في ذكرى صدور أوّل صحيفة تونسية "الرائد التونسي".. النشأة وتأسيس الرقابة

نشر من طرف لطفي حيدوري في الأربعاء 22 جويلية 2020 - 14:03
اخر تاريخ تحديث الأربعاء 25 نوفمبر 2020 - 08:32

يوافق يوم 22 جويلية ذكرى صدور أوّل عدد من "الرائد التونسي"  سنة 1860، وهي أول صحيفة تونسية عربية أطلقت بعد دخول المطبعة للمملكة التونسية.

ولا يمكن تناول هذا الحدث دون العودة إلى ظروف نشأة الصحافة في تونس ارتباطا بانتشار  الطباعة وتفاعل السلطات المحلية ثم الاستعمارية وتأثيرات كل ذلك في مسار الصحافة التونسية، بل في حرية التعبير بشكل عام.

بيئة النشأة

لقد كان تأسيس المطبعة حدثا ثقافيا وحضاريا كان له أثره في جميع أنحاء العالم. وقد أحدث هذا اختراع المطبعة في العالم هواجس ثقافية وسياسية استدعت، في بداياتها، إصدار آليات لضبط مضامين منتجات هذه الآلة. وقد اتخذت في أوروبا مهد هذا الاختراع تدابير تراوحت بين العقوبات القاسية التي تصل حد الإعدام، والتنظيم الوقائي. وقد وقع استصحاب المحاذير والاحتياطات من المطبعة مع دخول أولى الكتب المطبوعة والمطابع إلى العالم الإسلامي.

وتحدث محمد بن الخوجة (متى كان ظهور الطباعة، المجلة الزيتونة، فيفري 1941، المجلد 4، ج 5، ص143.) عن الخلفيات التي طرح بها مشكل المطبعة محلّيا، وهي في البداية حساسية دينية وبعد اقتصادي حِرفي. وأشار إلى أنّه "رغم تكرار طبع الكتب باللغة العربية مدى القرنين السابع عشر والثامن عشر بباريس وروما ولندرة وليون ولبزيغ ومجريط وغيرها من عواصم أوروبا فإنّ العالم الإسلامي لم يُقبل يومذاك على الطباعة، ولعلهم كانوا يتحاشون من ذلك اتقاء تلاشي مسودات الأوراق وهي لا تخلو من آيات كريمة أو أحاديث شريفة أو غير ذلك من الأسباب التي أساسها التورع أو التمسك بما كانت عليه صناعة الوراقة والنسخ من الازدهار في عصر السلف الصالح مع انتشار تآليفهم في كافة البلاد قبل أن يعمّ الطبع جهات المعمورة، وبالتالي لم يكن في وسعهم إلاّ الركون للاستفادة من محاسن الطباعة وكان بمقدمة الأمم الإسلامية في ذلك السبيل البلاد المصرية. فأحدثوا على عهد محمد علي باشا وبأمره جريدة الوقائع المصرية وطبعوا كتبا كثيرة لاسيما في التاريخ والأدب وشبه ذلك قبل الشروع في طبع كتب الدين وعلوم الشريعة. وبمصر اقتدت تونس".

وكان السلطان العثماني مراد الثالث أصدر سنة 1588 فرمانا يأمر الولاة والقضاة والحكام والأمراء من جميع أنحاء السلطنة بإباحة توريد وبيع الكتب المطبوعة بالعربية أو الفارسية.

ويذكر عبد الله حسين (الصحافة والصحف، مطبعة النصر، القاهرة 1948، صص187-188.)  أنّ المطبعة الأولى التي تستخدم الأحرف العربية ترجع إلى القرن الرابع عشر للميلاد، "وثمة من يزعم أنّ أول مطبعة عربية أسست في روما سنة 1514 وأنّ هذه المطبعة قد طبعت خلال القرن السادس عشر عددا من الكتب العلمية، إلى جانب الكتب المتعلقة بالديانة المسيحية. وكانت هذه الكتب ترسل إلى الأسواق الشرقية وتروّج فيها".

