بإيقاع واحد.. إعلام إماراتي يعزف لحن "الفوضى الخلاقة" في تونس

نشر من طرف لطفي حيدوري في الجمعة 22 ماي 2020 - 11:02
اخر تاريخ تحديث الخميس 4 جوان 2020 - 10:57

عزفت وسائل الإعلام الإماراتية خلال الأيام الأخيرة على إيقاع واحد، سمفونية صب الزيت على نار التجاذبات السياسية القائمة في تونس. وقدمت عرضا اوركستراليا عن السجال الدائر بين رئيس الجمهورية قيس سعيّد ومجلس نواب الشعب، وطرحه مجددا لفكرة تغيير النظام السياسي وحديثه بطلاقة في أكثر من مرة عن الخلافات السياسية المستجدة في الساحة التونسية .

ولئن كانت الاختلافات بين القوى السياسية عادية في مناخ ديمقراطي يسمح للإعلام الأجنبي بالحديث عن الشأن التونسي كما يسمح للإعلام التونسي بتناول أي شأن خارجي، إلا أن المتابع الحصيف لكيفية تناول وسائل الإعلام الإماراتية يدرك أنها اتخذت نهجا يشوه حقيقة الاختلاف داخل تونس إلى العزف على وتر الفوضى والتناحر بين مؤسسة رئاسة الجمهورية والبرلمان، ويبرهن المحتوى المتداول عن رغبة في الإيقاع بين القوى السياسية، بعيدا عن المهنية والحيادية والتناول الإعلامي البريء .

ما بعد هزيمة حفتر

يحاول العقل الإعلامي الرسمي الإماراتي في اكثر من مرة الربط بين ما يحدث في ليبيا من تطورات عسكرية وأمنية بتونس، فقد سبق لقناة العربية قبل الانتخابات التونسية أن وصفت مدينة ذهيبة الحدودية مع ليبيا ببؤرة تهريب وإرهاب والعمق الاستراتيجي لداعش، بينما تنقل مواقع ووسائل إعلام رسمية إماراتية دائما عن المتحدث باسم حفتر أحمد المسماري اتهامات لتونس بزعزعة الاستقرار في ليبيا وتوفير ممرات لإرهابيين قادمين من تركيا وتحويل تونس لقاعدة تركية للتدخل في ليبيا. ويكفي نقرة زر على محرك البحث غوغل للتأكد من ذلك، ولا يحتاج الأمر لجهد كبير وهو غير بريء في وقت تؤكد فيه السلطات الرسمية التونسية دائما عن رفض أي دور لتونس في ما يحدث في ليبيا .

بدأ توقيت الهجمة الإعلامية الإماراتية المركّزة الأخيرة على تونس مباشرة بعد خسارة حفتر لقاعدة الوطية الجوية المحاذية للحدود التونسية وانحسار حملته على طرابلس المدعومة إماراتيا بشكل كبير، ما يهدد مستقبلها القريب. فتداعت القنوات الإعلامية الإماراتية على تونس مباشرة من بوابة مكالمة هاتفية أجراها رئيس مجلس النواب راشد الغنوشي برئيس حكومة الوفاق الوطني فائز السراج. فحين تتصفح مواقع وصفحات سكاي نيوز والعربية والعين الإماراتية وقناة الغد وغيرها، فسيعترضك بين الخبر والخبر على هذه الواقعة روابط عن ملفات فساد رئيس البرلمان راشد الغنوشي وثروته الطائلة ودعوات للمحاسبة والمساءلة والكشف عن مصدرها ومواقف رافضة للمكالمة وخلافات رئيس البرلمان ورئيس الجمهورية. وبين ذلك تجد مداخلات لشخصيات تونسية وعربية من خلفية واحدة مناهضة للإسلام السياسي تتحدث عن إقحام الغنوشي لتونس في الصراع الليبي انتصارا للإخوان وتركيا، وتطعّم الأخبار عن تونس بدعوات التظاهر وحل البرلمان "ذي الأغلبية الإخوانية" ومطالب تغيير النظام السياسي والتناقض بين أعضاء الفريق الحكومي والصراع بين الرئاسات الثلاث.. حتى يخيل للمتابع أن تونس ساحة فوضى وتناحر مفتوحة بين أجهزة الدولة المختلفة وعلى حافة انفجار اجتماعي ومظاهرات عارمة. وهو نسق إعلامي تضخيمي للأخبار والمواقف يعكس جليا نوايا المايسترو الذي يضبط الإيقاع الإعلامي الرسمي من وراء الستار وهو الممول والراعي والمدبر للشؤون الخارجية الإماراتية وموقفها من الأحداث في العالم العربي ما بعد الثورات واصطفافاتها في الأحداث الراهنة بما يخدم الرؤية الفوضوية في العالم العربي، على غرار ما يحدث في اليمن وليبيا بضلوع إماراتي واضح لا يحتاج لبراهين أو أدلة .

