تستهدفُهُ آلة شيطنة محليّة وإقليميّة: راشد الغنوشي.. السياسيّ الصامد

أنهى الرجل يوم 22 جوان المنقضي عامه التاسع والسبعين وهو يُجابه عواصف عاتية، ربّما هي الأقوى منذُ عودته إلى تونس سنة 2011.

فعلى صعوبتها وما فيها من اكراهات وتحديات فإنّ المرحلة الحالية قد لا تكون سوى محطّة في مسيرة هذا الرجل الذي شغل الناس كثيرا، بل ربّما هو يشغلهم اليوم أكثر ممّا شغلهم سابقا، فصوره وأخباره وسردياته مبثوثة في كلّ الزوايا والأركان محليا واقليميا ودوليا، على شاشات التلفاز وعلى أمواج الإذاعات وعلى ورق الصحف والمجلات، في أروقة السياسة والأحزاب وعلى ألسنة الكثير من الناس في المقاهي والمنتديات والملتقيات الفكرية والسياسيّة وفي الكثير من الفضاءات.

هي محطّة تُوجّه فيها الكثير من السهام إلى الرجل وتُوضعُ فيها الكثير من العقبات في طريقه، وهو في كلّ ذلك يبدو صامدا.. هادئا ضابطا للنفس بشكل عجيب.

لماذا يلقى راشد الغنوشي كلّ هذا العنت: هل هو ماسكٌ على حق، تجمّعت من حوله ذئاب الشر والباطل، أم في طريق خاطئ، صوّبت له سهام الانتقاد الموضوعية والواقعيّة؟

 

تحديات الداخل النهضاوي ورهاناته

تحديات ورهانات وضغوطات متعددة يتعرّضُ لها الشيخ راشد الغنوشي، حزبيا من خلال معارضين لسياساته المبنية أساسا على البحث الدائم عن توافقات وتسويات مع الخصوم وبالأخص منهم المنتمين للنظام القديم والمتطلعة دوما إلى مصالحة وطنيّة شاملة تُغلق ملفات الماضي بما فيها من جراح وآلام وتجاوزات وانتهاكات وتدفع البلاد موحّدة إلى خدمة استحقاقات الحاضر في تعزيز روح العيش المشترك والاستجابة للحاجيات الاقتصادية والاجتماعيّة للبلاد.

في هذا الصدد يرى معارضو الغنوشي داخل النهضة أنّ سياسة التوافق كانت فاشلة ولم تحقّق المأمول منها في حين يتمسّك الغنوشي بها يقينا بأنّها الأداة المثلى والوحيدة لتجنيب الحياة الوطنية مظاهر الصدام والقطيعة والاحتراب الأهلي وتحقيق قدر من الاستقرار السياسي والتهدئة كأرضية لمراكمة مكاسب للثورة والانتقال الديمقراطي، ولذا لا يبدو الغنوشي في وارد العدول عن هذا التوجّه في وقت يُواصل البعض من إخوانه المناداة بالثوريّة والهيمنة على الحكم وتسيير دواليب الدولة.

وفي هذا الصدد فإنّ تجربة الترويكا سنة 2012 أو مسار "حكومة القوى الثورية الحالية" مع حركة الشعب والتيار الديمقراطي التي يقودها إلياس الفخفاخ تمنحُ الرجل مشروعية كبيرة في دعوته المتواصلة الى توسيع الحكومة وتحويلها إلى حكومة وحدة وطنيّة قادرة على استيعاب كل المكونات الوطنية دون استثناء والاستجابة للتحديات الماثلة والتي تضاعفت جرّاء تفشي وباء الكورونا، والأهم من كلّ ذلك هو ضمان استمرارية الهدف الأهم والأكبر ألا وهو الشراكة بين القديم والجديد.

 

لا خيارَ محليا بعيدا عن التوافق

وربّما تلك السياسة، على ثمارها الإيجابية وحصادها المؤكّد، تقف خلف ما يتعرّض له الشيخ الغنوشي من محاولة لإبعاده عن قيادة حركة النهضة لعهدة ثالثة، ذلك أنّه على الرغم ممّا ينصّ عليه النظام الداخلي من عهدتين إلاّ أنّ البعض ممّن تستهويهم أضواء الزعامة ويركبون صهوة الثوريّة الزائدة والتشدّد يعملون على حرمان المؤتمر العام من حقّه في إعادة تقييم الأوضاع المستجدّة وطنيا وإقليميا والتي قد تفرض حاجة مؤكّدة لمواصلة الشيخ الغنوشي لرئاسة الحركة وما يقتضيه ذلك من خيار تعديل النظام الداخلي.

