مقاومة الأخبار الزائفة والتضليل في تونس: بين تدريب الصحافيين وحماية الجمهور (1-3)

تنفتح مسألة مقاومة التضليل والأخبار الزائفة على عدة مقاربات متشعبة ما يحفّز على دراسة الموضوع في مختلف أبعاده. وفي الآونة الأخيرة بات دور وسائل الإعلام بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي، في  تناول القضايا العامة والتأثير وصناعة الرأي العام المشكل الأبرز والأساسي في بحوث الإعلام والاتصال، نظرا إلى "الفعل الاجتماعي"، في معنى الذي حدَّده ماكس فيبر، ظلَّ محكومًا بالوظائف التواصلية التي تتيحها شبكات التواصل الاجتماعي.

"ولعل أهم أسلوب تعتمده هذه الوسائل الإعلامية في تأثيرها على الجمهور هو آليات التضليل المتنوعة باعتبارها الأداة الأساسية للهيمنة الاجتماعية." (1) وتهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على مشكل الأخبار الزائفة والتضليل في تونس وماله من تداعيات على الجمهور التونسي من تهديد لسلمهم المجتمعي بإثارة الفوضى والفتن داخله. وتدعو الدراسة إلى تغيير نمط التفكير حيال مشكل مقاومة التضليل وتفشي الأخبار الزائفة، عن طريق تصور جديد يتجاوز الحل التقليدي المتمثل في اللجوء إلى آليات التعديل من طرف الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري ونقابة الصحفيين وما تقوم به كلتا المؤسستين من دورات تدريبية للصحفيين حول مقاومة  هذا المشكل والآليات التعديلية، دون جدوى، وهو تصور يقوم على جعل الجمهور نفسه المقاوم  والمراقب لأساليب التضليل وانتشار الأخبار الزائفة.

وقد اعتمد البحث المنهج النوعي من خلال توجيه استبيان نوعي لفئة من الجمهور التونسي المتابع للوسائل الإعلامية في البلاد وتحليل نتائجه.

وخلصت نتائج الدراسة إلى أن مشكل التضليل والأخبار الزائفة من القضايا المطروحة والمهمة لدى الجمهور التونسي والى أن الحل في مواجهته يكمن لدى الطرف الأساسي في عملية الاتصال وهو المتلقي أو الجمهور.

 

الإشكالية

شهدت مرحلة ما بعد الثورة التونسية تغيرات عديدة على مختلف المستويات سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. وطرأت تحولات سياسية جذرية فقد انتقلت تونس من نظام سياسي استبدادي إلى نظام  ديمقراطي مبدأ اختلاف الرأي. وضمن هذه المرحلة الانتقالية عاش مجال الإعلام والاتصال التونسي تحولات جديدة كإرساء قواعد وقوانين بهدف تنظيم وضبط القطاع لما تضطلع به وسائل الإعلام من دور رئيسي في المجتمع وبشكل خاص في الأنظمة الديمقراطية، فالجمهور يستخدم هذه الوسائل لمعرفة وفهم ما يدور في العالم من أحداث. فقد انتقل الإعلام التونسي من إعلام "مكمم" على حد قول العربي شويخة -إلى مرحلة جديدة غير مسبوقة لحرية التعبير-أو بما يسمى "دولنة" الإعلام، أي أن الدولة هي وصية على القطاع ومهيمنة عليه كليا.(كتابه وسائل الإعلام في تونس التحول الصعب من الاستقلال الى انتخابات 2014).

وعليه فإن الإعلام التونسي عاش مسارا انتقاليا من الدولة الوصية إلى مرحلة الإعلام التعددي والحر. حيث شهدت تونس طفرة إعلامية نوعية، فتعددت وسائل الإعلام المكتوبة والسمعية والبصرية، فنشأت قنوات تلفزيونية جديدة خاصة وإذاعات ومجلات وجرائد ومواقع الكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي بشكل لافت. وهذه المرحلة توفر فيها مناخ ملائم للحريات والسياسات، حيث صعدت قوى جديدة أرادت التلاعب بالرأي العام باعتماد تقنيات وآليات التضليل وهو ما يتم فعله في مثل هذه المراحل الحساسة وأوقات الأزمة. "ومهما كان المصدر فان وسائل الإعلام هي القناة الطبيعية والمفضلة لتمرير التضليل الإعلامي" (2).

