ديسمبر 2006: رصاص الإرهاب يوقظ تونس على تغلغل النشاط المسلح

نشر من طرف لطفي حيدوري في السبت 26 ديسمبر 2020 - 11:41
اخر تاريخ تحديث الخميس 4 مارس 2021 - 20:18

دوّى الرصاص مساء 23 ديسمبر 2006 في مدينة حمام الأنف، وكان الرائد عماد الغضباني يتقدم مجموعة من فوج مكافحة الإرهاب لاقتحام منزل تسوغته خلية إرهابية، تبيّن فيما بعد أنّها حلقة من شبكة تنشط بين القصرين وسيدي بوزيد وحي العوينة بسوسة وحي الخضراء بتونس العاصمة وقرمبالبة بنابل.

ويوم 26 ديسمبر 2006 سعت السلطات إلى التعتيم على الحادثة وتضليل الرأي العام.

كان ذلك حدثا لا تزال امتداداته حتى اليوم، إذ بيّن جدّية الخطر الكامن خلف "دعاية" البلد الآمن، وكانت وزارة الداخلية دشنت قبله بنحو سنتين حملات متفرقة أظهرت وجود مجموعات نجحت في عمليات تسفير إلى العراق عبر سوريا، وأخرى التحقت بالجزائر. لكن يبدو أنّه بداية من واقعة حمام الأنف وانكشاف "كتيبة أسد بن الفرات"، كان تاريخ إعلان الساحة التونسية.

ولم يكن خيار النظام أمام هول الفشل الأمني سوى التعتيم والتضليل وهو ما دأب عليه في أحداث عنيفة مشابهة، استخدم فيها الرقيب سلطته على الإعلام مستغلا الخضوع الكامل للمؤسسات وإدارات التحرير.

ونوثق لهذا الأسلوب بعيّنة من التعامل مع 6 هجمات إرهابية، بدءا من فيفري (رمضان) 1995 في توزر، حتى مارس 2010 في سوسة.

 

عملية سندس

توجهت صبيحة يوم 14 فيفري 1995 من كلية الآداب بمنوبة إلى مقر المصلحة الجهوية للمختصة بمنطقة الأمن بباردو، لتوقيع الحضور في دفتر المراقبة الأمنية المفروضة. واقتنيت في طريقي جريدة "الصباح" استعين بها على فترة الانتظار التي لم نكن نعلم كم تدوم. وفي مكتب المصلحة افتكّت مني الجريدة قبل أن أتصفحها، بل دفعوا لي ثمنها. ولم ألبث طويلا هناك. وقد لفت انتباهي اجتماع الأعوان لقراءة خبر منشور في الصفحة الثانية، فسارعت إلى نسخة ثانية لاطلع على ما فيها، وفي المساء كانت إذاعة البي بي سي وإذاعة البحر الأبيض المتوسط تنقلان الخير.

كانت مجموعة إرهابية قادمة من التراب الجزائري قد هاجمت مركزا حدوديا للحرس الوطني أثناء توقيت الإفطار في شهر رمضان سنة 1995 وخلّف الهجوم استشهاد 6 عناصر من الحرس الوطني والاستيلاء على الأسلحة. وتم تداول الخبر في بعض وسائل الإعلام الدولية المواكبة للأحداث الدموية في الجزائر آنذاك والمستندة في كثير من مصادرها إلى بيانات المجموعات الإرهابية.

