شخصيات تونسية حزبية وحكومية اعتزلت السياسة اختيارا واضطرارا

نشر من طرف محمد علي الهيشري في الجمعة 4 سبتمبر 2020 - 14:24
اخر تاريخ تحديث الأربعاء 30 سبتمبر 2020 - 00:32

أعلن محمد عبو، أمس الأربعاء 2 سبتمبر 2020 عن استقالته من الأمانة العامة وعضوية حزب التيار الديمقراطي ومغادرته للحياة السياسية، التي اعتبر أنها أضرت به.

وقال عبو خلال ندوة صحفية، "لم تعد لي أية رغبة في أية مسؤولية سياسية ولم تعد لديّ أية قناعة وثقة في قدرتي على تغيير الوضع في البلاد، والذي تبين أن إصلاحه أصعب مما توقعت"، وفق تعبيره.

ويعتبر محمد عبو من الوجوه الحقوقية والسياسية المعارضة قبل الثورة، وكان من قيادات حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وأصبح أمينا عاما له بعد اختيار المنصف المرزوقي رئيسا للجمهورية في نهاية 2011 وعيّن وزيرا مكلّفا بالإصلاح الإداري في حكومة حمادي الجبالي ولكنه سرعان ما قدّم استقالته وأسّس حزب التيار الديمقراطي في ماي 2013.

وفي المؤتمر الثاني للحزب في أفريل 2019، انتخب عبو أمينا عاما للحزب خلفا لغازي الشواشي، وترشح للانتخابات الرئاسية. وبعد نجاح الحزب في الانتخابات التشريعية، عُيّن عبو وزير دولة مكلف بالوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد.

وسبق عبو لاعتزال السياسة ومغادرة الحياة العامة عديد الوجوه السياسية البارزة.

 

اعتزال وجوه محسوبة على الثورة

رغم ما تعيشه تونس من حرية وديمقراطية وتعددية منذ ثورة 2011، إلاّ أن بعض الوجوه السياسية المناضلة في العهد السابق وبعد سنوات من الممارسة السياسية انتهى بها المطاف إلى اعتزال السياسة بسبب فشلها في فرض نفسها في المشهد السياسي المتحرّك والمتحوّل.

ومن بين هذه الأسماء الرئيس السابق المنصف المرزوقي والذي أعلن اعتزاله السياسة يوم 25 نوفمبر 2019 بعد فشله في الانتخابات الرئاسية وحصوله على 3 في المائة من الأصوات فقط.

وقال المرزوقي في رسالة اعتزاله: "على إثر نتائج الانتخابات الأخيرة، التي أتحمل كامل المسؤولية فيها، قررت الانسحاب من رئاسة حزب الحراك (حراك تونس الإرادة) وكذلك من الساحة السياسية الوطنية، مع البقاء ملتزما بكل قضايا شعبي وأمتى التي سأواصل خدمتها بما أستطيع".

النائب السابق لرئيس مجلس النواب ونائب حركة النهضة والمرشّح السابق للانتخابات الرئاسية عبد الفتاح مورو، أعلن بدوره في 26 ماي 2020 أنه قرّر الانسحاب من العمل السياسي والانصراف الى مشاغل اخرى لها علاقة بالشأن العام.

كما عرفت الساحة الوطنية اعتزال أيضا عديد الوجوه على الثورة من مختلف الأحزاب والتوجهات السياسية على غرار بشرى بالحاج حميدة واياد الدهماني..

 

اختفاء رموز أحزاب الموالاة "المعارضة"

عرفت تونس بعد الثورة ابتعاد رؤساء الأحزاب القريبة من النظام السابق أو ما يعرف بالمعارضة المعاضدة أو معارضة "الديكور" عن الحياة السياسية حيث تصّنف أحزاب الوحدة الشعبية وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين والحزب الاجتماعي التحرري والاتحاد الديمقراطي الوحدوي بأنها أحزاب شكلية لم تكن تعارض نظام بن علي ولكن وُجدت لتعطيه الشرعية وتوفّر له تعددية شكلية.

وبعد الثورة غاب عن المشهد محمد بوشيحة (أمين عام الوحدة الشعبية) واسماعيل بولحية (أمين عام حركة الديمقراطيين الاشتراكيين) بينما حاول أمين الحزب الديمقراطي الوحدوي أحمد الإينوبلي الانخراط في المسار الثوري والترشّح في انتخابات 2011 غير أن الحصيلة الضعيفة للحزب عجّلت بابتعاده عن الساحة السياسية ومغادرة أمينه العام للمشهد.

الوجه الرابع، هو المنذر ثابت الأمين العام السابق للحزب الاجتماعي التحرري والذي كان من أقرب الأحزاب إلى نظام بن علي، ابتعد عن السياسة دون أن يكون هنالك نشاط يذكر للحزب بعد الثورة، ثم عاد محللا سياسيا في قناة نسمة غير أنه لم يعرف عنه أي نشاط سياسي بعد الثورة رغم قربه من بعض الأحزاب.

كما اختفى عبد الرحمن التليلي، الأمين العام السابق للاتحاد الديمقراطي الوحدوي، عن الحياة العامة بدخوله السجن سنة 2044 بتهمة الفساد وحكم عليه بتسعة أعوام سجنا وغرامة مالية. ولم يظهر التليلي في أنشطة سياسية إثر الإفراج عنه سنة 2011.

