الحوار والإقصاء المستحيل في مجلس نوّاب الشّعب

نشر من طرف لطفي حيدوري في الجمعة 4 ديسمبر 2020 - 15:52
اخر تاريخ تحديث الأحد 7 مارس 2021 - 16:42

بات مجلس نواب الشعب التونسي، منذ انطلاق دورته الجديدة قبلة المنظمات والجمعيات والنقابات بل حتى الخبراء والتنسيقيات ومؤطّري عدد من التحركات المطلبية.

ويعبّر هذا التوجه نحو البرلمان عن أمل قائم في دور السلطة التشريعية في التأثير في السياسات والدفع نحو إحداث التغيير المطلوب في الواقع. وذلك رغم ما يشوب صورة المجلس من تراجع أمام الرأي العام، بفعل ما يطرأ من تجاذبات ومعارك لا ضوابط للخطاب المتبادل فيها، وهو ما لم يتعوّده التونسيون في تاريخهم، الذي شهد برلمانات الإجماع الساكنة التي تنقل بضع دقائق منها في نشرات الأخبار، فيما تنقل، اليوم قناة الوطنية الثانية، سنويا مئات الساعات من البث المباشر للنقاش، دون مقص رقابة، فضلا على ما تنقله قناة اليوتيوب الخاصة بالمجلس من بث مباشر لأشغال اللجان البرلمانية وجلسات الاستماع.

ويبدو أنّ الصورة السلبية التي يتم ترويجها عن المجلس، هي نتيجة طبيعية لمزاج عموم الناس من الصور المألوفة يوميا على الشاشة لعشرات من السياسيين، لم يستطع 90 بالمائة من التونسيين غير المنتمين لأحزاب سياسية ولا ناشطين في جمعيات ومنظمات، التعايش مع حواراتهم التي تتعلق أساسا بالمعيش اليومي. وهي مفارقة تدفع إلى طرح السؤال إن كان ينبغي على البرلمان، في إطار السعي لتحسين صورته، الاكتفاء بنقل المنجز والنتائج من أعماله، باقتضاب بالغ، للوصول إلى حجم الثقة التي تحظى بها مؤسسة رئاسة الجمهورية التي تتواصل مع الناس، فقط من أجل إبلاغ الرسائل.

وتأتي الدعوات إلى الحوار الوطني الاقتصادي والاجتماعي، متضمنة من بعض المتحمسين، مسلمة مفادها عجز البرلمان أو تعطله دون القيام بدوره في صياغة الحلول، وهو ما ورد في نص مبادة الاتحاد العام التونسي للشغل التي عرضها على رئيس الجمهورية أول الأسبوع الجاري، بالحديث عن "تنامي الصراعات العبثية والعنيفة تحت قبّة البرلمان حتّى صار العمل داخله يشبه المستحيل، وأصبح المزاج الشعبي سلبيًا ويسوده فقدان الثقة في السياسي والخوف من المستقبل وتطغى عليه مشاعر الإحباط والنّفور من الشّأن السّياسي العام وتواصل العُزوف الانتخابي والخوف من المستقبل".

وتضيف ورقة الاتحاد: "كما أدّت سياسات التهميش للعديد من مكوّنات المجتمع المدني التي طالما كانت في الصفوف الأولى للنّضال ضدّ الاستبداد إلى الحيلولة دون تقديم بدائل ذات مصداقية تتلاءم مع استحقاقات الثورة وانتظارات التونسيات والتونسيين فضلاً عن انخراط بعضها في الحسابات السياسية والمصالح الضيقة".

ومن المؤاخذات التي توجه إلى هذا الرأي، وصف الصراعات التي تجري تحت قبة المجلس بأنّها عبثية، لأنّها صراعات حقيقية وواقعية يجب حسمها بالحوار الذي يتسع له المجلس، ومنها حسم الصراع مع الثورة المضادة، وأيضا تعديل موازين القوى، وعدى ذلك فقد أدّى المجلس النيابي دوره في السنة المنقضية أفضل أداءً من سابقيه تشريعا ورقابة، ولكن يتم يقع التحجج بغبار الصراع لتجاهل فاعلية المجلس الحالي وتجاوزه إلى فضاءات أخرى، توجد خشية من أن تتحوّل إلى "شرعيات موازية".

يدرك الجميع أنّه تحت قاعة قبة المجلس، يوجد الممثلون الحقيقيون للشعب، أي المنتخبون والمعبّرون عن مختلف فئاته بآرائهم المختلفة وكذلك بأخلاقهم ومستوياتهم العلمية والثقافية المختلفة، لكنّهم لم يحتكروا تصورات الحلول، ودعت لجان البرلمان كل الأطراف المعنيّة لتعديل مشاريع اللوائح والقوانين.

 

باردو قبّة جاذبة

لم تتأثر عديد الأطراف المدنية بالدعاية السلبية عن البرلمان، واعتبرته الفاعل الأول، بل الوسيط أيضا، خاصة مع رئاسة الحكومة ومختلف الوزارات، ورأى آخرون أنّه يمكن أن يكون وسيطا حتى لدى جامعة كرة القدم.