وقد مثل ذلك الهجوم ضربة قاسية لصورة البلد الآمن الذي لا يمكن أن تطاله بؤر الإرهاب بفعل السياسة الأمنية التي اختارها النظام. وأوردت جريدة الصباح اليومية في ركن "ملامح وأخبار" بالصفحة الثانية خبرا قصيرا بعنوان "حادث مرور أليم في معتمدية تمغزة"، في عدد يوم 14 فيفري 1995، جاء فيه "خلافا لما روّجته بعض الإشاعات المتضاربة، علمت "الصباح" أنّه سجّل مساء السبت 11 فيفري 1995 حادث مرور أليم في المنطقة الحدودية بالجنوب الغربي التونسي من معتمدية تمغزة، صورته أنّ سيّارة من نوع "لاندروفر" كانت تقلّ دورية للحرس الوطني تتركب من ستة أعوان انزلقت وحادت عن الطريق، ثم سقطت في هوّة بجهة سندس، ممّا أدّى إلى وفاة عونين وإصابة الأربعة الآخرين بجروح متفاوتة الخطورة".

ويظهر هذا النصّ، بعد ثلاثة أيام من الهجوم، سعيا متعمّدا لطمس الحقيقة، استخدم فيه الرقيب عبارة مفروضة على الصحيفة، وهي "علمت الصباح" دون أن تذكر اسم المصدر، فالمصدر الرسمي لا يكذب، لأنّه سيتنصل من تلك الرواية في أي وقت، وقد يلقي اللوم على الصحيفة ذاتها.

 

تفجير معبد الغريبة

أودى الهجوم الانتحاري الذي نفذه نزار نوار على كنيس الغريبة اليهودي يوم 11 أفريل 2002 بحياة 17 شخصا أغلبهم من الأجانب يحملون الجنسيتين الألمانية والفرنسية. وحاولت السلطات التونسية طمس معالم الحقيقة إعلاميا بترويج خبر زائف وماديا بالمسارعة إلى إزالة آثار الانفجار، لكنّها تراجعت بعد ضغط من الجانب الألماني الذي فرض مشاركته في التحقيقات، وبدأ تسريب الحقيقة تدريجا، لكن مع تجنّب ترويج عبارة "الإرهاب" التي قد تطعن في نموذج الاستقرار التونسي، وفي قدرة السلطات التونسية على حماية السيّاح وخاصة زوّار معبد الغريبة، مع تنامي أنشطة تنظيم القاعدة في العالم.

وأوردت جريدة الصباح يوم 12 أفريل 2002 عناوين الخبر على غلافها:

حادث انفجار أليم قرب معبد الغريبة بجزيرة جربة

وفاة 5 أشخاص وإصابة قرابة 20 آخرين.

رئيس جمعية الغريبة: الحادثة عادية ولا علاقة لها بما يحدث في الشرق الأوسط.

ونقلت الصحيفة برقية وكالة تونس إفريقيا للأنباء، الحكومية، دون تصرّف فيها، بهدف ترويج صورة الهجوم على أنّه حادث سير "أليم"، وهي الصفة نفسها التي أطلقت على حادث السير الوهمي الذي أدّى إلى مقتل أعوان الحرس الوطني سنة  1995. واعتمد الخبر على شهادة من الجهة المستهدفة، وهو اليهود، لتتطابق مع رواية "الحادث الأليم".

جاء في البرقية أنّه "جدّ صباح أمس حادث انفجار أليم بجزيرة جربة. وتفيد المعطيات الأوّلية أنّ شاحنة مجهّزة بصهريج للغاز اصطدمت بالرصيف ثم بالسياج الخارجي لمعبد الغريبة، وقد أدّى هذا الاصطدام إلى انفجار الشاحنة مما أودى بحياة السائق وأربعة أشخاص من بينهم عون أمن، وإصابة قرابة عشرين آخرين من بين المارّة بمكان الحادث بحروق متفاوتة الخطورة".

