المثقف فرهود والمشروع المفقود.. تلازم ثنائية التبعية والإقصاء

نشر من طرف الشاهد في الأربعاء 21 أكتوبر 2020 - 10:19
اخر تاريخ تحديث الإثنين 30 نوفمبر 2020 - 19:16

لعل عبارة كل إناء بما فيه يرشَح؛ هي الأدق دلالة في تحليل علاقة السياسي؛ مهما كان لونه الحزبي أو الإيديولَوجيَ؛ بالمثقف؛ فهذا المزعج لمعاليهم؛ هذا الذي يطالب بما لا يستحق؛ َمن وجهة نظر أغلب السياسيين؛ حتى لا أسقط في التعميم؛ المثقف كان ولا يزال مزعجا؛ لكل من حوله؛ لا يستقر على حال؛ ينتقد باستمرار؛ لا يرضيه "العجب العجاب" بتعبير أحد السياسيين؛ يمثل خطرا على أصحاب المناصب والجاه؛ إن كان خارج السرب يغرد؛ ومهما اعتبره البعض سهل الترويض؛ فإنّ أصحاب المناصب العليا رؤساء أو وزراء؛ لا يطمئنون إليه باعتباره؛ صوتا نشازا؛ إذا لم يتحول إلى عازف في جوقتهم.

وإذا كان سارتر يعرف المثقف ذاك الذي يتدخل فيما لا يعنيه؛ فإن ما استمعنا إليه مؤخرا على لسان رئيس الحكومة من تعريف المثقف بأنه ذلك الذي يفرهد؛ يضعنا أمام مفارقة تدعونا إلى إعادة التفكير في علاقة السياسي بالمثقف في مجتمعاتنا العربية عموما في تونس على وجه الخصوص.

قد يقول البعض إن تصريح رئيس الحكومة في الحوار الذي أجرته معه القناة الأولى؛ ودعا فيه المثقفين التونسيين إلى تفرهيد الشعب؛ للتخفيف من أزمة كورونا؛! تصريح ينسجم مع مهمة الفنان كما حددته له السياسة الثقافية؛ وأن هذا الموقف ينسجم مع ما اتسمت به العلاقة بينهما؛ فلم التعجب أو الاستغراب!

صحيح أن هذا الموقف ليس غريبا عن عالم السياسيين ولا يعتبر سابقة في علاقة السياسي بالمثقف والفنان ؛ لكن ما يدفع إلى إعادة النظر في علاقة السياسي بالثقافة؛ عوامل كثيرة منها ما يحتاجه زمن الثورة من تلازم مع "ثقافة الثورة" الأمر الذي يدعو إلى إعادة النظر في العلاقة بينهما؛ إلى جانب مراجعة موقع المثقف في خارطة الفعل الاجتماعي.

فما هي العلاقة بين السياسي وبين المثقف؟ وهل من الممكن اعتبارها موضوعا يهم السياسيين أم إنها مجرد وهم من أوهام المثقفين؛ لا يعيرها السياسي قيمة ولا يعتبرها من أولوياته؟

 

سقراط أو كلب الحراسة

 ليس للسياسيين في عالمنا العربي؛ تصور عن الفعل الثقافي إلا باعتباره متأرجحا بين فعلي المدح والقدح؛ وذلك نتيجة أسباب كثيرة منها ما يتعلق بأغراض الشعر؛ كما درسها السياسي العربي؛ عندما كان تلميذا في المدرسة أو المعهد الثانوي؛ إذ أن الصورة؛ والحكم المسبق عنه تنحصر في اعتذاره :

متسول المديح في بلاط الأمراء والسلاطين.

مجنون فتاة غادرة؛ تركته وتزوجت غيره؛ يسميه بعض تلاميذنا "مراهق متاع القدامى".

متذيل لأصحاب النفوذ المالي؛ يتكسب بشعره بين القدح والمدح.

إلى جانب هذه الصور وغيرها نجد أن السياسيين؛ حصلوا على أحكام مسبقة بشأن عموم المثقفين بأنهم متملقين؛ لا مساهمة لهم في أي فعل اقتصادي أو تنموي؛ بمثابة العالة على ميزانية الدولة؛ لذلك فهم لا يخصصون لهم ولوزارتهم إلا النزر اليسير الذي لم يبلغ نسبة الواحد بالمائة مهما كان؛ لأن البحث عن الجدوى والمردودية لن يكون في الثقافة؛ حسب رأيهم!

إن السياسيين لدينا قبل دخولهم عالم السياسة من أحد أبوابه؛ ككليات الحقوق والإدارة أو من خلال عالم المال َالأعمال أو التقنية والهندسة أو الطب؛ لم تكن لهم علاقة بالمنتجات الثقافية، لا إنتاج ولا استهلاك، إلا بشكل مناسبتي، فأغلب من يحكمنا في الأنظمة الديمقراطية أو حتى في فترة ما بعد المرحلة الاستعمارية؛ ولجوا عالم الحكم َوامتطوا صهوة المجالس الوزارية من خلال خلفيات تنظر إلى الثقافة باعتبارها أمرا زائدا عن الحاجة ؛بمثابة تمضية اوقات الفراغ ساعة الراحة؛ ومن يعتبر أمر ربط الثقافة بالترفيه؛ والنظر إليها على أنها تسلية يعتبر أمرا مقبول منطقيا؛ فالمثقف الذي يتسوّل المنح والهبات ليس ذاك الذي ينظر إليه السياسي بتقدير أو احترام مادام ينتظر من يتصدق عليه!

