وجيه الوافي وعبد اللطيف العلوي على قناة الإنسان.. المناظرة بديلا عن "المقاطعة"

نشر من طرف لطفي حيدوري في الخميس 15 أكتوبر 2020 - 19:35
اخر تاريخ تحديث الخميس 22 أكتوبر 2020 - 16:05

استضافت قناة "الإنسان" التونسية الخاصة، يوم أمس الأربعاء 14 أكتوبر 2020، في برنامج حواري النائب عن ائتلاف الكرامة عبد اللطيف العلوي، ووجيه الوافي، عضو المكتب التنفيذي لنقابة الصحافيين التونسيين.

وتناول الحوار ملفي تنقيح المرسوم عدد 116 المتعلق بالإعلام السمعي البصري الذي اقترحته كتلة ائتلاف الكرامة، ودعوة النقابة إلى مقاطعة الائتلاف.

وجاء هذا اللقاء الإعلامي بين الشخصيتين بعد 3 أيام من دعوة النقابة مختلف وسائل الإعلام إلى "مقاطعة ائتلاف الكرامة". وأكّدت النقابة أنّها "رصدت منذ انطلاق الدورة البرلمانية الحالية تواترا لعمليات التحريض والسب والشتم في حق الصحفيين من قبل نواب كتلة ائتلاف الكرامة، بعيدا عن كل حوار عقلاني وبناء يحترم حرية التعبير والحق في الاختلاف".

وكان سيف الدين مخلوف، رئيس كتلة ائتلاف الكرامة، دوّن على صفحته بموقع فايسبوك، تعليقا على قرار المحكمة الابتدائية بسيدي بوزيد تبرئة مدير المدرسة القرآنية بالرقاب من تهمة "الاتجار بالبشر" والإفراج عنه، وتبرئته أيضا من تهمة الإرهاب: "الحمد لله والخزي والعار للذين فبركوا الموضوع شماتة في حفظة القرآن". وأضاف متحدثا عن منشط البرنامج الذي أثار ملف "مدرسة الرقاب"، حمزة البلومي: "كيف ينام الليل من تسبب هو وعصابته في اندلاع حرب على تدريس القرآن الكريم بكذبه وافترائه على حملة كتاب الله".

لم يحصل خلاف كبير بين المتناظرين حول أزمة استمرار الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهايكا) وضرورة إصلاح الوضعية بالمصادقة على مشروع القانون المتعلق بها وبانتخاب أعضائها لتركيز هيئة جديدة دستورية، بدل الهيئة الحالية المنتهية عهدتها منذ حوالي سنتين.

واعتبر وجيه الوافي أنّه من الضروري إتمام هذا المسار مقرّا بالحاجة إلى إصلاح "الهايكا العرجاء"، ولكن دون حلول جزئية، ودون "حلول مؤقتة"، وحمّل المسؤولية لنواب مجلس نواب الشعب الذين كان أحرى بهم تقديم حل جذري لملف هيئة الاتصال السمعي البصري. ووصف مقترح التنقيح الذي قدمه ائتلاف الكرامة بأنّه "لم يكن مدروسا بالشكل الكافي مهنيا وقانونيا".

وردّ عبد اللطيف العلوي بأنّ تركيز الهيئة المقبلة سيستغرق مدة قد تصل 3 سنوات، حتى إن وقعت المصادقة على القانون المنظم لها، وذلك بسبب الصعوبات التي تعترض انتخاب أعضاء الهيئات الدستورية في مجلس نواب الشعب، مصلما هو الحال مع المحكمة الدستورية. ولذلك تقترح الكتلة الشروع في الإصلاح الجزئي فورا عبر المقترح الذي قدمته، على أن تطبقه الهيئة الحالية.

وقد استمر النقاش في هذا الموضوع، واستعرض كل طرف وجهة نظره بالشكل المناسب وحاولا تبديد ما قد يكون سوء فهم لدى الطرف الآخر.

ولئن احتدم النقاش في الموضوع المتعلق بقرار المقاطعة الإعلامية لائتلاف الكرامة، فإنّه ارتقى بالحوار من الاستقطاب الثنائي بين النقابة والائتلاف، إلى ما يراه كل طرف دفاعا عن قيم.

ونأى وجيه الوافي بنفسه وبنقابة الصحافيين عن الصراعات السياسية، بل حاجج العلوي بأنّ بين أعضاء كتلته من كان ضحية التحريض الوارد ضمن ما يعتبره العلوي "تعبيرا عن الرأي العام"، وهو ما يجعل موقف النقابة مشروعا للدفاع عن منظوريا من آثار التحريض من مؤثرين في "الرأي العام".

ومن المرجح أنّ حضور وجيه الوافي في هذا البرنامج التلفزي كان بموافقة زملائه في المكتب التنفيذي للنقابة، رغم أنّه حضور يعتبر مساهمة في كسر المقاطعة "الإعلامية"، وهذا يدل على أنّ النقابة اختارت المواجهة والدفاع عن موقفها، عبر المناظرة، لا عبر الهروب من "الخصم" بما قد يعتبر خيار ضعيف الحجة والعاجز عن المواجهة الفكرية.

وقد تمايزت بهذا الخيار، النقابةُ الوطنية للصحافيين عن الجامعة العامة للإعلام التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل، التي اختار مسيّروها الدعوة إلى المقاطعة مصحوبة بخطاب كراهية تدّعي رفضه، وكذلك بخطاب تهديد للإعلاميين الذين قد لا يلتزمون بالمقاطعة. وقد وردت في بيان نقابي عبارات غريبة مثل "ائتلاف الشر"، و"ما يسمى ائتلاف الخونة والمرتزقة".

