إِضَانْ إِمَلاَلَنْ (الليالي البيض)

نشر من طرف الشاهد في الأربعاء 11 نوفمبر 2020 - 14:26
اخر تاريخ تحديث الأربعاء 25 نوفمبر 2020 - 12:22

قصّة قصيرة

 

"في الواقع إن روحي متشابهة مع روحك، فكلينا يظهر ويختبئ داخل الآخر". الرومي العظيم

 

حينما نشأت الحياة على أرض الكوكب وولدت الطبيعة الجبال والصّحاري والرّياح والفصول الأربعة، اختارت الجبال القريبة من الصحراء سكانّها بعناية من بني البشر ذوي البأس والشدّة والإرادة، ممن يعشقون حنايا الأرض ولا يساومون على التراب مهما كان الثّمن مغريا. يحاربون الطّغيان والتجبّر، ويصبرون على المخاض والمحن، ويشكرون لازدهار الصّابة وعطايا المنح. في ليلة شديدة البرودة، نادرة السّحب، قليلة الغيوم، من ليالي شهر ديجمبر/ديسمبر، استيقظت الحفيدة في قلب الليل، تاركة فراشها الصغير الوثير، لتذهب لقضاء حاجتها وتعود ناعسة إلى سريرها.

فجأة، اصطخبت السّماء برعد مارق وبرق ثائر، أخذا يتنافسان على الظّهور وإحداث الجلبة في سماء اللّيل الرهيفة. انطلقت الطّفلة مذعورة صوب غرفة جدّتها عدوا، مستجدة بها في الغرفة المقابلة لغرفتها، في نهاية الممر. تلك الجدّة الخارقة التي تبدو كالشّمس عطاءً ودفئًا، وكالعاصفة غضبا وحزما، وكالرعد حين تصرخ أو تزأر. أما رائحتها فكانت مثل غبار النّجوم المتناثرة في الكون الفسيح العَبِقِ بأجساد الرّاحلين. هي جدتها لأمّها "فاطيما بنت …" التي تعرف كلّ شيء، عن الأزمان الغابرة، والهجرات الأولى للقبيلة، ورحلات الآباء صوب العاصمة، وإيابهم، وكنية الأجداد، وكل الأغاني والأناشيد المناسباتيّة، ومزاج الطبيعة، ولغات البطون والأفخاذ، وأبيات الشّعر الرّصين، والأكلات الشّعبية، ومنازل القمر، ومنابت الزهر. تتَغنّى بما تحفظ من الشّعر العربي حينما تكون مبتهجة، وتزمجر باللّغة الأمازيغيّة حين تغضب، أو تلعن، أو تحزن، أو تتشاجر، أو تنتقد.

رغم صلابتها البادية وقلبها الكبير، إلاّ أنّها لا تحتمل الفقد مطلقا. تضرب فخذيْها في كلّ الحالات مستخدمة بطن كفيّْها وأناملها كآلات موسيقية. فكلّ كلامها كان موقّعا بالموسيقى التي تضمّ الكلمات وتحتوي الحروف كعقد من اللؤلؤ المنضّد، سابحا في فضاء الأمكنة كلمّا فتحت فمها للتّحاور. كانت الجدّة مركز الكون، وملجأ الحياة، ومفتاحها للسّعادة والتفاؤل. لم ينقطع الحبل السريّ بينهما- بعد- رغم تجاوز عمر الحفيدة الخامسة بقليل. تبحر وقتما تشاء ويشاء لهما الوقت في أحضانها الحانية، للتّزودّ من معين المعرفة الذي لا ينضب. تندسّ في فراش جدّتها الصّوفي الغليظ خائفة مقرورة، بمحاذاة قلبها الحنون الدافئ وهي ترتعش من شدّة "أَصَمِّيضْ" (البرد القارس). تتوسّد ذراعها الموشّمة بالتعاويذ والعلامات والرّموز المزركشة. تدعك جبينها بفم الجدّة المعبّأ بالتمتمات والتّمائم. ترجو أناملها البضّة المعروقة المخضّبة بالحناء لتداعب خصائل ضفائرها الطويلة الكستنائيّة اللّون. وتنغرس في النّسيج التّاريخي، والمنمنمات الإنسانية، تحكي لها قصصا، وحكايات من تاريخ نقش مع وشمها الأخضر اللون على تفاصيل ملامح وجهها وذراعيْها. "اللي يعرف عِزّو، كلام الناس ما يهزو".