المايسترو بلا شك يحمل عقل الثورة المضادة الرافضة لكل ما هو ديمقراطي في الدول العربية. فكما أسلفنا الذكر فإن الخلافات والاختلافات في تونس طبيعية بل ضرورة ملحة لنظام ديمقراطي يمكّن من مساءلة رئيس البرلمان عن تحركاته وأملاكه. وإمضاء عريضة وطنية في الغرض من صميم الشفافية، وليست إعلان حرب شعبية كما يسوقها الإعلام الإماراتي على المؤسسة المنتخبة ديمقراطيا من قبل ملايين التونسيين قبل 8 أشهر. أما عقل المايسترو الإماراتي فيعتقد أنها بداية الفوضى أو فرصة ذهبية بإمكانه استغلالها لتصوير ما يحدث في دولة ديمقراطية على أنه فوضى وانخرام سياسي واجتماعي وعدم استقرار على شتى المستويات .

سوابق الإمارات مع تونس

من حق دولة الإمارات أن تصطف مع ما تراه مناسبا لمصالحها، وهذا من صميم سيادتها الوطنية واختياراتها لسياساتها الخارجية في المنطقة، لكن أن تحاول أن تتعملق على تونس بخطاب إعلامي تحريضي لا يختلف في تقييمه حصيفان بتقينات الأخبار المضللة والتحاليل السمجة والدعاية السوداء، فإن ذلك مدعاة للبحث في ما وراء الحدث والنقل والتحليل، خاصة إذا ما علمنا أن لهذه الدولة توجه مضاد للثورات العربية والتغيير الديمقراطي في الدول الراغبة في تمكين شعوبها من سيادتهم على أوطانهم واختيار حكامهم بصناديق الاقتراع ولا تخفي ذلك علنا .

منذ الألفين واثني عشر وبعد وصول حركة النهضة والمنصف المرزوقي للسلطة، ناصبت هذه الدولة العداء للتجربة الديمقراطية التونسية كأنها خطر يقرع أبواب دبي وأبو ظبي أو الشارقة سيزيل عرش عائلة آل نهيان من الحكم، رغم أن الشعب التونسي والسلط القائمة عبّرا مرارا وتكرارا أن تونس لا تصدر ثورة ولا تهتم إن حركت مظاهر الديمقراطية فيها غرائز الشعوب الواقعة تحت حكم عائلي أو قبلي لتحن لنظام ديمقراطي يعبر الشعب فيه عن إرادته بأرقى الوسائل حضارية، وهدفها ديمقراطية تونسية تعددية تجمع الدستوري بالإسلامي والقومي بالحداثي واليميني باليساري في فضاء تعددي حرّ يمكّن من بناء تونس جديدة مغايرة لما قبل جانفي 2011 .