وذهب البعض إلى تفسر الموقف "الإسلامي" المحلّي من المطبعة، بأربعة عوامل وهي: رفض النقد- النفور من الثقافة والعلم- التقوقع على الذات- اللامبالاة والقصور لذاتي. وهي عوامل اعتبرها الباحث دوميرسمان (Les données de la controverse autour du problème de l’imprimerie, IBLA, n65, 1954) تفسيرات سطحية. فرغم تأخر دخول المطبعة إلى المملكة التونسية، فإنّها كانت تستورد الكتب المطبوعة من جميع البلدان الإسلامية مثل تركيا ومصر والهند وسوريا والعراق وحتى من مالطا، إضافة إلى المصاحف وكتب الحديث والفقه والفلسفة واللغة والعلوم الطبيعية والأدب والتاريخ والجغرافيا. ويصف الكاتب غياب المطبعة والقبول بالمطبوعات بكونه حالة اطمئنان "بالعيش ضمن رأسمال ثقافي واحد للإسلام العالمي، فلم تشعر تونس بالحاجة العاجلة لأن تكون لها مؤلفاتها المحلية أو لم تكن لها الوسائل". ويضاف إلى ذلك أنّ فكرة تأسيس المطابع في المملكة التونسية جاءت في مناخ سياسي صعب تمر به مع حضور القوى الغربية إيطاليا وإنقلترا وفرنسا، وهو ما خلق التردد وأثار المخاوف وعطّل ولادة المطبعة. وهو الرأي الذي يؤكّده محمد حمدان مشيرا إلى أنّ تونس بقيت حتى النصف الأول من القرن التاسع عشر تخضع لنظام منع إصدار الصحف وإنشاء المطابع. ويعود نظام منع إصدار الصحف إلى خشية البايات الحسينيين من استغلال الصحافة لإدخال تونس في نزاعات دولية مع القوى الأوروبية التي لم تعد تخفي مطامعها في تونس الاستعمارية(مدخل إلى تاريخ الصحافة في تونس، منشورات معهد الصحافة وعلوم الإخبار، ص22.).

 

صدور الرائد

وقد وقع حسم التردّد إزاء المطبعة، إذ أصبح يُنظر إليها باعتبارها عنوان التقدم الإنساني. ودخلت المطبعة رسميا إلى تونس ضمن عناوين الانخراط في "التمدّن". ويلخّص محمد بن الخوجة قصة دخول المطبعة كالآتي: "كانت الإيالة التونسية عند وفاة المشير أحمد باي متهيئة للسير في مسالك التمدن العصري الذي شاهد سموّ الباي محاسنه مباشرة أثناء رحلته لباريس في أواخر عام  1262 ه (1846 م) واقتبس من عناصره الأسس الأولى لنظام دواليب الدولة التونسية، فلما ارتقى بعده المشير الثاني محمد باي لكرسي الإمارة في طريق الرقي الكتابي بالإيالة حيث قرر في الأول اتخاذ مطبعة حجرية لتعميم أوامره ونواهيه استحضر آلاتها من باريس وفقا لما كان في عزم سلفه وعاقه حضور أجله عن إنجازه وأوّل ما طبع بهذه المطبعة الحجرية لائحة تراتيب داخلية ثم بدا له بعد حين التوسع في هذا المشروع فسعى لجلب أحرف معدنية مع الأجهزة التابعة لها من دار الطباعة بباريس، وفيما بين ذلك أدركه أجله المحتوم وصعد إثره الكرسي الحسيني أخوه المشير الثالث محمد الصادق باي فأحدث جريدة الرائد التونسي (جويلية 1860)"(مصدر مذكور سابقا).

وبعد "حدث" المطبعة، وضعت ثلاث قوى رئيسية، تتبادل أدوار النفوذ أحيانا، أسس ممارسة الرقابة في تونس على المجالات الثقافية والفكرية والعلمية والاتصالية. وهي سلطة الإيالة والإدارة الاستعمارية الفرنسية وفئة علماء الدين من مختلف مواقعهم الإدارية والسياسية والشعبية.

ومن الشواهد على أولى ممارسات الرقابة في المملكة التونسية، موقف السلطات من تغطية ثورة علي ابن غذاهم في الصحيفة التونسية الوحيدة آنذاك، فقد "واجه الجنرال حسين أكبر مشكلة تتعلق بتحرير الجريدة وتهمّ الرقابة عندما حدثت انتفاضة علي بن غذاهم عام 1964 وكان موقف الرائد حرجا بخصوص نشر أخبار هذه الانتفاضة أو عدم نشرها. وفضّلت عدم النشر ممّا جعل جريدة الجوائب التركية تتوجه بالنقد للجريدة التونسية"( أعلام الإعلام في تونس، مركز التوثيق القومي 1991، ص39.).