وصرّح بيريز الطرابلسي رئيس جمعية الغريبة: "هذه الحادثة عادية ولا علاقة لها بما يحدث في الشرق الأوسط. وقد تعرض لها على حد السواء الأجانب والمواطنون التونسيون العاملون بالغريبة. وإنّي أنوّه بالعناية والرعاية الموصولة التي يحيط بها الرئيس زين العابدين بن علي الجالية اليهودية". (الصباح 12 أفريل 2002)

وواصلت الصحف الانضباط إلى الخطة التضليلية التي رسمها الرقيب لوكالة الأنباء الرسمية عبر برقياتها المنشورة حرفيا، ولكنّ روايتها بدأت تهتزّ تدريحيا، ونشرت الصباح يوم 17 أفريل 2002، تحت عنوان "السلطات القضائية والأمنية التونسية تواصل التحقيق"، جاء فيه "علمنا من مصدر رسمي أنّ السلطات القضائية والأمنية التونسية تواصل التحقيق الذي تولته منذ حادث الانفجار الذي جدّ يوم 11 أفريل الحالي قرب معبد الغريبة، بالتعاون والتنسيق مع الأطراف الأمنية الخارجية المعنيّة، وبالأساس الألمانية والفرنسية، وذلك خاصة بعدما أوردته إحدى الصحف العربية من بلاغ تبنّي تنظيم القاعدة لهذا الحادث. ورغم صدور هذا البلاغ بعد قرابة الأسبوع من وقوع الحادث واستحالة التثبت من مصدره ممّا يشكك في مصداقيته، فإنّ السلطات الأمنية التونسية تدقق الأبحاث بخصوص سائق الشاحنة الذي تبيّن أنّه يقيم عادة مع عائلته بمدينة ليون الفرنسية" (الصباح 17 أفريل 2002).

وهكذا بدأت الرواية الرسمية تتهاوى، فيما بدا كأنّه قصّة بوليسية مشوّقة، مع محاولة ترسيخ عبارة "قرب معبد الغريبة" للتخفيف من حجم الهجوم ونجاح منفّذه.

واستغرق التعتيم 12 يوما ليقع الاعتراف بحقيقة العملية علنا، ولكنّ الصحف التونسية نقلتها على لسان مسؤول أجنبي، أمّا المصدر الرسمي التونسي فتجنّب عبارة "الإرهاب"، مشيرا إلى "عمل إجرامي"

ونقلت الصباح يوم 23 أفريل 2002: "وزير داخلية ألمانيا في لقاء صحفي بتونس: انفجار جربة ناجم عن عمل إرهابي.

مصدر رسمي: حادث جربة عمل إجرامي مدبّر كان نتيجة عملية إجرامية مدبّرة اقترفها تونسي يدعى نزار نوار بتواطؤ مع أحد أقربائه في تونس".

 

مجموعة سليمان

عُرفت هذه الخلية الإرهابية التي اشتبكت مع قوات الأمن في ضاحية حمام الأنف جنوب تونس العاصمة مساء 23 ديسمبر 2006، باسم "مجموعة سليمان" نسبة إلى المدينة التي جرت فيها آخر الاشتباكات. وكان استخدام هذه التسمية لحجب حقيقة المجموعة التي نشطت كامل النصف الثاني من سنة 2006 في عدة مدن داخل البلاد وشكلت "كتيبة أسد بن الفرد" التي تضم عنصرا موريتانيا، والتحق بهذه المجموعة عشرات الأشخاص الذين حوكموا في ملفات قضائية متفرقة.

وكان منطلق انكشاف المجموعة المسلحة المداهمة التي نفذتها وحدة مكافحة الإرهاب مساء 23 ديسمبر 2006 لمنزل بضاحية حمام الأنف، وقتل في العملية عنصران إرهابيان واستشهد عون أمن.

وغطّت جريدة الشروق يوم 26 ديسمبر 2006 هذا الحدث على أنّه يتعلق بعصابة مخدرات. وتحت عنوان "كل التفاصيل عن المواجهة المسلحة بين قوات الأمن وعصابة المخدرات.. حجز كميات هامة من المخدرات والسلاح"، تبنّت الصحيفة الرواية الرسمية التي حاولت السلطات ترويجها:

"قتيلان وجريحان في مواجهة دامية بين أعوان الأمن وأفراد عصابة دولية تنشط في مجال المخدّرات، وذلك بأحد احياء الضاحية الجنوبية للعاصمة خلال الليلة الفاصلة بين السبت والأحد الماضيين، وفق ما أكّدته مصادر رسمية.