حينما بزغت هالات القمر، وتلاشت عن السماء غيمات السّحب الفضولية، بدأت من ليلتها التعرّف على تاريخها الأمازيغي، الطويل، الممتلئ بتفاصيل الموروث، وعزة العرف العشائري، وشجاعة قومها، وشدّة بأس جدودها في المعارك والحروب دفاعا عن أراضيهم، ضد محاولات السّلب من الغزاة الطامعين، وعن مظاهر مساواة النّساء بالرجال، قبل أن تُسَنَّ القوانينُ وتُحبَّرُ الدَّساتيرُ الحديثةُ. وكانت بين التّرنيق والوسن، تارة تنشد لها أغنيات شجية باللغة الأمازيغية، ثم تترجم لها كلّ مقطع على حدة، لتفهم معانيه قبل أن تحفظ أبياتها وألحانها، وتارة تحكي لها عن مرحلة كانت فيها النّساء تتدربن على القتال، وحمل السلاح، وخوض المعارك. وكانت تفصّل لها حكاية في كلّ مرة، عن بعض البطلات اللائي يحفظن العهد، ويدافعن عن الأرض، وينتصرن للحبيب الأوحد، مثل "تِنْهانْ" ملكة الصّحراء المتمرّدة، أو "ديهيا" الفارسة السّاحرة الحكيمة. تناديها ليلة بعد ليلة، وتميّزها عن إخوتها الذّكور بالقص، والحكايا، والنصح، والتفرد بمعرفة الأسرار المراحل وخفاياها. أمّا نهارا، فتستمرّ في متابعة غدّوها ورواحها في الأنحاء، والزوايا، مندسة تحت "إِزَارْ" (العبانة) الطويل، مستمعة إلى حواراتها وآرائها في الموضوعات الاجتماعية، والأمور الاقتصادية. تصل إلى سمعها نقاشاتها الطّويلة مع الأعمام، والأخوال، حول شؤون القبيلة، ومسائل العشيرة، وأحوال المجتمع. تشاهد نظراتهم الواعية، وطأطأة رؤوسهم احتراما وطوعا. تلك البنيّة الصّغيرة الملامح، الكبيرة الآمال، "الحلم يا صغيرتي ليس ما ترينه وأنت في عزّ نومك، بل هو ما سيغيّب النوم عن جفونك". كانت تؤخذ بسحر عيون الجدّة الصّقريّة في كلّ حين، وهي تُعيد عليها تلك الحقيقة عن الحلم. تكنس بها بقايا الضّعف والوهن والتردّد. حتى تمتلئ بالإصرار على تنفيذ حلمها، وبالمحبة للمكان والزمان والعشيرة، نصرت القبيلة بالهُوية، وعاهدتهم بالانتماء.

لم تنس أن تشارك الجدّة زرع فسائل نبات الحنّاء، قبل انقضاء اللّيال البيض، لتوفّر لأمّها، وأختها، وبنات عمومتها، أوراق الحنّاء المحبّبة إليهم ليخّضبن أرجلهن، وأيديهن بها، فرحة وأمانا بالأرض، والبيت، والصّحبة، والعشيرة. وبقيت الأحلام تمنعها من الهجوع إلى النّوم العميق طوال مراحل العمر. تدفعها نحو تغيير الخطط أوّلا بأوّل، ووضع الاستراتيجيات الطّويلة والقصيرة للوصول إلى تحقيق حلم وراء حلم. حينما عادت إليها، ذات خريف حزين، بعد أن انتهت من كتابة آخر مقالاتها التحليلية، عن ضرورة احترام ثقافة الأقلّيات في الوطن، ومنحهم حقّهم الدّستوري في ممارساتهم أينما وجدوا، وأرسلتها بالبريد الالكتروني إلى مسؤولي المطبعة حتى يلتحق بالنشر في الجريدة التي ستصدر في الصباح الباكر. ثمّ اطمأنت بتلقّي الرّد بالوصول: "تم استلام المقال جناب المديرة وجاري التّوضيب"، انطلقت بسيارتها صوب الجبال الشّاهقة حيث تنتمي وتعشق، يتجسد لها التّاريخ منقوشا على الواجهة بكلّ جلال وغموض، مثلما كانت تلمحه وهي صغيرة حين تلهو بين أقدام أخواتها وهم يجنون ثمار "أَبَرْقُوقْ" (المشمش) و"إمَطْشَانْ" (التين).

دخلت غرفةَ الجدّة الأثيرة. لم تكن مشرقة كالعادة، لم تنتظر إطلالتها لم تستدعيها للمثول بجوارها. فقد تشوّهت ملامحها الجميلة، وغابت ابتسامتها، وبقيت الوشوم حيّة، شاهدة، زاهية. لم تمرض مرضا خبيثا يفسد أعضاءها، ولَم تُصَب في حادث عابر ألحق بها سوءًا. لم يحدث لها مكروه يُذكر. كلّ أهلها وعشيرتها ومن يعرفها يقول إنّها بخير. فقد اعتاد الجميع انسحابها البطيء من الحياة يوما بعد يوم، ولم يلحظ أحد انطفاء جذوة الرّغبة المتّقدة في قلبها شيئا فشيئا. هي وحدها - الحفيدة- التي لاحظت ما تغيّر في روحها. هي وحدها، التي لامست ما قرّرت ذاتها. ابتسامتها الباهتة، نظراتها الضائعة، لغتها الأمازيغيّة حين تتحدّث دون اللّجوء إلى اللّغة العربية، قلة الكلمات المستخدمة للتّعبير أو الرّد، نظراتها نحو الفراغ أو اللاشيء، صمتها المهزوز، تحيّتها الفاترة للعائدين إليها، إشارتها للمغادرين عنها باللامبالاة. لم يعد الفقدان يؤثّر في قلبها. لم تعد تتحدّث عن الحياة، ولا عن الأحلام، ولا عن القادم من الأيّام. جفت مفرداتها وحروفها السّخيّة التي كانت تمسح الغبار عن وجه الشمس دوما. أدركت الحفيدة السرّ بفطنتها. جاءت بالقليل من الحنّاء المعجونة بمشروب الشّاي الأحمر، في إناءٍ فخّاريٍّ مزركش، أخذت تخضّب لها كفيها وغرّة شعرها الفضّي متمتة: "انسحبت هكذا يا سيّدتي الجليلة، وتركت لي ربيع عمري وتاريخ قبيلتي، أرويه وحدي - من بعدك- لفتاتي الصغيرة، في اللّيالي البيض".

د. أنديرا راضي

في نفس السياق