وتظهر سلسلة اللقاءات والاجتماعات التي احتضنتها مختلف أروقة قصر باردو، وخاصة رئاسة المجلس، منذ بداية الدورة الحالية، أنّنا إزاء مؤسسة حيّة تستمد حيويتها في جزء كبير من دوافعها من رقابة جمهور المواطنين عليها.

وفي ما يلي الحوارات التي احتضنها مجلس نواب الشعب مستقطبا جميع الفئات:

 04 ديسمبر 2020: رئيس مجلس نوّاب الشّعب يجتمع بوفد من التنسيقية الوطنية للدفاع عن حقوق الأطباء العامين حول موضوع الأمر عدد 341 المؤرخ في 10 أفريل 2019 والمتعلق بضبط الإطار العام لنظام الدراسة وشروط التحصيل على شهادات الدراسات الطبية، الذي يطالب الأطباء العامون بتعديله.

03 ديسمبر 2020 بقصر باردو: رئيس مجلس نوّاب الشّعب يستقبل عددا من الجمعيات المهتمة بذوي الإعاقة عددا من الجمعيات المهتمة بذوي الإعاقة. كما تم في إطار الاحتفال باليوم الوطني والعالمي لذوي الإعاقة، تنظيم جلسة للاحتفاء بممثلي عدد من الجمعيات المهتمة بهذا المجال.

02 ديسمبر 2020: رئيس مجلس نوّاب الشّعب يستقبل وفدا عن الدكاترة المعطلين عن العمل الذين ينفذون اعتصاما بمقر  وزارة التعليم العالي. وقد نقل أعضاء الوفد ن استياءهم من التعامل الأمني مع هذا الاعتصام مشيرين إلى تعرضهم إلى الاعتداء بالعنف.

02 ديسمبر 2020: الغنوشي يستقبل عددا من أعضاء الهيئة المديرة للجمعية نادي هلال الشابة ومن أحبائها، بحضور أعضاء مجلس نواب الشعب عن دائرة المهدية، إضافة الى النواب السادة ياسين العياري ومحمد عمّار ورفيق عمارة.

30 نوفمبر 2020: رئيس المجلس ومساعديه خالد الكريشي وسماح دمق يستقبلون علي أحمد الظفيري سفير دولة الكويت بتونس، مرفوقا بوفد مشترك من المجتمع المدني الكويتي والتونسي، وذلك بعد وضع حجر الأساس لأكبر مجمع تنموي بولاية قبلي بالتعاون بين جمعية خيرية كويتية وجمعية خيرية تونسية.

29 نوفمبر 2020: الغنوشي يلتقي مجموعة من الشباب من ممثلي العاطلين عن العمل من التنسيقية الوطنية" للمفروزين اجتماعيا"، ومن التنسيقية الوطنية " لتشغيل فرد من كل عائلة" ، ومن التنسيقية الوطنية "الانتداب حقي 10 سنوات وأكثر".

26 نوفمبر 2020: نظّم مجلس نواب الشعب بالتعاون مع جمعية ونقابة  القضاة واتحاد القضاة الإداريين والماليين وبحضور ممثلين عن المجلس الأعلى للقضاء العدلي  والإداري والمالي  وممثلين عن عمادة المحامين وعدول الإشهاد، يوما دراسيا حول " صندوق جودة العدالة".

وكان رئيس المجلس استقبل يوم 17 نوفمبر 2020 بقصر باردو، وفدين عن جمعية القضاة التونسيين ونقابة القضاة، وذلك بالتزامن مع التحركات التي أعلنها القضاة دفاعا عن المهنة وعن حقوقهم.

26 نوفمبر 2020: الغنوشي يستقبل  عبد الرحمان الهذيلي رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، رفقة الدكتور عبد الجليل البدوي الخبير الاقتصادي. وسلّم الوفد لرئيس المجلس تقريرا يتكون من ثلاثة أجزاء حول تغيير منوال التنمية في تونس وإرساء منوال عادل ومستدام.

وقد دعا رئيس مجلس نواب الشعب المنتدى إلى تنظيم يوم دراسي بالشراكة مع الأكاديمية البرلمانية حول إرساء منوال تنموي جديد يجسد العدالة الاجتماعية بين الجهات.

12 نوفمبر 2020: لقاء ممثلين عن المجتمع المدني حول تطورات مسار العدالة الانتقالية، مع جميلة الكسيكسي مساعد الرئيس المكلّف بالعلاقات مع المواطن ومع المجتمع المدني ولجنة شهداء الثورة وجرحاها وتنفيذ قانون العفو العام والعدالة الانتقالية.

