سوس الملح (قصة قصيرة)

نشر من طرف الشاهد في الخميس 24 سبتمبر 2020 - 14:26
اخر تاريخ تحديث الثلاثاء 27 أكتوبر 2020 - 18:31

 

"حمزة، حمزة ولدي.. غْبِرْ".

   استيقظت القرية على صراخ الأم بعد انبلاج نور الفجر. هو الابن الوحيد الذي خرجت به من الدنيا. هادئ النفس، لطيف الروح، متسامح، طيب، لا يؤذي ذبابة. حتى وإن ظهرت عليه علامات طيف التوحد منذ السنوات الأولى، إلا أنه استحوذ على عطف ومحبة جميع الجيران والأصحاب، وليس الأهل والأقارب فقط. يملأ عليها دنياها ويرافق وحدتها، حين فقدت  أباه منذ خمسة عشر عاما مضت. سعت إلى تكوينه في ورشة نجارة "عم الطيب" منذ فترة المراهقة. حاولت إسعاده وقذفه في حياة طبيعية مثل أترابه من الشباب البالغين. اختارت له فتاة صبورة من فتيات القرية الطيبات اللائي فاتهن قطار الزواج بمحطات. لكنه كان يهرب من بيته المتواضع إلى أمه في كل حين، متناسيا زوجته ودفئها وطعامها اللذيذ. لم تكن تدري أتفرح بقدومه أم تعيده مرة بعد مرة إلى أحضان زوجته الشابة. إلى أن نفد صبر الزوجة وضاقت من اضطرابه وشروده النفسي. وهربت هي بنفسها من توحده. وعاد "حمزة" إلى حضن أمه المحبة. لتقدم له مزيدا من تضحيات العمر والصحة والصبر والأعصاب.

   استجابة لاستغاثة الأم المكلومة، هرول شباب القرية إلى دراجاتهم الهوائية مباشرة. بعد أن اعتادوا البحث عنه والعثور عليه مرات ومرات. فلم تكن المرة الأولى التي يخرج فيها "حمزة" ويرتحل إلى غير هدى. فقد خرج المرة السابقة من المنزل نحو القرية المجاورة سيرا على أقدامه، بين الواحات المحيطة بالقريتين كالذئب المحنك.  حتى شاهده فلاحو القرية العائدون من يومهم الشاق بالحقل، ممددا بين الأشجار. لا يعنيه حر من قر ولا يهتم بنهار من ليل. "متى حكمت له بالخروج، يخرج". فهو يخرج متى غفلت عنه عيون أمه الحارسة في الدار، وعيون الجيران والأصحاب بالنهار. يختار من الليل مرعى حتى لا تصله العيون الناهشة. متى أمرته بنات أفكاره وسولت له نفسه بالانطلاق والمسير.

   تعدت ساعات الصباح بطيئة رتيبة مؤلمة. تتحلق جارات الأم حولها وسط  سقيفة الدار، حيث تنصب منسجها الخشبي لصنع السجاد الصوفي والأغطية المختلفة من بقايا الملابس، تقتات بها في مواجهة ضنك العيش وشظف الحياة. فلا يكاد منزل أو دار يخلو في القرية من نقشات "أم حمزة" المبدعة. جلست الجارات ينصتن بكل ود ورأفة، لحكاياتها المكررة عن "حمزة" الغالي الحنون والتي حفظنها عن ظهر قلب من كثرة ترديدها. تتوقف كل بضع دقائق مفطورة القلب باكية، لتطل على هاتفها المجبر بالشرائط اللاصقة، داعية المولى عز وعلا أن يجبر خاطرها وتسمع من صوت أحد الشباب خبرا يثلج قلبها.