استغلت الإمارات الصراعات الداخلية القوية التي حدثت ما بعد 2012 والتدهور الأمني والمعيشي وتصاعد الخلافات السياسية وتموقعت وفق ما تريد حينها إعلاميا وماليا خلف حزب نداء تونس ممثل المنظومة القديمة ورئيسه ورئيس تونس المرحوم الراحل الباجي قائد السبسي الذي راوغها رحمه الله بحكمته ووطنيته ومعرفته بما يمكن أن يمثله شق الصف الوطني من خطر على استقرار البلاد بمجرد وصوله للحكم. وتوافق مع النهضة فهاجت وماجت دوائر الحكم في الإمارات واتسمت العلاقات الثنائية بين البلدين بالبرود والفتور طيلة حكمه، بينما اتخذت الإمارات إجراءات عقابية ضد التونسيين منذ ديسمبر 2014 بوقف منح التأشيرات لأراضيها بعد تشكيل حكومة مشتركة بين النهضة ونداء تونس لتستفز بعدها تونس والتونسيين في ديسمبر 2017 بمنع النساء التونسيات من النزول في مطاراتها فردّت تونس بمنع هبوط طائراتها في المطارات التونسية لتتراجع مرغمة على خطوتها على وقع هاشتاغ عالمي "تونس تؤدب الإمارات" .

سبب التجييش الإعلامي

من البديهي القول إن الإمارات تعارض ما تسميه الحركات الإخوانية ووجودها، وتفتخر بمساهمتها في انقلاب عبد الفتاح السيسي على الجماعة في مصر والرئيس الراحل محمد مرسي، وتمد حفتر بالسلاح والمال والمرتزقة للوصول للحكم من مدخل محاربة التنظيمات الإخوانية الإرهابية في ليبيا. وليس من المنطقي أن لا تتباهى تونس بنموذجها الديمقراطي وتبشّر به باعتباره طريق خلاص الشعوب العربية، على خلاف أنظمة تسود على نهج حكام الإمارات تجرّم التعددية وتمنع الإماراتيين من حق تقرير المصير ولا تكف عن ملاحقة الناشطين وسجن وتعذيب كل من تسول له نفسه نقد الحاكم أو مساءلته عن ثروته وأمواله، بل تشارك ميدانيا في سفط الدماء في ليبيا واليمن، وتضبط إيقاع الإعلام على نسق واحد يكمم الأفواه، بينما تحاول هي تصدير ضغائنها ورؤيتها الفوضوية إلى تونس من باب ملاحقة الإسلام السياسي وتتطاول على مجلس نواب تونس المنتخب عبر أذرعها الإعلامية الرسمية التي تنقل وجهة نظرها للجمهور العربي لأن فيه كتلة أولى من حركة النهضة ورئيسه راشد الغنوشي الإسلامي أو "الإخواني" وتحاول زعزعة الاستقرار من هذا المدخل الإيديولوجي الذي تجاوزته الأحداث في المجتمع التونسي والواقع السياسي الراهن بحكومة تضمّ تيارات مختلفة في فريق حكومي واحد ربما قد تنتظر الإمارات عقودا لتعي معناه ودلالاته .

مازال "مايسترو" الإعلام الرسمي الإماراتي على ما يبدو يحاول فيما فشل فيه سابقا وهو البحث عن زويا إعلامية لمضامين تحريضية تكون منطلقا لفوضى سياسية خلاقة في تونس غير مدرك أن التونسيين اتفقوا على التعايش المشترك والتنافس السياسي دون منطق إقصاء أو احتراب داخلي واحتكموا للصندوق لاختيار من يمثل الشعب .

وجب التأكيد أن من مصلحة الإمارات العربية وتونس أن تكون لهما علاقات ديبلوماسية عادية تخدم مصلحة الطرفين، ففي الإمارات يعيش آلاف التونسيين ويعملون في شتى القطاعات. وفي تونس مصالح إماراتية وبالإمكان أن تعدل الرؤية الخارجية الإماراتية لتحترم نفسها وتجبر "مايسترو" الإعلام الإماراتي على أن يتصالح ولو على مضض مع الديمقراطية التونسية قولا وفعلا ولا يعزف على وتر التخويف من الفوضى وانعدام الاستقرار وآفاق المجهول، ويفقد ما تبقى له من مهنية وموضوعية لدى المشاهد والمتابع التونسي والعربي .

كريم البوعلي

في نفس السياق