وحسب شهود عيان، فإن المواجهة جرت بمنطقة «الشعبية» بحمام الأنف التي تبعد قرابة العشرين كيلومترا عن العاصمة في اتجاه الجنوب. وقد استعملت في هذه المواجهة  أسلحة مختلفة وأسفر ذلك عن قتيلين من أفراد العصابة واعتقال اثنين منهم، فيما اصيب عونا أمن بجروح متفاوتة الخطورة.

وحسب مصادر رسمية، فإن مجموعة من الأنفار كانوا على متن سيارة، متجهين نحو  العاصمة قادمين عبر الطريق الوطنية رقم 1، فأوقفتهم دورية للحرس الوطني على مستوي مفترق برج السدرية، إلا أنهم لم يمتثلوا لذلك، فاضطر أعوان الدورية إلى الالتجاء لزملائهم ببرج الباي، فرفض أفراد المجموعة للمرة الثانية، مما جعل قوّات الأمن تشتبه في الأمر وتستنفر وحداتها، خاصة أمام ورود أنباء عن سعي عصابة دولية تنشط في مجال تهريب المخدرات وإدخال كميات هامة من المواد المخدرة، فجرت عملية مطاردة للسيارة المشتبه بها، إلا أن المفاجأة كانت كبيرة عندما باغتهم أفراد هذه العصابة بالمبادرة بإطلاق النار تجاههم وبوابل من الرصاص، عندها اضطرّت قوّات الأمن إلى التمترس والاستنفار ثم تبادل إطلاق النار مع أفراد هذه المجموعة (...)

مصادر حسنة الاطلاع أوردت أن عوني أمن أصيبا في المواجهة بجروح متفاوتة الخطورة وأنهم تمكنوا من حجز كميات هامة من المخدرات وبعض قطع الأسلحة (...) وقد علمت «الشروق» في هذا  الباب أن افراد العصابة سبق وأن انتموا إلى عصابات للجريمة المنظمة في دول أوروبية... وأنهم قدموا إلى تونس لمواصلة نشاطهم في دنيا الاتجار في المخدرات صلب عصابات مهيكلة ومنظمة... غير أن قوات الأمن كانت لهم بالمرصاد". (الشروق 26 ديسمبر 2006)

ودعمت الصحيفة هذه الرواية الأمنية ببطاقة غير ممضاة بعنوان "بالمناسبة"، جاء فيها "بحزم وكفاءة واقتدار، تعامل أفراد الأمن الوطني مع العصابة الدولية لترويج المخدرات".

وأوردت أسبوعية "مواطنون" بعد سنة و4 أشهر من الحادثة، أنّ رئيسة تحرير صحيفة "الشروق" فاطمة بن عبد الله الكراي صرّحت أمام طلبة معهد الصحافة بمنوبة خلال يوم دراسي حول واقع الصحافة المكتوبة، أنّ السيناريو  الذي صدر في الصحيفة بتاريخ 26 ديسمبر 2006 حول عصابة مخدرات تسللت إلى تونس واشتبكت مع قوات الأمن بجهة حمام الأنف هي "مجرد رواية أمنية مشوهة لحقيقة مفادها أنّ الاشتباكات تتعلق بمجموعة سلفية مسلحة".

وقدمت الكراي تبريرات تراوحت بين مساعدة السلطات على المحافظة على الأمن العام والحرص على عدم إثارة الهلع في نفوس سكان الصاحية الجنوبية للعاصمة. ( توفيق العياشي، بطاقة حمراء، مواطنون، 30 أفريل 2008.)

وقد نفت الكرّاي في ردّها المنشور في العدد الموالي من جريدة مواطنون، أن تكون اعترفت بنشر رواية أمنية جاهزة، وقالت إنّ الصحفي الذي غطّى اليوم الدراسي بمعهد الصحافة "اختلق حكاية أوردها هو في سؤاله"، لكن كاتب المقال تمسّك بصحة تغطيته وبأنّه يحتفظ بالأدلّة.

