المنظمات المدنية في تونس واختبار الديمقراطية وثقافة المؤسسة

نشر من طرف الشاهد في الجمعة 23 أكتوبر 2020 - 09:53
اخر تاريخ تحديث الخميس 28 جانفي 2021 - 04:08

يتفق الجميع أن دور المنظمات المدنية في تأسيس الديمقراطية واستمراريتها مفصلي لا يمكن الاستغناء عنه، فهذه المنظمات تقوم بالتوجيه والتربية على القيم الديمقراطية بتأطير الفاعلين فيها وتقدم النموذج الإيجابي للمجتمع للاقتداء به ،وتسند مجهودات مختلف الفاعلين في تركيز قيم الاختلاف والتداول.

لكن هذا الإجماع لا ينسجم غالبا مع الوقائع على الأرض فالديمقراطية داخل المنظمات المدنية تكاد تكون منعدمة أو هي آخر اهتمامات هذه المنظمات.

ويعزو المراقبون من أهل الاختصاص في علوم الاجتماع السياسي وعلم النفسي الظاهرة إلى ترسبات مراحل الاستبداد وانعدام التثقيف والتوعية اللازمين للخروج من هذه المرحلة.

وتمنحنا تجربة المنظمات التونسية أمثلة عديدة لطرح هذه الأسئلة من أجل مقاربة علمية لفهم الظاهرة وتفكيكها وتجاوزها.

 

اتحاد الشغل والديمقراطية

يبرز الدور الذي يلعبه الاتحاد العام التونسي للشغل في الحياة المدنية والسياسية في تونس رياديا من جهة الوزن التاريخي للمنظمة والرمزية التي اكتسبها بفعل تاريخه النضالي منذ الاستعمار والتأسيس و إلى يوم الناس هذا، لذلك يتساءل المراقبون عن مصير هذا الدور بعد التطورات الأخيرة داخل الاتحاد وإقرار إنجاز مؤتمر غير انتخابي من أجل التمديد للقيادة الحالية التي لم يعد لها منفذ قانوني للتمديد.

تساؤل دعمه موقف عدد من النقابيين الذين تقدموا بدعوى قضائية عاجلة لإبطال إنجاز هذا المؤتمر باعتباره غير شرعي، ومن المنتظر أن تنظر المحكمة الابتدائية بالعاصمة في هذه الدعوى الجمعة

وفي الواقع يثير مآل هذه الدعوى افتراضات مهمة وذات دلالة على الواقع النقابي والمدني والسياسي ،فقد تقبل المحكمة الدعوى وتأمر بإيقاف انجاز هذا المؤتمر وقد ترفضه لسبب شكلي أو مضموني والامكانيات، وفي الحالة الأولى يطرح المراقبون اشكال التزام القيادة النقابية بقرار المحكمة خاصة أن هذه القيادة رفضت تسلم استدعاء لحضور الجلسة ،وهو ما يؤشر على مسار تصعيدي إزاء أصحاب الدعوى و إزاء القضاء نفسه ويجعل السؤال الجوهري هنا عن معنى التزام المنظمة بقيادتها الحالية بمسار تركيز قضاء مستقل وخضوعها لمقتضيات اللعبة الديمقراطية وحكم القانون.

وعدم التزام القيادة النقابية بإيقاف المؤتمر في حال صدور حكم بذلك، هو في نهاية الأمر قرار بالرفض، وهو الاحتمال الثاني المطروح حسب المتابعين الذين يتساءلون إن كنا إزاء أزمة كالتي شهدتها رابطة حقوق الإنسان في 2005 وانتهت عمليا بعد الثورة بخفوت الحضور القوي والفاعل للرابطة في المشهد المدني والسياسي.

لكن آخرين يقللون من حجم هذه التخوفات ويرفضون القياس على تجربة الرابطة ويرون أن حكم المحكمة يمكن إيجاد صيغة توافقية حوله بالحوار النقابي الداخلي، وهو  رأي يبدو مبالغا في التفاؤل لكنه يستند إلى التحركات الأخيرة للأمين العام للاتحاد مع مختلف رموز مؤسسات الدولة والفاعلين السياسيين والتي يعتقد أنها قد تشكل ضغطا على المعارضين للقيادة الحالية وقبولا بتسويات ترضي الطرفين.

لكن النظر إلى موقف المعارضين للقيادة النقابية وتاريخهم يدرك صعوبة تحقق هذه الفرضية على أرض الواقع، فهم عارضوا زمن الرئيس المخلوع بن علي تعديل الفصل العاشر من النظام الداخلي للمنظمة ولم يتراجعوا عن موقفهم وهي المعركة ذاتها يخوضونها مع الفصل العشرين.

 

ثقافة المؤسسة

الذي يهم المتابعين هنا ليس مآل المعركة بين الطرفين لكن الإجابة عن سؤال لماذا تصر المنظمات المدنية أو قياداتها في بلد يعيش تجربة انتقال ديمقراطي على السباحة ضد التيار والتمسك بثقافة موروثة من زمن الاستبداد.

في رأي علماء الاجتماع السياسي يعود الأمر إلى الثقافة السائدة في المنتظم المدني والسياسي وإلى حداثة التجربة وضعف المعارضين داخل هذه المنظمات تماما مثلما هو الحال داخل الأحزاب.

فكل الفاعلين في الانتظام السياسي يواجهون هذه الأزمة وما تزال القيادات التاريخية للأحزاب تبحث عن مبررات للبقاء وتغيير قوانين أحزابهم الداخلية وكذلك تفعل المنظمات تحت تبريرات مختلفة، وهو ما يغيب الأسئلة الحقيقية في قراءة هذه الأزمة التي تواجهها الديمقراطية الناشئة، إذ ينحصر الصراع بين رافض للتمديد ومؤيد له دون أن يطرح الفريقان ماذا بعد تحقيق مطلبهما، وما الذي قدمه كل فريق لضمان بقاء الحزب أو المنظمة فاعلا مهما في الاجتماع سواء رحل الحاليون أو مددوا.

يقول علماء السياسة إن ثقافة المؤسسة في المجتمع التونسي ما تزال هشة وتحتاج إلى توعية مدروسة ومستمرة، فهل نشهد تغييرا في هذا الاتجاه؟

سمير ساسي

في نفس السياق