ولا شكّ أنّ قرار المقاطعة لم يكن مدروسا مهنيا وقانونيا بالشكل المناسب، منذ صدوره عن مرصد الانتهاكات التابع للنقابة، إذ لم تستند الدعوة إلى المقاطعة إلى توجيهات وقواعد مهنية وأخلاقية واضحة. فهذا الطرف السياسي والبرلماني فارض لحضوره اليومي في التغطيات الإعلامية، والدليل على ذلك أنّ وسائل الإعلام لم تكف عن التعرض له، إثر قرار المقاطعة، وهو ما كان في كثير من الأحيان يستوجب "حق الردّ" الذي، إن وقع تنفيذه سيفرض كسر المقاطعة بقوة القانون.

وقد أدّى قرار المقاطعة "المفروض" إلى تسجيل انتهاكات لأخلاقيات العمل الصحفي في حق الائتلاف، بل استغل بعض المنشطين والمحللين القارين القرار للتهجم على الائتلاف بالاتهامات والتشويه، دون ردّ.

وقرار المقاطعة نفسه مخالف القانون، لما يفرضه من رقابة مسبقة وقيود على عمل الصحفي وحرية التعبير. وتتعدد المخالفات بهذا القرار لعدة فصول من المرسوم 115 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر، مثل الفصل 9 ، الذي ينص على أنّه "يمنع فرض أي قيود تعوق حرّية تداول المعلومات أو تحول دون تكافؤ الفرص بين مختلف مؤسّسات الإعلام في الحصول على المعلومات أو يكون من شأنها تعطيل حق المواطن في إعلام حرّ وتعدّدي وشفاف".

والفصل 13 "لا تجوز مساءلة أي صحفي على رأي أو أفكار أو معلومات ينشرها طبقا لأعراف وأخلاقيات المهنة كما لا تجوز مساءلته بسبب عمله إلا إذا ثبت إخلاله بالأحكام الواردة بهذا المرسوم". وورد في الفصل 39 "يحق لكل شخص أن يطلب تصحيح كل مقال وردت فيه معلومات خاطئة، بشرط أن تكون له مصلحة مباشرة ومشروعة في تصحيحها، على أن لا يتجاوز نص التصحيح حجم المقال موضوع التصحيح". ونصّ الفصل 40 على أنّه "يحق لكل شخص وقع التعرض إليه بصفة صريحة أو ضمنية بشكل يؤدي إلى إلحاق ضرر بحقوقه الشخصية أن يمارس حق الرد".

وورد في الفصل 5 من المرسوم 116 المتعلق بالاتصال السمعي البصري أنّ حرية الاتصال السمعي والبصري وحق المواطن في النفاذ إلى المعلومة وفي الاتصال السمعي والبصري، يمارس على أساس احترام المعاهدات والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات العامة، وحرية التعبير، والمساواة، والتعددية في التعبير عن الأفكار والآراء، والموضوعية والشفافية.

وقد خلت الدعوة إلى "مقاطعة ائتلاف الكرامة"، هكذا في المطلق، من دعوة الصحافيين إلى ضرورة الالتزام عند التقيد بهذا القرار النقابي، بقواعد التغطية المتوازنة وبأخلاقيات المهنة وتجنّب ما من شأنه أن يؤدّي إلى الامتثال إلى حق الردّ، وغير ذلك من التوصيات المهنية، التي تؤكّد أنّ قرار المقاطعة هو دفاع مشروع وفي إطار القانون، لا ردّة فعل انتقامية.

وكان من الضروري أيضا، على النقابة، حرصا على التوازن في الموقف، أن توضح أنّ الإخلالات المهنية وحتى الأخطاء الفادحة، في بعض أعمال الصحافيين، لا تبرّر الخطاب العنيف الموجّه ضدّهم، والذي تتضمّنه فعلا تصريحات عدد من أعضاء ائتلاف الكرامة. كان ذلك واجبا مثلما حرص بيان لجنة أخلاقيات المهنة بالنقابة حول خطاب الكراهية الصادر عن المذيعة بثينة قويعة تعليقا على وفاة الناشطة حليمة معالج، على التذكير بأنّ خرق أخلاقيات المهنة الصادر عن هذه الإعلامية لا يبرر خطاب التحريض عليها.

وأدّى التسرّع في اتخاذ القرار النقابي، إلى الحكم عليه، خاصة من أنصار الائتلاف، بأنّه خيار بعدم المواجهة الفكرية والإعلامية، وكأنّه إقرار بأنّ الظهور الإعلامي لممثلي الائتلاف يحقق كسبا جماهيريا متراكما يجب التصدّي له، خاصة في هذه المرحلة التي تسبق الجلسة العامة بمجلس نواب الشعب المخصصة للمصادقة على مشروع تنقيح المرسوم 116.

ولهذا يأتي خيار المواجهة الفكرية والإعلامية الذي اختاره المكتب التنفيذي للنقابة بمناظرة وجيه الوافي للنائب عبد اللطيف العلوي، خيارا صائبا، لا يلغي خيارا آخر سليما، وهو الدعوة إلى المساءلة القانونية لكلّ من صدر عنه من قد يفهم منه أنّه تحريض يعرّض سلامة إعلاميين للخطر، وهو ما تضمنه بيان النقابة الوطنية للصحافيين.

لطفي حيدوري

في نفس السياق