ولا شكّ في أنّ السلطات كانت تريد منع تداول أي معلومات عن حقيقة المجموعة الإرهابية التي مثّل تحرّكها تحوّلا نوعيا في الظاهرة الإرهابية في تونس، ودليلا على فشل المقاربة الرسمية لمعالجة ظواهر التطرف، وعلى فشل أمني كبير. ولهذا كان يجب انتظار يوم 7 جانفي 2007 لتشرع الصحف في نقل جزء من الحقيقة، بعد استشهاد عون أمن ونقيب بالجيش وقتل 14 فردا من المجموعة الإرهابية.

 

اختطاف سياح في الصحراء

استبعدت السلطات التونسية ما أكّده تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي عن اختطاف سائحين نمساويين في الصحراء التونسية يوم 22 فيفري 2008. وكان قد صدر يوم 6 مارس بيان عن الخارجية النمساوية تحدث عن حالة الاختفاء.

وتبنّى تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي يوم الاثنين 10 مارس المسؤولية على اختطاف سائحين نمساويين فقدا الشهر الماضي في الصحراء التونسية. وقال التنظيم على لسان متحدث قدم نفسه على أنّه المسمى صلاح أبو محمد الناطق الإعلامي للتنظيم في تسجيل صوتي بثّته قناة الجزيرة إنّ التنظيم نجح في تنفيذ عملية الاختطاف على الأراضي التونسية يوم 22 فيفري.

وحذر المتحدث السياح الغربيين من القدوم إلى تونس. وأضاف إن التنظيم "يستطيع الوصول إلى أي سائح في أي مكان في تونس ولن تستطيع سلطات هذا البلد حمايتهم". ووصف الحكومة التونسية "بالمرتدّة".

أمّا البلاغ الرسمي التونسي، عن مصدر "مأذون" يوم 12 مارس 2008 في وكالة تونس إفريقيا للأنباء، فقد سعى إلى إلقاء المسؤولية على الجزائر بالقول: "يبدو أن المواطنين المعنيين توغلا في الصحراء إلى اتجاه خارج الحدود التونسية حسب أخر المعلومات المتوفرة على اثر اتصالهما هاتفيا بمختص ألماني في مسالك الصحراء". وقال البلاغ إنّه ليس هنالك أية عناصر يمكن أن تثبت أن المواطنين النمساويين موجودان على التراب التونسي أو أنهما قد اختطفا داخل الحدود التونسية.

لكنّ البلاغ أكّد دخول السائحين المختطفين إلى تونس عبر ميناء حلق الوادى قادمين من ميناء جنوة الإيطالي للقيام بجولة في المناطق الصحراوية. وأكّدت السلطات التونسية أنّها بادرت منذ بلغتها معلومات حول اختفاء المواطنين النمساويين بإجراء عمليات بحث وتمشيط مكثفة برّا وجوّا.

 

اغتيال عون أمن في سوسة

جدت في شهر مارس 2010 حادثة قتل عون أمن وإصابة زميله، ليلا، على طريق سهلول بمدينة سوسة. ونفّذ الهجوم 4 عناصر إرهابية بينهم عون أمن معزول. ولم يتعرف الرأي العام إلى الطبيعة الإرهابية للجريمة إلاّ في جلسات المحاكمة بعد الثورة، وقد قضي في حق الأمني المعزول بالإعدام شنقا.

وقد استهدف الهجوم عوني أمن كان داخل سيارة الشرطة قتل أحدهما بمسدس زميله الذي تم افتكاكه ونقلت جثته إلى مكان خال بجهة القيروان، فيما ترك العون الثاني مصابا في السيارة الإدارية.