وفي تونس تم طرح مشكل الأخبار الزائفة والتضليل من زاوية أخلاقيات المهنة كما جاء في التقرير السنوي "للهايكا" 2019 بعد الانتخابات، وكان خيار الهيئة التوجه إلى حماية الصحفيين بتقديم الدورات المكثفة حول كيفية التصدي ومقاومة الأخبار الزائفة والمضللة.

وقد اقتصرت المعالجة التونسية على جانبين اثنين فقط دون التوجه إلى صلب المشكل، وهو وقوع المتلقي أي الجمهور في مكائد التضليل والأخبار الزائفة ما جعل المعالجة التونسية أو التعديل والتعديل الذاتي للمشكل تبث رسالة مسلمة مفادها الإعلامي أو الصحفي هو المحور الذي يجب التركيز عليه لحل المشكل، في حين أن هذا الطرف في عملية الاتصال يعمل ضمن مؤسسة يضبطها خط تحريري معين ولا يمكنه الانفصال عنها. وهو ما جعل آليات التعديل والتعديل الذاتي تتعامل بشكل سلبي مع الجمهور وتنساق ضمن اعتقاد بأنّ الجمهور غبي، على حد ما قاله الكاتب هربرت شيللر في كتابه المتلاعبون بالعقول. وبالتالي يكون واضعو هذه الآليات التعديلية أوصياء على الجمهور وهم فقط القادرون على حمايته عن طريق القرارات والتقارير.

والحقل الاستفهامي الذي يشكل مدار إشكالية دراستنا هو هل أن مقاومة الأخبار الزائفة والتضليل تستوجب تعزيز قدرة الصحفيين أم إنشاء آلية لحماية الجمهور؟

فكيف طرح مشكل  مقاومة الأخبار الزائفة والتضليل في تونس؟

وهل تقتصر مقاومة الأخبار الزائفة والتضليل على آلية التعديل والتعديل الذاتي أم تتجاوزها؟

 

دوافع اختيار الموضوع

دوافع ذاتية:

باعتباري مواطنة، يهمّني أن أحمي نفسي وعائلتي ومجتمعي من مخاطر التضليل والأخبار الزائفة لما لها من تداعيات على السلم المجتمعي، إلى جانب أنني سأمتهن الصحافة مستقبلا، يهمني أن أعمل في بيئة تحترم أخلاقيات المهنة ويقوم هدفها تقديم معلومة وخبر بشكل حرفي ضامن لمبدأ الشفافية والمصداقية للمتلقي بما هو الجمهور.

دوافع موضوعية:

يندرج موضوع البحث ضمن قضايا المشهد الإعلامي الراهن في تونس وفي العالم، وقد أثار جدلا واسعا لدى الصحفيين ومختصي مجال الإعلام والاتصال، باعتباره نقطة فاصلة وهامة في المجال، إضافة إلى أن مشكلة الأخبار الزائفة والتضليل متواصلة إلى حد هذه الساعة بل وبشكل مهول وفظيع يكون ضحيتها الجمهور. إلى جانب أن موضوع مقاومة الأخبار الزائفة والتضليل طرح في العديد من المناسبات من طرف الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري  ونقابة الصحفيين التونسيين وقد تم طرح مجلس الصحافة لحماية الجمهور وسعيا لمقاومة الأخبار الزائفة والتضليل لكن لم يتم مواصلة العمل عليه ،ففي سنة  2019 تم وضع برنامج يتمثل في إنشاء موقع لمقاومة الأخبار الزائفة والتضليل وتم بالفعل تدريب الصحفيين لكن لم تفعيله. وعلى حد ما جاء في تقرير سنة 2020 لنقابة الصحفيين التونسيين حول الحريات الصحفية "الأخبار الزائفة مصطنعة وهدفها التلاعب بالجمهور وإيقاعه في التضليل، ومعالجتها تقتضي إجراء دراسات معمقة حول الظاهرة ضمن خصوصيات الواقع التونسي يقوم بها خبراء ومختصون في مجال الإعلام"، وبهذا يندرج موضوع البحث كمساهمة مني لتسليط الضوء والبحث في مسألة جد مهمة في مجال الإعلام  والاتصال.