    لم يكن ما يخيف شباب القرية حينئذ، وصول "حمزة" للقرية المجاورة. فالكل هناك أصبح يعرفه تمام المعرفة. شد ما أخافهم توجهه غربا نحو "شط الجريد". شط الملح المخيف، الذي يفني كل حي وكل جماد. يحول كل شيء إلى كتلة من ملح. ولا شيء غير الملح يعلو في تلك البقعة المسحورة، المسكونة بالسوس المعربد النافذ إلى كل ذرة تصله. ينخر كل جسد يلمسه أو يخطو فوقه. يحوله إلى غبار تذروه الرياح. ويدور الغبار في مساحة مربعة عظيمة تصل لمائة من الكيلومترات. يأكل الملح فيها الأخضر واليابس والمعدن والنسيج و الحي والساكن. لم تقدر فوقها السلطات من تنفيذ أي مشروعات. وظل مساحة شاسعة غير مستفاد منها اللهم إلا أستخراج الملح وتوريده إلى فرنسا بأرخص الأسعار كي تذيب به ثلوج مواسمها الشتائية الكثيفة المترامية الأطراف. قسم الشباب أنفسهم إلى أربع مجموعات بحثية وانطلقت كل مجموعة في طريق.

    دوت رنات الهواتف النقالة المندسة في صدور وجيوب الأمهات بشكل متتالي. تطلب العون من أصحاب السيارات ذات الصندوق الخلفي المخصص لنقل البضائع، بعد أن انقطع أملهم في أن يجدوه بدرجاتهم النارية في الأماكن القريبة. كما انطلق سرب الرسائل الالكترونية عبر مواقع التواصل الاجتماعي ليوقظ الرجال وينهض عزائمهم على مد يد العون والمساعدة العاجلة. إذ لم يجدوا "لحمزة" أثرا قريبا في مدخل الشط. فالعاصفة الرملية لم تترك أي أثر باق. الأمر الذي أثار انزعاجهم و تساؤلهم حول احتمالات ما حل "بحمزة"، ومدى عمق ما أخذته أقدامه المتهورة من خطوات هناك. مما دفعهم إلى الدخول في سباق محموم وحرب ضروس مع "كرونوس" إله الوقت وحاصد الزمن في الميثولوجيا الإغريقية -والذي اشتهر بظلمه وطغيانه وتحجر قلبه والتهامه لجميع ابنائه، حتى جاء "زيوس" من صلبه ونجح في الانتصار عليه- إلى استنفار الجهود وعزائم الرجال وحث ضمائرها للفعل والبذل للانتشار بكثافة في كل الاتجاهات. حتى لا يلتهم سوس الملح اللعين جسد صديقهم "حمزة"، طرفا طرف. جروا في كل الاتجاهات في كل مدى تصل إليه السيارات ذات الصندوق الخلفي بلا بارقة أمل. وهنا لجأ خبيرهم في الصحاري والفيافي الذي أدلى بدلوه قائلا: "عليكم "بحميدان" خبير الأثر".

حمله أصحاب الدراجات النارية القوية إلى حيث يتنبأ ويبتغي. جيء "بحميدان" إلى أطراف واحة القرية. سألهم مباشرة: متى خرج "حمزة" من البيت؟ صمت الجميع. فواصل بثقة: "إن كان صباحا، اتجهوا بي غربا. فالتائه لا يسير والشمس في وجهه. وإن كان مساء اتجهوا بي شرقا". نظر الجميع إلى بعضهم البعض واجمين. فلا أحد يعلم ولا أحد يستطيع الجزم. "أوصلوني إذن إلى "زيرة التوزرية". (عبارة عن جزيرة رملية في عمق شط الجريد من جانبه الشمالي) هكذا كان رده السريع كمشرط جراح بارع يغوص في جسد يتوجع مبلى بالأورام الحية. ومن "التوزرية" انطلقوا به جنوبا. 

وكان يأمرهم بالوقوف كلما وجد أثرا فوق البسيطة. يرافقه الشباب مفعمين بالحذر والصمت والأمل. يقطع صمتهم الكوني أزير الدراجات النارية تنهب رمال الصحراء ورنات الهواتف المتعطشة لخبر يروي الأفئدة. وبعد حوالي عشرة كيلومترات من المسير بعيدا عن "التوزرية"، أمر مرافقيه بالتوقف. حين وجد أثرا قد أخفت معالمه الرمال. فلا يبين إن كان لآدمي أو حيوان بري. تتبعه "حميدان" لعشرات الأمتار شرقا وعشرات الأمتار غربا. ثم نزل على ركبتيه. وبدأ ينفخ الرمال من فوق الأثر ثم صاح فرحا: "إنه هو، هذا أثره". فرح من معه وابتهجوا. وانطلقت المكالمات والرسائل لبقية الفرق التي تبحث في أفضية واتجاهات أخرى.

