ليبيا: قوات حفتر تخسر معاقلها وحكومة الوفاق ترفض الهدنة أو الحوار معه 

نشر من طرف لطفي حيدوري في الأربعاء 20 ماي 2020 - 13:51
اخر تاريخ تحديث الأربعاء 27 ماي 2020 - 22:19

يشهد الميدان العسكري في ليبيا تطورات متسارعة تعصف بحلم اللواء المتقاعد خليفة حفتر في حكم البلاد عسكريا وإنجاح حملتة العسكرية للسيطرة على العاصمة طرابلس مقر حكومة الوفاق الوطني المنبثقة من اتفاق سياسي بين الليبيين في ديسمبر 2015 التي نجحت قواتها في توسيع نفوذها عبر بسط السيطرة على عدد من المدن في الغرب الليبي وقاعدة الوطية الجوية إحدى ابرز القواعد الرئيسية في البلاد ما مثّل تغييرات جذرية في الصراع العسكري الذي بدأ منذ أفريل 2019.

فما هي مظاهر التحولات الحاصلة في الجانب العسكري؟ وكيف هي العلاقات الدولية في علاقة بما يحدث في ليبيا؟ وماهي الآثار السياسية الراهنة؟

فرار قوات حفتر من قاعدة الوطية

تمتد قاعدة الوطية الجوية العسكرية التي أنشأتها الولايات المتحدة سنة 1942 على مساحة أربعين كيلومترا مربعا، وهي تقع على الحدود التونسية تقريبا حيث تبعد عنها 25 كيلومترا بينما يفصلها عن طرابلس 140 كلم، وبإمكانها استيعاب 7000 عسكري، وتضم مهبطا للطائرات العسكرية فقط واستخدمتها قوات حفتر التي سيطرت عليها منذ 2014 (القوات الموجودة هناك أعلنت ولاءها لحفتر بعد انقلابه على المؤتمر الوطني المنتخب)  قاعدة هجمات جوية ونقطة إمداد رئيسية نحو العاصمة الليبية منذ أبريل 2019.

كانت القاعدة تؤرّق قوات حكومة الوفاق الوطني منذ ذلك التاريخ وحاولت أكثر من مرة إخراجها من الخدمة وكثفت منذ 25 مارس 2020 من هجماتها الجوية عليها بعد إعلان عملية عسكرية تحت اسم عاصفة السلام فكانت تقصفها يوميا تقريبا بسلاح الجو وحاولت مرتين التقدم نحوها وفشلت في السيطرة الكاملة عليها فحاصرتها من أربعة جهات إلى أن تمكنت في الثامن عشر من هذا الشهر من السيطرة الكاملة عليها بعد إجبار قوات حفتر على الانسحاب الكامل.

ولا يعتبر انهيار قاعدة الوطية الحدث الوحيد البارز فقد سبقه سيطرة كاملة في 14 أفريل الماضي على مدن صبراتة وصرمان والعجيلات الجميل ورقدالين والعسة وهي على طريق ساحلي يمتد من طرابلس حتى معبر رأس جدير الحدودي بينما أكملت يوم 19 ماي السيطرة على مدينتي تيجي وبدر المحاذيتين لتونس، لتصبح بذلك  المنطقة الغربية على الحدود التونسية بالكامل تحت إدارة عسكرية وسياسية لحكومة الوفاق الوطني.

الحكومة الليبية المنبثقة عن الاتفاق السياسي لوحت باستمرار الحرب على قوات حفتر في التخوم الجنوبية لطرابلس حتى إخراجها من الطوق الجنوبي للعاصمة الذي منه أذيق المدنيون ويلات طيلة شهر رمضان حيث قتل أكثر من خمسة وعشرين مدنيا بسبب القذائف التي تطلقها على الأحياء السكنية ومواقع مدنية من بينها مطار معيتيقة وميناء طرابلس البحري لكن التطورات العسكرية لا تخدم خطط اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

انسحاب قوات حفتر.. الأسباب والدلالات

تقول المعطيات العسكرية القادمة من ليبيا إن سلاح الجو بقوات الوفاق يسود سماء غرب ووسط ليبيا بالكامل حيث لم يعد لطيران حفتر أي نشاط إطلاقا منذ ثلاثة اشهر تقريبا بعد تركيب منظومات دفاع جوية متطورة في طرابلس ومصراتة (وسط) بينما غيّرت الاتفاقية العسكرية الموقعة بين الحكومة الليبية والحكومة التركية معادلات الجو. فالميدان أيضا بعد شراء الحكومة طائرات دون طيار تركية من نوع بيرقدار وأنكا (العنقاء) التي تستهدف خطوط إمداد حفتر من قواعده والمدن التي يسطر عليها في الشرق. وكانت آخر أهدافها منظومة الدفاع الجوي بانتسير اس 1 الروسية في قاعدة الوطية يوما فقط قبل سيطرة قوات الوفاق عليها، ثم استهدفت ذات المنظومة قرب سرت في 18 ماي بينما سبقها قطع خطوط الامداد الرئيسية بين ترهونة (80 كلم جنوب شرق طرابلس) وقوات حفتر في جنوب طرابلس ما جعلها في مرحلة دفاع وتراجع مستمر.