وكانت الرائد التونسي تضمّ في هيئة تسييرها مسؤولا عن الرقابة، وقد تولى هذه المهمّة سنة 1867 الشيخ محمد البشير بن الخوجة المدرّس بجامع الزيتونة الذي عُيّن لتبليغ ما ينشر في الرائد من الأمور الداخلية.

 

تقنين الرقابة

وقد دفعت السلطات الفرنسية بعد ثلاث سنوات من بسط هيمنتها على التراب التونسي، الباي إلى إصدار قانون مستنسخ من القانون الفرنسي يتعلق بالمطبوعات. فصدر في 16 أكتوبر 1884 "أمر علي في قانون المطابع والمكاتب"، كان صريحا في مقدمة شرح الأسباب إلى أنّه منقول عن قانون المطبوعات الفرنسي باعتباره "أكمل أمثاله وأحسنه وكان به أحكام وضعت لصيانة الراحة العمومية والآداب وعرض الملوك ورؤساء الدول الصديقة ونوابها، طلبنا إلى الدولة الفرنساوية العظمى حامية القطر وصديقته أن توافقنا على استعماله للمطبوعات في مملكتنا".

ومن بين التغييرات التي أجريت على القانون الأصل فصول في معاقبة أي نقد قد يعتبر "طعنا" في العائلة الحاكمة أو السلطات الاستعمارية. وورد في الفصل السادس من القانون المذكور: من طعن في حضرتنا أو في آل البيت الحسيني أو في الأديان الجائزة أو في الحقوق المقررة لدولة الجمهورية الفرنساوية في هذا القطر، وكان طعنه بإحدى الوسائل المعيّنة في الفصل 23 من القانون المؤرخ في 29 جويلية 1881، يعاقب بالسجن من 3 أشهر إلى سنتين وغرامة قدرها من 160 ريالا إلى خمسة آلاف ريال.

ويؤكّد محمد السنوسي (1851-1900) أنّه كانت هناك مساحة محدودة من الحرية الفكرية في عهد البايات، جاء الاستعمار الفرنسي ليمحوها ويكرّس ممارسات رقابية أشدّ وطأة. وحسب السنوسي فإنّ "الحرية الفكرية الضئيلة التي كان يتمتع بها أهل الفكر والقلم في عهد البايات أطفأتها الحماية إطفاء قاسيا حتى لكأنّ جذرها اللغويّ مات استعمالا، وكافيك دليلا أنّ جريدة "الرائد التونسي" في عهدها الأوّل كانت تتناول بالنقد بعض الأوامر المقدمة من الوزير الأكبر عبد العزيز بوعتور للباي الذي مكّن التونسيين من حق الاعتراض على ما يصدره من أوامر بآجال محدودة خاصة في القضايا الدينية حتى يمكن لحكومة الباي المراجعة والتنقيح. وبعد انتصاب الحماية بشهرين أبعد محمد السنوسي عن تحرير الرائد التونسي فمسخت مسخا وحذفت منها الفصول والمقالات وأبطلت المبادلات والمراسلات مع جرائد الشرق وأصبحت جريدة رسمية جامدة لا عمل لها إلاّ نشر الأوامر العلية وخدمة الاستعمار" (خلاصة النازلة التونسية، تحقيق محمد الصادق بسيّس، الدار التونسية للنشر 197، ص 46.).

وتحدث محمد الصالح المهيدي (، تاريخ الطباعة والنشر بتونس، المطبعة الرسمية 1965، ص 14.) عن كيفية بسط السلطات الاستعمارية لهيمنتها على حركة النشر والطباعة، عبر الاحتكار والمنع، "فقد كان جهاز النشر والطبع من أهمّ الأجهزة الحكومية التي تسلمتها الحكومة الفرنسية بالبلاد التونسية، فجعلت الرائد التونسي جريدة حكومية لا تنشر إلاّ ما يطابق حالة الطوارئ، ومنعت طبع الكتب العربية وعوّضت كل ما هو عربي بآخر فرنسيا، ولم تطبع من الكتب إلاّ ما له اتصال بفرنسا، وعزّزت السلطات الاستعمارية توجهاتها الرقابية على الكتب والصحافة والإنتاج الثقافي عامة بأن جعلت كل أجهزة النشر والطبع "تعمل عملا مكيفا ومسيّرا لفائدة العنصر المتفوّق بتونس. وحتى المطابع وما يجلب من المطبوعات من كتب وصحف وأفلام وأشرطة ومسجلات كلّها كانت تسير على نفس المنهاج"(المصدر السابق).