        

فرضية البحث

لم تتمكن الآليات المعتمدة في تونس في مقاومة الأخبار الزائفة  والتضليل وتحقيق النتائج المنتظرة بسبب قصور في الآلية أو في طريقة تطبيقها أو بسبب إهمال الطرف الأساسي في العملية الاتصالية الإعلامية، وهو الجمهور، ما يجعل الوجهة الأنسب في معالجة المشكل هو ضرورة وضع الجمهور في المركز. وهذا ما ستحاول الدراسة إثباته أو دحضه من خلال تحليل آراء فئة من الجمهور التونسي.

 

الأدبيات المتعلقة بموضوع البحث

كتب الباحث عبد الله الزين الحيدري عن موضوع الأخبار الزائفة والتضليل وتطرق إلى أفكار أهمها التغيير الذي حدث في الخارطة  الابستيمولوجية  للمجال العمومي الميدياتيكي أدى الى ظهور موجة مختلفة من التفكير المبني حول دور شبكات التواصل الاجتماعي "الفعال" في صناعة وتوجيه الرأي العام(3)، وعدم التسليم بصحة قوة تأثير هذه الوسائل لأنه وفق دراسته يعتبر أن الأحداث ليست من صنع تكنولوجيا الإعلام والاتصال، بقدر ما هي نتيجة لنسيج ثنائي معقد لتفاعلات إنسانية تقنية.

واعتمد الحيدري مقاربة زمنية اصطلح عليها "التناهجية"، ضمن معادلة رياضية  تساعد على فك الألغاز اللسانية والفيزيائية، معتبرا أن لعبة التواصل بتقنيات التواصل التكنولوجي  لعبة الزمن الجديد.

وأهم نتائج هذه الدراسة تمحورت في كشف (النسيج المعقد للتفاعلات الإنسانية التقنية أو كما أطلق عليها Humano-technical.

لكنّ هذا البحث حصر مصدر التضليل والأخبار الزائفة في زاوية الميديا الاجتماعية الجديدة دون غيرها، كما يعاب على منهجية بحثه أنه اعتمد كمراجع علمية دراساته السابقة وتم دحض جميع دراسات المجال الإعلامي والاتصالي القائمة على الوصف ودراسة الجمهور التي تسكنها استنتاجات منمذجة وأرقام باهتة، على حد قوله، واعتبارها دراسات لا تقدم إضافة للعلم. وفي لسان العرب لابن منظور ورد في مادة (ضلل) "التضليل تصيير الإنسان إلى الضلال، والتضلالُ كالتضليل. ووقع فلان في وادي تُضُلِّلَ وتُضَلِّلَ أي الباطل. ويقال للباطل: ضُلٌّ  بتَضْلال... ومُضلَّلٌ: لا يُوفّق لخير أي ضالّ جدّا".

وقد صاغ  الكاتب الفرنسي فرانسوا جيري بخصوص هذا المصطلح مفهوما فلسفيا معتبرا أنّ الإعلام والإخبار في أحد وجوهه "هو تنزيل جمالية المفكر في عالم الفوضى والجهل والظلام. أمّا التضليل هو توجيه العقل البشري إلى عهود سابقة وإلى تشوّه بدائي من أجل إحياء حالة التنافر في العالم". "وفي كتابه "معجم التضليل الإعلامي" خلص فرانسوا جيري إلى تعريف جامع لمصطلح التضليل الإعلامي، فهو "مؤسسة جماعية لصياغة رسالة مفتعلة وتركيبها ونشرها، والهدف الرئيس من ذلك هو خداع المتقبل المستهدف من أجل تحقيق مكسب من الاستخدام الخاطئ الذي من المتوقع أن يقوم به".