ويبدو أن حفتر فهم أن خسارة الوطية سيعقبها هجوم قوي من قوات الوفاق- التي تلوح بذلك وتحاصر المدينة من ثلاث جهات (شمالا وشرقا وجنوب شرق) -  على ترهونة التي تظم قوة عسكرية تسمى اللواء التاسع هي رأس الحربة في هجوم طرابلس، فعمد إلى سحب عدد من القوات من المحاور العسكرية جنوب طرابلس (25 محورا) وعاد بعضها لحماية المدينة، وفق مصادر عسكرية ميدانية، بينما ستعيد قواته الانتشار جنوب طرابلس  وتقليص عدد الجبهات المفتوحة، وفق ما قاله المتحدث باسمه أحمد المسماري.

وهو تكتيك لجمع اكبر عدد من الأفراد والعتاد في أقل نقاط مواجهة للتمكن من الحفاظ على التمركزات وتجنب السيناريو الأسوأ للواء المتقاعد وداعميه الدوليين، وهو المحاصرة الكاملة إذا ما بسطت قوات الوفاق السيطرة على ترهونة.

دعم مصر والإمارات وروسيا

 خطة حفتر العسكرية الحالية بسحب جزء من قواته مهدت لطلب دولي للهدنة من الدول الداعمة له.

روسيا كانت أول دولة طلبت رسميا هدنة في اتصال هاتفي بين الرئيس فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان. لكن الدعوة لم تلق بالا، على ما يبدو عند أردوغان ولا حليفته حكومة الوفاق، رغم أنهما توصلا سابقا في 12 جانفي لهدنة تتبادل حكومة الوفاق وحفتر التهم بخرقها وهو ما يدفع الحكومة لرفض أي هدنة جديدة حسب ما تقول.

ولم تنتظر دولة الإمارات العربية المتحدة اكثر من 24 ساعة بعد هذه التطورات المتسارعة حتى خرج وزير الدولة لشؤون خارجيتها أنور قرقاش يدعو لهدنة بينما طالب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي هو الآخر بوقف إطلاق النار خلال اجتماع  مجموعة الاتصال الإفريقية حول ليبيا على مستوى رؤساء الدول والحكومات عبر تقنية الفيديو كونفرانس.

قوات حفتر ولإبداء مرونة أكبر وإعطاء مقبولية لهذه الدعوات دوليا بعد سلسلة الهزائم العسكرية أعلنت أيضا فض الاشتباك مع قوات الوفاق في المحاور الجنوبية لطرابلس  والتراجع 3 كيلومترات عن مواقعها السابقة وأقرّت هدنة من جانب واحد.

رفض الهدنة أو الحوار مستقبلا مع حفتر

بعد يوم فقط من المستجدات العسكرية المتسارعة في الجارة ليبيا عقد مجلس الأمن الدولي جلسة خاصة عبر تقنية الفيديو كانت ساحة لتلاسن بريطاني وأمريكي من جهة وروسيي من جهة أخرى حيث اتهم مبعوثا البلدين روسيا بتجنيد عناصر فاغنر مع حفتر لخدمة مصالحها في ليبيا وهو ما نفاه مبعوث روسيا كليا .

ووجه مندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة الطاهر السني في الجلسة، جملة من الاتهامات لدولة الإمارات حيث كشف عند تجميع حكومة الوفاق لمعطيات وأدلة دامغة عن تورط الإمارات في دعم حفتر بأسلحة ومعدات ومقاتلين، بينما عبر عن رفض الحكومة كل دعوات الهدنة كاشفا أن قوات الوفاق ستواصل دفاعها عن الشرعية المنبثقة من الاتفاق السياسي وورفض أي حوار مستقبلي مع حفتر قائلا إن على الليبيين جميعا، شرقا وغربا التفكير في مرحلة ما بعد حفتر ثم الذهاب للمصالحة والحوار السياسي.

وفي ظل هذه المعطيات العسكرية والسياسية يمكن القول إن الحرب الدائرة في ليبيا أخذت بعدا دوليا وإقليميا صعّد التوتر في هذا البلد المهم استراتيجيا على حوض المتوسط والغني بالنفط. لكن الأكيد أن الحرب وأهوالها تؤثر بشكل كبير في السكان بعد مقتل وجرح قرابة 200 مدني هذا العام، بينما ينزح أكثر من 250 ألف شخص وفق تقارير حكومية وأممية متطابقة، ليكون الشعب الليبي هو الخاسر الأكبر في حرب بدأها حفتر وتسير عكس خطط وتصوراته وتداخلت فيها قوى إقليمية ودولية .

كريم البوعلي صحفي مهتم بالشأن الليبي

في نفس السياق