ووصف الشيخ محمد الخضر حسين هذا الوضع فكتب: "في تونس صحف عربية ولكنها لا تملك من الحرية ما تملكه صحف الجالية الفرنسية بتونس. وجاهر بذلك المسيو بادو وكيل الكاتب العام بقوله "إنّ الأهالي شديدو الحميّة والشكيمة ولو أطلق لهم عنان حرية الجرائد لثاروا وقاموا في وجه الحكومة الفرنسية"( تونس 67 عاما من الاحتلال الفرنساوي تقديم وتحقيق كمال العريف، منشورات الحرية، تونس 1989، ص103.).

مسار ومآلات

قسّم عديد الكتاب والباحثين تاريخ الصحافة التونسية منذ ظهورها، وفق الظروف التي عاشتها في مراحل من تاريخ تونس، ومن أبرز الكتابات في ذلك بحوث محمد الصالح المهيدي وعمر بن قفصبة ومصطفى حسن ومحمد حمدان. ويعد كتاب عمر بن قفصة " أضواء على الصحافة التونسية"، أهم مرجع اعتمده أغلب الباحثين، حيث قسّم تطور الصحافة التونسية منطلقا بنشأتها عندما ظهرت الصحافة العربية بتونس لأوّل مرة بصدور الرائد التونسي سنة 1860. ثم ظهرت الصحافة الحرة بظهور جريدة الحاضرة سنة 1888 وظهرت بعدها في نفس السنة جريدة القصباء ونتائج الأخبار 1889 والزهرة 1890 وكثرت الجرائد وراجت. فأصدرت الحكومة قانونا يحتم على كل جريدة تصدر دفع ضمان مالي ضيق الخناق على الصحافة العربية وتعطلت. وبذلك يختم الطور الثاني للصحافة العربية وتدخل في طورها الثالث الذي راجت فيه الصحافة العربية وتنوعت في بداية القرن العشرين ودام إلى 07 نوفمبر 1911 أي يوم اندلاع وقائع الزلاج. فتعطلت كل الصحف العربية باستثناء "الزهرة". ودام هذا الكبت إلى أواخر فيفري 1920 حيث رجعت الصحف العربية  إلى الظهور.

وبذلك دخلت الصحافة العربية في طورها الرابع وصارت بين مد وجزر إلى حوادث 1934 وإبعاد الشباب التونسي إلى برج البوف ورمادة في الجنوب التونسي. ثم انفرجت الأزمة وغيّرت فرنسا سياستها بتغيير مقيمها العام بيروطون 1936 وأخذت تظهر صحف جديدة وتحتجب إلى وقائع 9 أفريل 1938 وإعلان الحرب العالمية الثانية سنة 1939 واستمرارها وفرض الرقابة على الصحافة واحتلال المحور لتونس في نوفمبر 1942 إلى الاستقلال التام في مارس 1956.

خاتمة

مثّل صدور الرائد التونسي عنوانا للتمدّن لدى صاحب القرار في المملكة التونسية، وقد فتح وجودها الباب فيما بعد لنشأة الصحافة التونسية عنوانا للمقاومة الثقافية والسياسية وإبراز الذاتية التونسية في مواجهة الإلحاق الاستعماري وذلك ما كان له الأثر الكبير في مسار الصحافة التونسية طيلة أكثر من نصف قرن من الهيمنة الاستعمارية. لكنّ روح هذه الهيمنة ستمتد بعد ذلك في ممارسات الاستبداد في ظل الدولة الوطنية. وهو ما أشار إليه جمال الزرن، في أطروحته عن تاريخ النشر في تونس، متحدثا عن امتداد التأثير الاستعماري في قمع حرية التعبير إلى ما بعد إعلان الاستقلال: "فليس الغريب أن توجد الرقابة في بلد متخلف أو في طور النموّ، ولكن أليست هذه الممارسة مرتبطة تاريخيا بالإرث الاستعماري الذي لاحق الصحافة والمفكرين وأخضعهم للرقابة بشكل واسع في البلدان المستعمرة. إنّه من أجل السيطرة يجري اضطهاد العقول والأفكار الحرة".

(يمكن الاطلاع على كامل أرشيف الرائد التونسي (الرسمي) على بوابة دار الكتب الوطنية التونسية من سنة 1860 إلى سنة 1955، ويتوفر أرشيف الرائد الرسمي بداية من سنة 1956 على موقع المطبعة الرسمية)

لطفي حيدوري

في نفس السياق