الإعلام التونسي في مدار الجدل: إصلاح حقيقي أم تأجيل للأزمة؟

نشر من طرف الشاهد في الإثنين 19 أكتوبر 2020 - 09:08
اخر تاريخ تحديث الخميس 3 ديسمبر 2020 - 15:17

من المنتظر أن يناقش مجلس نواب الشعب في الأيام القادمة مشروع قانون لتعديل المرسوم 116 الخاص بتنظيم قطاع الإعلام والذي تقدمت به كتلة ائتلاف الكرامة بالمجلس. وقد أثار المشروع جدلا كبيرا في الأوساط السياسية والإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي. واختلفت المواقف حوله خاصة بعد بيان نقابة الصحفيين الذي دعا الصحفيين إلى مقاطعة ائتلاف الكرامة. فما هي أبرز الإشكالات التي أثارت هذا الجدل في هذا المشروع؟

 

شيء من التاريخ

يرى مراقبون أنه لولا بيان المكتب التنفيذي الجديد لنقابة الصحفيين التونسيين الداعي إلى مقاطعة كتلة ائتلاف الكرامة إعلاميا بسبب مشروعهم الرامي إلى تعديل الفصل 116 ما كان لهذا الجدل أن يثار أصلا ، وكان يمكن لمشروع القانون الذي تقدمت به الكتلة أن يمر في كثير من الصمت وقليل من الجدل

ويستند هؤلاء في موقفهم إلى أن مكتب مجلس النواب أقر ّ في وقت سابق لبيان النقابة بكثير موعد جلسة عامة لمناقشة المشروع ولم يصحب ذلك جدل كبير، سوى ما أثاره النقيب المتخلي ناجي البغوري والهايكا حول المشروع. فلم يكن هناك اختلاف حوله بين الكتل الممثلة في مكتب المجلس ،وحتى الذين عبروا عن اعتراضهم عبروا بصفة بعدية إثر احتدام الجدل حول الموضوع.

 

مواطن الجدل وخلفياته

إن أبرز النقاط الواردة في مشروع كتلة ائتلاف الكرامة الخاصة بتعديل المنشور المذكور تخص موضوع طلب الترخيص لبعث قناة إعلامية إذ طالب التعديل المقترح بحذف هذا الترخيص المسبق الذي تمنحه الهايكا وتتابعه ،كما أن تجديد أعضاء الهايكا باعتبارها منتهية الصلاحية زاد من خدة هذا الجدل.

 

ويمكن أن نجمل المواقف في هذا الإطار في اتجاهين:

اتجاه رافض للتعديل يصطف خلف موقف هيئة الاتصال السمعي البصري ونقابة الصحفيين ويعتبر أن ما تدعو إليه كتلة ائتلاف الكرامة هو مدخل إلى الفوضى و إلى انتشار ممكن لقنوات الإرهاب وخطاب الكراهية والعنف، ولا يقدم هؤلاء الرافضون إسنادا لموقفهم غير ما يعتبرونه خطاب عنف وتكفير ينبني عليه خطاب ائتلاف الكرامة صاحب مشروع التعديل . وبدرجة أقل يرون أن المشهد الإعلامي لا يمكن أن يدخله غير أصحاب المهنة احترازا من الدخلاء ،غير أن الموقف من خطاب ائتلاف الكرامة هو الذي طغى على مستندات الرفض وقد بان ذلك بوضوح في خطاب نقيب الصحفيين المتخلي حين وصف الكتل الداعمة للمشروع بمحور الشر.

ويقول منتقدو هذا الموقف إن هياكل المهنة التي عبرت عن رفضه لتعديل المرسوم 116 لم تقدم حججا مهنية قوية وانطلقت في معارضتها من دواع سياسية وايديولوجية لا علاقة لها بقطاع الإعلام وهو ما يجعل موقفهم ضعيفا ،ذلك أن سحب الرخصة من عدمه مثلما يفتح الباب لبعث قنوات تدعو الى الكراهية والعنف يمكن أن تفتح الباب أيضا لقنوات نقيضة تدعو إلى التسامح و التعايش وتؤسس لثقافة المواطنة ،والامكانيتان متساويتان في الحظوظ ،فإن وجدتا كان الفيصل في الحسم هو القانون العام للبلاد وليس التضييق على حرية التعبير وغلق الباب أمام آخرين يمتلكون خطابا مختلفا للسائد وللمتوقع في آن.

أما الاتجاه المساند لتعديل المرسوم فينطلق من مسلمة أن حرية التعبير مكفولة للجميع وأنه لا مصادرة على المطلوب و أنه لا أحد يمتلك سلطة احتكار التكلم باسم المرسوم المذكور علاوة على أن هذا المرسوم أو غيره ليس نصا مقدسا حتى لا يعرض للنقاش والتعديل طالما أن هذا التعديل لم يخرق مبادئ الدستور والحرية.

ويقول منتقدو هذا الاتجاه إن أصحابه مبالغون في المثالية ويتعالون عن واقعهم ولا يستفيدون من التجارب المقارنة حتى في أكبر الدول الديمقراطية و أن بلادنا تمر بمرحلة هشة لا يمكن المجازفة بالسير نحو المجهول في قطاع يجمع الكل أنه مفتاح السياسة في البلد.

بلا شك توجد آراء أخرى على هامش الموقفين تجمع بينهما أو تتقاطع معهما ،لكن الثابت أن الموضوع معقد ومتشابك يتداخل فيه السياسي والمالي والإعلامي فبعض الآراء التي لا تتموقع داخل الاتجاهين ترى أن حدل الفوضى والنظام هو جبل الجليد الظاهر الذي يحتكم إليه الفريقان و ما خفي هو الجهات المتنفذة المهيمنة على قطاع الإعلام والتي ترفض أن تسمح لغيرها بمنافستها أو تسمح بتفكيك جزئي لسلطتها التي تستفيد منها في تأثيث المشهد السياسي وصناعة الرأي العام.

إن ما يمكن أن نستخلصه من هذا الجدل الذي يخفي أزمة حقيقية في التواصل بين مختلف مكونات المشهد السياسي والإعلامي أن الوقت حان لحوار وطني جامع صريح وشفاف لإصلاح قطاع الإعلام بعيدا عن حسابات السياسة والإيديولوجيا.

سمير ساسي

في نفس السياق