ويشار إلى أنّ الدائرة الجنائية المختصة في النظر في قضايا الفساد المالي بالقطب القضائي الاقتصادي المالي بالعاصمة، باشرت النظر في 3 قضايا اتهم فيها التليلي المدير العام السابق للموانئ والمطارات.

 

مسؤولو النظام السابق

رغم تصدّر الباجي قائد السبسي للمشهد السياسي في تونس طيلة 8 سنوات سواء في الحكم أو المعارضة، فإنّ عديد المسؤولين أثناء حكم بن علي وبورقيبة فضّلوا الابتعاد ومغادرة الحياة السياسية والحزبية على غرار أحمد المستيري وأحمد بن صالح والمرحوم الهادي البكوش وغيرهم.

ورغم محاولة البعض التأقلم مع الوضع الجديد والانسجام إلى حدّ ما مع الثورة ومبادئه إلاّ أن ذلك قاد بعض القيادات في النظامين الفارطين إلى الابتعاد مثلما حصل مع مصطفى الفيلالي وحامد القروي ومحمد الغنّوشي.

وكانت وجوه حزبية وسياسية من النظام القديم قد اختفت إثر صعود بن علي للحكم مثل محمد الصياح وإدريس قيقة ورشيد صفر والطاهر بلخوجة.

أمّا محمد مزالي الذي شغل الوزارة الأولى من 1980 إلى 1986، وكان مرشحا لخلافة الحبيب بورقيبة فقد غادر تونس إثر إقالته وصدرت بحقه أحكام جنائية بتهمة الفساد. وقد انقطع عن الحياة السياسية في منفاه وظل ناشطا في اللجنة الأولمبية الدولية، ثم عاد إلى تونس سنة 2002 بعد إلغاء الأحكام ضده. وتوفي مزالي بمستشفى في باريس سنة 2010.

 

من العزلة إلى السياسة ثم الاعتزال

مثّلت الثورة فرصة لعديد الوجوه والقيادات السياسية للعودة للساحة السياسية بعد مغادرة طوعية أو اضطرارية زمن حكم بن علي أو عهد بورقيبة ومن بين تلك الأسماء أحمد بن صالح الذي اضطرّ لمغادرة البلاد سنة 1973 هاربا إلى الجزائر ثمّ أوروبا ليؤسس سنة 1973 حزب حركة الوحدة الشعبية، ثمّ عاد إلى تونس سنة 1988 بعد عفو رئاسي لكنه سرعان ما غادر البلاد بعد رفض الترخيص لحزبه سنة 1990 ليعود لتونس سنة 2000 نهائيا.

حاول بعد الثورة بث الروح في حزبه غير أنّه فشل من جديد في كسب رهان المرحلة في ظلّ تقدّم سنّه فابتعد من جديد واعتزل الحياة السياسية نهائيا.

أحمد المستيري مؤسس حركة الديمقراطيين الاشتراكيين الذي تزعّم المعارضة ضدّ الحبيب بورقيبة في نهاية السبعينات، قرر في بداية التسعينات اعتزال السياسة بعد تقييم لانتخابات أفريل 1989 "المزورة"، وإثر مؤتمر حزبه والطريقة التي أبعد بها من القيادة، ليبقى بعيدا عن الحياة العامة حتى جاءت الثورة، حيث ظهر على الساحة من جديد ووقع اقتراحه في نوفمبر 2013 لتولي منصب رئيس حكومة الكفاءات غير أن حركة نداء تونس بقيادة الباجي قائد السبسي رفضت ذلك بتعلّة أن المستيري مرشّح حركة النهضة والاتحاد العام التونسي للشغل.

حمودة بن سلامة هو أحد وجوه النضال الحقوقي في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات وأحد مؤسسي حركة الديمقراطيين الاشتراكيين، التحق سنة 1988 بالتجمع الدستوري الديمقراطي وشغل منصب وزير للرياضة قبل أن تتم إقالته في فيفري 1991 ليغادر الحياة العامة حتى جاءت الثورة فعاد من جديد للنشاط مستقلاّ وترشّح في 2014 للانتخابات الرئاسية وتحصّل على 0.18 بالمائة ليغادر بعد ذلك لحياة العامة نهائيا.

محمد حرمل (توفي سنة 2011) أحد أبرز القادة التاريخيين للحزب الشيوعي التونسي انسحب من الحياة السياسية سنة 2007 بعد انتخاب مؤتمر حركة التجديد لأحمد إبراهيم خلفا له على راس الأمانة العامة للحركة.

 

الانسحاب المفروض وفرصة العودة

قليلة هي قرارات اعتزال السياسة التي كان فيها إقرار بفشل المسار الشخصي والحزبي وتحمّل المسؤولية عن ذلك. أمّا أغلب من اعتزلوا الحياة السياسية فقد اضطرّوا إليها بشروط النظام الاستبدادي أو خوفا من الملاحقات أو بسبب خلافات تنظيمية داخلية. وقليلة هي المراجعات الموثقة التي توضح أسباب نهاية المسار السياسي. ويعود ذلك إلى أنّ أغلب السياسيين التونسيين لا يكتبون مؤلفات يعود إليها الباحثون وعموم الناس. وقد ورد تعليل بعض الانسحابات الأخيرة، في تدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي، أو تصريحات إعلامية مقتضبة.

ولا يؤكد إعلان قرار اعتزال الحياة السياسية أنّه التزام مبدئي نهائيّ، فقد بيّنت مسارات بعض الشخصيات أنّها استأنفت النشاط السياسي عندما توفرت لها فرص "ذهبية" للعودة من "الباب الكبير".

في نفس السياق