أما الباحث بومعيزة السعيد في دراسته حول التضليل الإعلامي وأفول السلطة الرابعة، فقد تطرق إلى فكرة أن حدة التضليل الإعلامي تشتد في حالات معينة، منها الأزمات والحروب وفترات الانتقال الديمقراطي، كما عدد بومعيزة تقنيات التضليل الإعلامي مع تقديم تفسير لكيفية استخدامها وتوظيفها.

وخلصت دراسته إلى أن وسائل الإعلام هي أداة للتضليل الإعلامي وأن دور المؤسسات الإعلامية بات سلبيا تجاه مقاومة التضليل وذلك بخضوعها الى قوى الضغط والسياسة وبالتالي فقدانها لشرعيتها من كونها لا تستطيع مقاومة وتصدي سلطة المال والأعمال بل العكس تماما.

وما يعاب في هذه النتائج، حسمه بأن وسائل الإعلام هي أداة للتضليل وفقدانها لدورها الطبيعي في نشر الحقيقة بل وسلطتها المسماة بالسلطة الرابعة واعتبار هذه النتيجة مسلمة يجب الوعي بها. كما أن هذا الباحث اقترح حلا لمقاومة التضليل يتمثل في إدماج دراسة الإعلام للسنوات الابتدائية وإدماج هذه المعرفة في البرامج الدراسية. وكباحثة في نفس الموضوع أرى أن هذا الحل لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع فمجال التعليم خاضع لسلطة ما ووزارة معينة تحكمه وتضبطه وفق معاييرها الخاصة، ما يعني أنه يمكن أن تبث برامج  دراسية غير صادقة مائة بالمائة وربما تخدم فئة معينة أو بعبارة أخرى سلطة ما، كما أن ضمان تحصيل هذه المعرفة تستوجب تدريسها من أهل الاختصاص.

وفي دراسة حول نفس الموضوع للباحثة ثريا السنوسي، تطرقت إلى أفكار أهمها القصور الفعلي في المواثيق الأخلاقية المنظمة لمهنة الصحافة (4) وقد اعتمدت تقنية تحليل المضمون بتحليلها 63 ميثاقا أخلاقيا والمقابلة بمقابلة عدد من الصحفيين وطرح أسئلة حول أسباب الوقوع في خطأ وتجاوزات لمهنة الصحافة. لكن لم تبين الباحثة الأسباب الكامنة وراء هذه التجاوزات وتناميها، واقتصرت فقط على نقل ما وجدته من إجابات سطحية من طرف الصحفيين وتحليل مضمون 63 ميثاقا، دون التركيز على الطرف الأساسي والمحوري في عملية الاتصال وهو الجمهور أو المتلقي ودوره في المراقبة. وهذا ما يدفعني إلى ضرورة التركيز على الجمهور ومعرفة آرائه باعتباره طرفا أساسيا في عملية الاتصال الإعلامي خاصة حول مشكل التضليل والأخبار الزائفة.

 

آيــة سليمي

طالبة ماجستير بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار، جامعة منوبة، تونس.

 

الهوامش

1- أ. شيللر (هربرت)، المتلاعبون بالعقول، ترجمة عبد السلام رضوان، سلسلة عالم المعرفة، العدد 106، مارس 1999.

2-  بومعيزة السعيد، دراسة التضليل الإعلامي وأفول السلطة الرابعة، كلية العلوم السياسية والإعلام جامعة الجزائر 2016

3- عبد الله الزين الحيدري، دراسة الميديا الاجتماعية المصانع الجديدة للرأي العام،  جامعة قطر، 2017.

4- ثريّا السنوسي، أخلاقيات الصحافة في المشهد الإعلامي السمعي المرئي الخاص في تونس، كتاب أخلاقيات الممارسة الصحفية في عالم عربي متحوّل (جماعي)، نشر معهد الصحافة وعلوم الإخبار، تونس 2009.

في نفس السياق