09 نوفمبر 2020: لجنة المالية والتخطيط والتنمية تنظم ندوة علمية بمشاركة عدد من الخبراء في المجال الاقتصادي والمالي للتباحث حول الحلول الممكنة لتجاوز الصعوبات المالية في إطار مشروع قانون المالية لسنة 2021. وشارك خبراء من مختلف الأطياف وهم حسين الديماسي وتوفيق بكار وحبيب كراولي وعبد الباسط السماري وتوفيق الراجحي وفاضل عبد الكافي ورضا شلغوم.

26 أكتوبر 2020:  مثّل مطلب نشر الاتفاقية الإطاريّة للصحفيين التونسيّين ودعم مقترح تشغيل العاطلين من خريجي معهد الصحافة وعلوم الإخبار وتدعيم الحوار حول مشروع قانون الهيأة الدستورية للاتصال السمعي البصري، محور لقاء راشد الغنوشي رئيس مجلس نواب الشعب بوفد من النقابة الوطنية للصحافيين التونسيّين، يتركّب من الرئيس محمد ياسين الجلاصي ونائبته أميرة محمّد وعضوي المكتب التنفيذي عبد الرؤوف بالي ورمزي أفضال، وذلك بحضور ماهر مذيوب مساعد الرئيس المكلّف بالإعلام والاتصال.

26 أكتوبر 2020: جلسة عمل ضمّت مساعد الرئيس المكلّف بالعلاقات مع المواطن ورئيس لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية وعددا من أعضاء مكتب اللحنة وعددا من النواب من مختلف الكتل،  وممثلين عن عمال الحضائر الذين تجاوزت أعمارهم 45 سنة .حيث عبر الممثلون عن عمال الحضائر غير المشمولين بالقرار الحكومي القاضي بترسيم وتسوية وضعية عمال الحضائر، عن امتعاضهم وغضبهم من الاتفاق الذي تمّ بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل، معتبرين أنه قرار ظالم وفيه طرد تعسفي من الوظيفة العمومية.

وسجل خلال الشهر المنقضي حضور دبلوماسيين غربيين بارزين، للقاء رئاسة المجلس وهم سفير كندا يوم 26 نوفمبر 202 وسفير الاتحاد الأوروبي بتونس يوم 25 نوفمبر 2020. وسفير فرنسا بتونس السيّد أندري بارون يوم 10 نوفمبر 2020.

ومن الملفات الوطنية الكبرى التي شغلت الرأي العام وتحرك أعضاء مجلس نواب الشعب بجدية للقيام بدورهم، ملف توريد النفايات من إيطاليا، فقد أدّت لجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ومراقبة التصرف في المال العام يوم 16 نوفمبر 2020 زيارة ميدانية إلى ميناء سوسة التجاري حيث تمّت معاينة الحاويات المعنية والراسية بالميناء وعددها 212 حاوية،  والتحقّق من أن النفايات المورّدة موضوع المعاينة ليست بنفايات بلاستيكية مصنعة وقابلة لإعادة الرسكلة على نحو ما تم ادعاؤه من قبل الشركة، بل هي نفايات منزلية مجمعة تدخل في خانة المواد التي يمنع توريدها حسب القوانين والاتفاقيات الدولية المنطبقة.

 

خطوات نحو التصحيح

لقد استثمرت بعض الأطراف مسلمات ترذيل السياسة والأحزاب، لشيطنة المؤسسات الدستورية، ثم المرور إلى مرحلة التمرد والعصيان، وكان البعض يتخفى محتميا بالدعاية لرئيس الجمهورية قيس سعيد الذي يبدو أنّه انتبه لما يحاك له وللبلاد، فسحب منهم البساط، بل عكس الهجوم عليهم، واتهمهم بمحاولة تقسيم الدولة وخدمة مآرب لا تعنيها مصلحة الشعب واحتياجاته.

ولعلّه قد بات واضحا أنّ مسار حملات الدعاية المضادة للثورة وللنظام السياسي الديمقراطي المتوازن، ومن عناوينها ترذيل ممثلي الشعب في البرلمان، تواطؤا من داخله، ومن قوى خارج المجلس وقوى أجنبية، وصلت ذروته إلى صناعة مشهد محاولة التمرد على الدولة الحالي وتخريب الثورة عبر مسح المسار برمّته.

ولئن لم يركن رئيس الجمهورية ولا المنظمة الاجتماعية الكبرى الاتحاد العام التونسي للشغل لمحاولات توظيفهم ودفعهم في منعرج مغامرة العودة "المستحيلة" إلى الماضي، فإنّ هذين الطرفين ولئن عبّرا عن مضامين حوار مفتوحة، فإنّهما اشترطا الانغلاق شكليا، بوضع تعلات "الإرهاب" والفساد" أداتين للإقصاء.

هذا الفرز الإقصائي، حتى للمعادين للثورة، لم يكن ممكنا تحت قبة المجلس التي جمعت، بإرادة الشعب التونسي وحده، خلاصة من ارتأى لهم أحقية انتخابهم. ولذلك هرعت عديد الأطراف إلى المجلس باعتباره وسيطا ومعدّلا ومراقبا، وحتى من أجل الضغط عليه.

لطفي حيدوري

في نفس السياق