لقاء  (قصة قصيرة)

نشر من طرف الشاهد في الإثنين 26 أكتوبر 2020 - 10:47
اخر تاريخ تحديث الخميس 26 نوفمبر 2020 - 04:21

"حقيقة المحبة أن تهب لمن أحببت كلك، ولا يبقى لك منك شيء"، السهروردي.

 

 رائحة الأماكن التي تحمل أقدام الأحبة وذكريات وجودهم ورائحة عرقهم ودقائق معيشتهم، تجتثنا من ألمنا وتدفعنا نحو إذكاء الوجد وإثارة الشوق. تغرس فينا الحنين واللهفة للقاء آني جامح. ترفرف النفس محلقة كنثار روح في الطريق إلى القرية التي عاش بها أربع سنوات مضت من عمره. أعارها الحب جناحيه كحمامة بيضاء تسابق الحافلة الصغيرة تارة فتدور حولها وتسبقها، وتارة أخرى تحط على مقدمة الحافلة تترقب القادم من الطريق متعجلة مرور القرى: "واد فندق، واد هدارات، سيدي جاب الله" . لم تهتم لتعليقات الرفقاء عن قرب وصولها للقرية. وتهامسهم عن جنوح حركات أطرافها، وعن حماستها الضارية، وشغفها المتوحش بالوصول. لم تعر أي انتباه لاستراقهم النظر للفتاتها النهمة صوب النوافذ والطرقات القريبة المحاذية للطريق العام الموصل لمبتغاها. محاولين التلصص على تفاصيل وجهها الندي المنبهر. وعلى لمسات اناملها على مقابض المقعد الأمامي وهي تعزف أناشيد العناق وترانيم القبلات المدججة بوهج الأشواق. كلما نهبت العجلات أرض الطريق صعودا وهبوطا عبر التلال الجبلية والسهول الخضراء، وقصرت المسافة صوب الهدف، زادت حماستها واستعر انفعالها وبطش شغفها، غير عابئة بغمزات الرفقاء ولمزاتهم وسخرية ضحكاتهم. تتجاوز انفلاتهم الواضح بالتفاعل الوثيق مع الذكريات، سعيدة مبتهجة كأنها ستلاقيه لأول مرة وتفاجئه دون علم مسبق بمجيئها إليه. والعقل لا يترك القلب وشأنه، بل يسحبه قسريا نحو مسالك معقدة انطولوجيا.

   بعد خروجهم من طريق "سكيكدا" باتجاه "عين بوزيان" و"الحروش" والطبيعة الخصبة تحيط بهم وتحتفي بقدومهم، ناثرة ببذخ المناظر المذهلة والمشاهد الخلابة وسط المرتفعات الجبلية، ما بين جموع المباني والبيوت المتناثرة ذات النهايات المضادة لسقوط الثلوج بين قرية وأخرى في طرق بدائية وأخرى ممهدة. "ما بين بعدك وشوقي إليك، وبين قربك وخوفي عليك.. دليلي احتار وحيرني". يتنهد قلبها المختوم باللوعة في سلوى، مستحضرا كل ما حكى لها من تفاصيل غربته عن حياته في تلك الأماكن والأحداث التي جمعته بأناس، من أصدقاء وغرباء وزملاء تتذكر أسماءهم واحدا واحدا بالرغم من إنها لم ترهم قط. "لو مريت في طريق مشينا مرة فيه، أو عديت في مكان كان لينا ذكرى فيه، ابقى افتكرنى حاول حاول..." الأغاني التي حملها معه من قلب الوطن ووجدها هناك تنتظره. يحفظها وجدان الجزائريين وتدندن بها ألسنتهم بسلطنة العاشق في مساءات حميمية مبهجة. فالقلب لا يفقد الذاكرة مطلقا. أربع سنوات قضاها مغتربا في إعارة وظيفية للتدريس، من أرض الكنانة إلى أرض المليون ونصف شهيد. كان أمينا مخلصا في وصف كل شيء لها حتى لا يثير غيرتها ويطفئ غضبها من عدم مرافقتها له. كلما تذكرت خطاباته وحكاياه وحواراته معها، كأنما يدا مسدت قلبها المكلوم برفق وأزالت منه الجزع والفقد، وامتصت عنه طوفان الدموع وألقتها في فردوس أبدي.

  في تمام الساعة الخامسة والدقيقة السابعة والأربعين، ومع مغرب الشمس وصلت الرحلة الاستثنائية المشوقة إلى قرية "رمضان جمال" بجبال "الجزائر" الشاهقة. حية، نابضة كانت القرية، رغم الظلام الذي حل مبكرا في سماء الشتاء البارد. وقلبها يبث دفء محبته على كامل جسدها، غير مكترث ببرودة الطقس في الخارج. سيارات ومارة، نساء ورجال وأطفال، مازالوا خارج بيوتهم عائدين من العمل والمدارس. اقتربت الحافلة من الجامع المنير في القرية. قفزت من الحافلة بنشاط رغم إرهاق الرحلة الطويلة، في اتجاه باب الخروج، لتنزل وتسأل عنه. أوصلها أحد المصلين الخارجين من صلاة المغرب إلى الإمام العجوز. ما إن عرفته بنفسها وسألته عن موضع سكنه وكرسي علمه، حتى صاح في صوت جهوري ولهجة مرحة مرحبة: "أهلين وألف مرحبا بابنة الشيخ المصري الجليل رحمه الله عليه". ضمها الشيخ في حنوّ أبوي، استشعرت طيفه، وأنفاسه، وعادت بها الذاكرة إلى صورته يختال في هذه القرية تتمثلها من خلال حكاياه الصادقة، من خلال ذكرياته الحية.. وكان اللقاء. 

د. أنديرا راضي

في نفس السياق