وهذا التحدّي الداخلي نجدُ له امتدادات في الساحة السياسيّة من قوى إقصائية واستئصالية، وإن تلحّف بعضها برداء الثوريّة ومقاومة الفساد، باتت تستهدفُ الأستاذ راشد الغنوشي وتعملُ على تقزيم دوره الوطني وابعاده عن مواقع القرار، وهو ما نجدُ صداه في محاولات سحب الثقة منه كرئيس لمجلس نواب الشعب، محاولات يُعلنها صراحة الحزب الدستوري الحر، وريث التيار البوليسي والاستئصالي لحزب التجمّع ونظام الرئيس الراحل بن علي، بدعم من تيارات يسارية متهالكة خرجت من كلّ المعادلات الحزبيّة والسياسيّة ولم يعد لها من فرصة التموقع غير بثّ الأحقاد والكراهية ومحاولة النفخ في صراعات الهويّة والاستقطابات العقائدية والايديولوجية العفنة على الرغم من أنّ الدستور حسم تلك الخلافات وأسّس لمنظومة ديمقراطية تعدديّة عمادها تحكيم إرادة الشعب عبر صناديق الاقتراع والتداول السلمي على السلطة.

 

نظرة إقليمية معادية

الدور الذي لعبه الأستاذ راشد الغنوشي طيلة السنوات التي تلت الثورة في تثبيت ركائز الانتقال الديمقراطي وتحقيق الاستثناء العربي في مضمار السلطة والحكم والتعايش بين الإسلام وقيم الحداثة، ومنها الحريّة، بكل أصنافها، والديمقراطية كأرقى أشكال التنظَم التي عرفتها البشرية على مرّ العصور.

هذا الدور المحلي الوطني يُنظرُ إليه اقليميا على أنّه خطر على أنظمة التسلط والاستبداد العسكريّة أو التوريثيّة، خطر لا بدّ من مواجهته بمختلف الطرق والوسائل، وفي هذا المجال هناك شبه يقين بأنّ الاغتيالات السياسيّة والعمليات الإرهابيّة لها امتدادات خارجيّة من قوى الثورة المضادة الاقليميّة، والتي كانت تهدف من وراء إراقة الدماء وبثّ للرعب والخوف وتهديد الأمن الاجتماعي والأهلي إلى تعطيل مسارات تحقيق الاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعيّة، ممّا يُوجد أرضيّة لليأس من الثورة ولعن مخرجاتها الرئيسية في الحريّة والديمقراطية ومن ثمّة تضييق الخناق ومنع تمدّدهما إلى أقطار أخرى.

يُنظر إلى الأستاذ راشد الغنوشي في الأوساط الغربية والدول المتقدّمة شرقا وغربا ومن مراكز التفكير العلميّة على أنّه رائد تحديث الممارسة السياسيّة في المنطقة العربيّة وزعيم التيار الديمقراطي بها ومنظّر لتعايش الدين الإسلامي مع قيم الحريّة والديمقراطيّة وتعايش القوى الإسلاميّة مع منافسيها في الضفَّة المقابلة من قوى علمانية ويساريّة وليبراليّة.

ولكن قوى الردّة في المنطقة من الماسكين بالممارسة التسلطيّة الأمنيّة والعسكريّة ومن مريدي الهيمنة على إرادات الشعوب، ينظرون إليه على أنّه خطر حقيقي لا بدّ من مجابهته وثنيه على مواصلة مسيرته الإصلاحيّة الرائدة، على الرغم من أنّ الرجل يؤكّد دائما رفضه التدخل في شؤون الآخرين ويشير باستمرار إلى خصوصية التجربة التونسيّة وأنّها ليست للتصدير.

 

معارك لا تتوقّف وصمود متواصل

في الكثير من تصريحاته يقول الأستاذ راشد الغنوشي أنّ للثورة ارتدادات تُشبه ما يعقبُ الزلازل، وأنّ المطلوب هو مجابهة كلّ تلك الارتدادات بصبر وثبات وبكثير من الحكمة والتعقل، وكذا كانت سيرته منذ تجربة الترويكا وصولا إلى الاستقرار الحكومي والدعوة إلى الوحدة الوطنية مرورا بما عُرف بتجربة توافق الشيخين مع المرحوم الباجي قائد السبسي.

في خضم كلّ تلك المعارك، ووسط هجمة شيطنة تكاد تكون يوميّة، محليا واقليميا، فإنّ الرجل ما يزال صامدا ماسكا على قناعاته ومبادئه مصرّا على المضي قُدما في استكمال ما بقي من لبنات الانتقال الديمقراطي وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة ونقل بلاده الى أفق جديد من التقدّم الحضاري والاقتصادي والاجتماعي في ظل دولة مدنية عصريّة ديمقراطية عادلة، تحفظُ التعايش بين كلّ الفرقاء وتستمزجُ الموروث الديني والحضاري مع قيم العصر.

محمّد الأمين الهادفي

في نفس السياق