     مرّ وقت صلاة العصر بقليل. ولم تجرؤ أي أم على الاتصال بابنها لتسأل على خبر طيب. مكتفيات بالتغذي على الأمل والارتواء من غيمات نداه. "ما داموا لم يصلهم خبر سيء، ما داموا يبحثون، مادام هناك أمل أن يصلوا إليه". كلما مرت ساعات من اليوم كلما نقصت كلمات الأم الشاحبة وحكاياها المتباهية، كلما جف رضابها واستحال إلى علقما. وزاد نشيج قلبها مفرطا في الشهقات. وعلت أنفاس رئتيها مندمجة بالارتجافات. تصطرخ دعواتها وتصول ابتهالاتها في أعماق السماوات السبع ما بين حنايا عرش الخلاق العظيم، علها تستجاب بالوصل والنفاذ في أنحاء الأرض. مسلمة بما سيكون لكنها غير منقطعة الرجاء. وباتت النساء من الجارات والصاحبات وأمهات الشباب الباحثين ساهمات، مرتابات، فاقدات الأمل في عودة "حمزة" سالما هذه المرة. 

    استمات الشباب في اختراق شط الرمال المخيف، قبل أن يداهمهم الليل ويقعوا في براثن الظلمة. متسربلين بانتشاءات فرح عثورهم على أثر "حمزة"، مستبشرين بأمل تتويج رحلتهم اللاهثة بالعثور عليه. بدا القلق والحزن على محيا "حميدان" وهو يقول غاصا: "لقد مر من هنا منذ فجر اليوم، ويصعب علينا أن نجده حيا وسط هجير هذا اليوم الطويل". قاطعه قريبه من الشباب بحدة: "أعرف قوة تحمله". وانطلق كالسهم غربا حيث أشار "حميدان". لحقه صديقه وجاره "مسعود" وعاد البقية "بحميدان" إلى القرية. نصف ساعة من المسير، اختفت من حولهما ملامح الكون. لا سلسلة جبال الشارب. ولا واحات الجريد. ولا واحات قرى قبلي. لا شيء هناك إلا البياض، بياض الملح. حتى السماء ابيضت ولم تعد زرقاء. تسرب الخوف إلى قلبي الشابين، حتى طفح في الأوردة.  كأن الفراغ أيضا قد غزا الشرايين. قال قريبه بإصرار: "لن أعود دونه وإن هلكت". اشتحنت طاقات جسديهما معا. وانقشع الرهب من قلبيهما. وواصلا معا المسير إلى أن رأوا كومة من بعيد. "يا الله، إنه هو" صاحا معا. تباطأت سرعة موتور الدراجتين، وتسارعت نبضات قلبيهما بشكل كارثي. فتموضعه الجسدي لا يدل على أنه لا يزال حيا. اقتربا رويدا رويدا. "إنه لا يتحرك". صاح قريبه فزعا: "حمزة". تصدعت كتل الملح في كامل الشط من هول قوة الصوت. حامت دعوات الأم المحبة حوله ورفرفت بجناحيها عاليا لتسلمه إليهما. رفع "حمزة" رأسه المغروس في الملح. كأنه قادم من دهاليز مختلسة من أكوان وممالك فانية. احتضنه قريبه. أسرع "مسعود" إلى محفظة دراجته وجلب قنينة الماء. وبطرف عمامة رأسه القطنية الزهرية اللون، أخذ يبلل شفتي "حمزة" المتحجرة. عادت الحياة إلى جسد "حمزة" المتهالك مع تلك القطرات الندية. ربطه "مسعود" إلى جسد قريبه بعمامته فوق الدراجة ودفعهما لينطلقا أمامه. كتب رسالة في صفحة شباب القرية: "وجدناه حيا قبل أن يلتهمه سوس الملح، نحن عائدون".

د. أنديرا راضي

في نفس السياق

 لقاء  (قصة قصيرة)

 لقاء  (قصة قصيرة)

- الإثنين 26 أكتوبر 2020 - 10:47

جنوبي (قصة قصيرة)

جنوبي (قصة قصيرة)

- الخميس 15 أكتوبر 2020 - 15:23