن تصبح جدران السجن فُولاذية على شرف أخينا العزيز حتى لا نعابر بهذا الشعر :

يهون علينا أن تصاب جسومنا *** وتسلم أعراض لنا وعقول

- الأمر الثالث وهو الطامة الكبرى التي يندى لها جبين المروءة الإنسانية خجلا هو مد يدكم لقبض مقدار من الباي، وهو

أمر يقدح في شرفنا النقابي.  فإنه لا يخفاكم أن المنظمات النقابية تمنع على نفسها قبول أي تبرع مالي من كائن من كان من غير منخر طيها من الطبقات العاملة، لأنّها منظمات كفاح في وجه أقدر الناس على بذل المال، فإذا فتحت هذا الباب أصبح لها ذريعة استجداء للطبقة الرأسمالية.

وما هو المقدار الزهيد الذي بذله لكم سيدي الأمين باي أمام المقادير الباهظة التي تستطيع أن تفيضها عليكم غدا الشركات الكبرى ومنظمات الدعايات الأجنبة– دولية وحزبية– بما يضخم صندوقنا بمائة مليون؟ ولكنه يجعل اتحـادنا "يحور رمادا بعد إذ هو ساطع".

ولعل الحاجة والفاقة– وإن اشتدت بعائلات المنكوبين– لا تبيحان لها مد اليد إلى قبض مال معلوم أصله ومعلومة الغاية التي دفع في سبيلها . كما لم تُبح الحاجة والفاقة للطلبة المغتربين في أرض البرد والجوع أن يقبلوا التبرعات التي أتتْهم في الشتاء الماضي من تلك الجهة نفسها.

هذه هي ملاحظاتي أباِدر بتوجيهها إليك- يا أخي العزيز– قياما بواجب  التناصح. وأنا أرجو منك أن تعرضها على إخواننا باللجنة العليا واللجنة الإدارية وأن تطلب منهم باسمي:

1- رد المائة ألف فرنك حالا إلى صاحبها.

2- إصدار بلاغ يقتضي أن الطبقة العاملة بموقفها هذا لم تضع ثقتها التحكيمية في أي شخص في أي مرجع.

وعليكم وعليهم جميعا سلام الأخوة الخالصة في الله.

لا زلتم ثابتين على أقوم طريق، يمّدكم من الله الصون والتوفيق

أخوكم محمد الفاضل ابن عاشور

 الرئيس الشرفي للاتحاد العام التونسي للشغل

 

(*) علي بن ضياف: رجل تعامل مع الاستعمار فنصّبوه " قايدا " بالجنوب، ثم تعامل مع الألمان خلال استيلائهم على البلاد. وبعد انتصار الحلفاء اتّهمه الفرنسيون بالجوسسة فحكمت عليه المحكمة العسكرية بالإعدام، وتداخل بعض المستعمرين فتحوّل الحكم إلى سجن، ثم جاء الأمر من الجنرال ديقول بالعفو عنه نهائيا. ومنذ ذلك الوقت أصبح من أكبر أنصار الأمين باي وأصدر جريدة "البيان" لنشر الدعاية "الأمينية" ولمهاجمة "المنصفيين "ومن بينهم الشيخ الفاضل اين عاشور (الهيلة).

في نفس السياق