ولعل التأمل في مختلف السياسات الثقافية للأنظمة العربية يستنتج بلا اجتهاد كبير أن مصير المثقفين العرب يتأرجح بين وضعية سقراط الذي حكم بشرب السم وبين وضعية كلاب الحراسة الذين تحدث عنهم بول نيزان.. والأمثلة في مختلف الدول العربية كثيرة من الثنائي نجم/ إمام؛ مع النظام الناصري؛ في مقابل موقع أم كلثوم؛ أنظر مثلا قصيدة؛ كلب الست؛...

أما عن التجربة الثقافية وما يمكن نعته السياسة الثقافية التونسية؛ فإنها تحركت بين أفقي عكاضيات 3 أوت لبورقيبة؛ تلك التي جيرت كل شيء لفائدة الزعيم الأحد الأوحد وبين المنع والقمع والمصادرة وحتى الاعتقال؛ كما أن التأرجح والخبط العشوائي هو الميزة القصوى في التعامل مع المثقفين في الجمهورية الأولى، بشقيها البورقيبي والنوفمبري؛ ويتجلى هذا التأرجح في التعامل مع المثقف باعتباره، إمّا عدوّا شرسا يستحق النفي والمنع، كما حصل مع منور صمادح خلال فترة بورقيبة؛ وهو ملف غامض؛ لم ينفض عنه الغبار ولم تتوضح صورته بدقة، أو الاستعمال والتدجين كحال أغلب مثقفي اليسار الذين أعلنوا توبتهم؛ بالمعنى السياسي؛ وقدموا آيات الولاء والطاعة.

ولعل من المفارقات أن حركة الطليعة الشعرية التي تزعمها الطاهر الهمامي والحبيب الزناد؛ ولدت على صفحات جريدة العمل الناطقة بلسان الحزب الاشتراكي الدستوري؛ الذي تزعم قمع المعارضين من اليسار التونسي من حركة آفاق والعامل التونسي؛ وفي ذلك مفارقة تثير أكثر من استفهام!

 

حكايات؛ سبحان الله

حدثني بعض الكتاب التونسيين ان الرئيس بورقيبة طلب منه وزيره الأول؛ محمد مزالي أن يستقبل أحد وزراء الثقافة ليعرض عليه برنامجا ثقافيا؛ وهو مهرجان قرطاج الدولي؛ على ما أظن؛ غير أن الزعيم قال له "لا أريد أن أراه؛!

تعجب الوزير الأول وتساءل َولم؟

أجاب الزعيم" منظره يذكرني بـ.....صالح بن يوسف !

هذه الحكاية يتمها البعض بالقول إن الزعيم قبل على مضض. مقابلة وزير الثقافة؛ بعد أن أعلمه الوزير الأول بالأمر ونصحه أن لا يطيل اللقاء ولا يقول إلا "نعم"!

فما كان من الزعيم إلا أن سأل وزير الثقافة وقد استلطفه :

أتعرف بمن تذكرني؟

ارتعش وزير الثقافة وهو يتصور أن الزعيم سيقول له إنه يشبه غريم الرئيس وعدوه اللدود؛ بن يوسف؛ لكن الزعيم ابتسم قائلا: "إنك تشبه محمد عبد الوهاب؛ المطرب والفنان!

نحن أمام السياسي الانفعالي؛ لا يهمه من الثقافة إلا وجه الشخص وصورته التي تتردد بين القبول الأعمى والرفض المطلق.

هذه الحكاية تذكر بقصة أخرى مفادها أن أحدهم طلب من وزير سابق للثقافة مستحقات مالية عن دراسة نشرتها له مجلة الحياة الثقافية الناطقة بلسان َوزارة الثقافة فكان الوزير يتهرب من دفع المستحقات قائلا ان الميزانية هزيلة والبيع لا يغطي التكلفة وغيرها من المزاعم التي ترهق كاهل النشاط الثقافي وتفتر عزيمة الكتاب؛ فما كان من هذا الكاتب إلا أن نظم شعرا يذم فيه الوزير ويصفه بالبخل! فلما علم الوزير بذلك دعا الكاتب وقدم له مستحقاته؛ فقال له الكاتب "إنك يا سيدي الوزير تحمل صفة من صفات الله"!

فذهل الوزير قائلا: "وكيف ذاك؟"، أجاب الكاتب: "إنك تحب من يسبح بحمدك صباحا ومساء" !

نستنتج من هذه المواقف؛ وغيرها أن انعدام سياسة ثقافية واضحة تقوم على الاعتراف المتبادل والاحترام بين المثقف والسياسي؛ تجعل العلاقة بينهما تحتاج إلى إعادة النظر والتفكير.

ربما واقع وزارة الشؤون الثقافية اليوم؛ التي تسيّر من قبل وزير بالنيابة؛ هو وزير السياحة؛ دون أن يثير ذلك أي أشكال لدى السياسيين؛ بحكمهم ومعارضتهم؛ فمادامت الثقافة محرد إدارة تسيير مجموعة من الموظفين؛ فلا حرج في ذلك؛ لا مبرر إذن لوجود وزير للثقافة؛ مادامت لا توجد سياسة ثقافية تنسجم مع الثورة وتطلعاتها. فلتبق دار لقمان على حالها؛ وحالها نعرفه.

أنور البصلي

في نفس السياق