ويشار إلى أنّ عون الأمن المعزول القاتل، حوكم بمفرده فيما فرّ بقية عناصر المجموعة من سجن المسعدين مساء 14 جانفي 2011.

 

ثورة 17 ديسمبر تحطّم أسوار التعتيم

لئن حاول النظام التونسي التعتيم على ما يجري داخل تونس من أنشطة إرهابية مقلقة تقوم دليلا على زيف ادّعاءات النظام عن قدرته على مكافحة التطرف والإرهاب، فقد كان التونسيون بالعشرات في بؤر التوتر في الجزائر والعراق ولبنان وأفغانستان، وضمن الخلايا الإرهابية في أوروبا.

وقبل سنوات من ثورة 17 ديسمبر ألقت قوات الدرك والجيش الجزائريين القبض على عشرات التونسيين الذين التحقوا بمعاقل الجماعات المسلحة. وسجلت على المناطق الحدودية وخاصة بجهة القصرين عديد التحركات الإرهابية وهجمات على مراكز حدودية، وتم كشف متفجرات، وكان قد تم تدريب عناصر إرهابية تونسية في موقع بولاية تبسّة القريبة من القصرين كما قتل تونسيون مقاتلون في صفوف الجماعات المسلحة الجزائرية.

أنظر (Terrorism in the Maghreb the transnationalisation of domestic terrorism, june 2008) للباحثة الجنوب إفريقية في شؤون الإرهاب Anneli Botha ، وقد ذكرت معطيات كثيرة عن هجمات إرهابية في المنطقة الحدودية بالقصرين خلال التسعينات وبداية الألفية الثانية، استندت فيها إلى تقارير دولية وبرقيات وكالات أنباء.

لقد كان التعتيم الاتصالي والإعلامي والتحكم في وسائل الإعلام والصحافيين، جزءا من مقومات السيطرة على الحكم وضمان "الاستقرار" والشعور "بالأمان" لدى التونسيين، في محاولة لتزييف وقائع الفشل الذي بدأ يتنامى مع تصاعد انتشار أنشطة الإرهاب بعد غزو أفغانستان والعراق، وتفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية بداية من سنة 2008 إثر أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة، ليكتشف التونسيون الحقيقة شيئا فشيئا بداية من جانفي 2011، وتحاول بعض القوى المرتبطة بالنظام السابق اليوم إقناع التونسيين بجدوى العيش في واقع الوهم القديم.

لقد كان إعلان الرئيس زين العابدين بن علي في آخر خطاب له مساء 13 جانفي 2011 رفع أدوات الرقابة والحجب والتعتيم، بمثابة إعلان نهاية النظام الذي أقام احتكاره للحكم لعقدين على قاعدة هذه الأدوات. وكان ذلك بعد أن سمحت السلطات بتغطية الأحداث الجارية في سيدي بوزيد ومعتمدياتها، بعد 10 أيام من انطلاق المظاهرات ليلا ونهارا، وجاء هذا التسامح، الجزئي والمحدود، بعد أن غزت الصور والمشاهد التسجيلية عبر الهواتف الجوالة، موقع فايسبوك والفضائيات الأجنبية في مقدمتها قناة الجزيرة، إضافة إلى تعدد المصادر المواطنية الميدانية.

واستمرت تغطية المنتفضين لثورتهم، وهو ما كان بمثابة التحريض على الالتحاق بصنع ربيع تونس الذي هزّ جميع أنحاء العالم بعد ذلك.

(صورة المقال لمنزل في مدينة سليمان جنوب العاصمة، حيث دارت اشتباكات بين عنصرين مسلحين، التونسي ربيع باشا والموريتاني محمد ولد مقام، والقضاء عليهما يوم 3 جانفي 2010، وبسبب هذا المنزل سميت المجموعة "مجموعة سليمان" تجنّبا مقصودا لاسمها "كتيبة اسد ابن الفرات، تصوير الفرنسية)

لطفي حيدوري

في نفس السياق