تجربة الفنان الزين الحرباوي.. استمتاع بالأضواء واستلهام المعيش اليومي برؤية بصرية متجددة

نشر من طرف الشاهد في الإثنين 6 ديسمبر 2021 - 21:15
اخر تاريخ تحديث الجمعة 12 أوت 2022 - 03:12

افتتح الفنان التشكيلي، العصامي التكوين  الزين الحرباوي معرضه الشخصي برواق "صديقة" بقمرت، والذي يتواصل إلى غاية 2 جانفي 2022.

وقد حضر حفل التدشين جمع من اصدقاء الفنان وأحبّاء الأروقة ومنهم الكاتب والإعلامي المنصف بن مراد والفنان نجا المهداوي، والتشكيلي علي الزنايدي الذي تربطه بالفنان المحتفى بأعماله علاقة حب وصداقة تتحاوز اللوحة وتداعياتها الجمالية. وكانت صديقة كمون، صاحبة فضاء العرض قد نوهت بالتحولات الجمالية والتشكيلية لهذا الفنان عاشق الأضواء، وهو الذي يرى أن الضوء هو الملهم الأول في تحاربه التي تمتد أكثر من ربع قرن .

ظلال وأضواء

في فضاء "صديقة" أحكم الحرباوي ومساعديه تعليق اللوحات وتوزيعها على فضاء المعرض، وتتجاوز في عددها ثلاثين لوحة، استغل فيها شغفه بالضوء والظلال. كما اكد ذلك، في تصريح لأخبار الجمهورية. وأضاف أن الطبيعة في تونس "قد غمرتنا كفنانين لنا رؤية للكون والإنسان والحياة، غمرتنا الطبيعة بالأضواء والأنوار كما غمرت فنانين عالميين جاؤوا إلى تونس وانبهروا بإشعاعاتها الضوئية الساحرة والباعثة على التأمل وتعدد المقاربات الفنية والجمالية"  .

يقول الفنان الزين الحرباوي عن هذه الفتنة بالضوء في تونس "إن الخلق والإبداع على مساحة اللوحة ناجح بالأساس من طبيعة الإضواء وهو عطاء طبيعي قد يستفيد منه البعض ويهمل البعض الآخر من الفنانين ذلك، وأنا وقعت تحت سحر الضوء في تونس من شمالها إلى جنوبها، وكانت لي زيارات وسفرات على دروب البلاد وفي كل مرة اكتشف جوانب أخرى من فتنة الضوء. وهذا ما ينعكس على الألوان المستغلة والموظفة في اللوحات".

وأضاف الحرباوي أنه لا يتصور نفسه رساما لألوان داكنة، مثلما هو الحال مع رسامي مدن الضباب في لندن أو باريس أو موسكو .

خروج من دائرة التلقائية

هذا التعدد في المقاربات الفنية والضوئية وحسن استغلالها على مساحة اللوحة مهما كان حجمها، ميّز تعامل الفنان العصامي الزين الحرباوي، وهو الذي خرج في هذا المعرض مثل معارضه التشكيلية الأخيرة من "دائرة التلقائية والسذاجة"، إلى أفق فني أرحب ليحقق " الأصالة المطلوبة" في اللوحة مراوحا بين حسن توظيف الألوان الباردة والأخرى الساخنة في آن، مُغدقا فيضا من السخاء في العناية بتفاصيل الحياة اليومية، وهو العاشق للتجوال والرحيل بين أنهج العاصمة، بين فضاءات شارع الحبيب بورقيبة منطلقا منها ليفكر في لوحاته المخضبة بالألوان الصاخبة والفاتنة والمتعطشة للحياة. ويبعث الفنان الزين الحرباوي الحياة في تفاصيل الألوان والظّلال وتتعدد الأبعاد في رؤية وقراءة لوحات هذا الفنان .

ولم يقف الفنان الزين الحرباوي عند تفاصيل الألوان الباردة والساخنة حيث يقذف بها وبحكمة على مساحة اللوحة بل يعمدها بالوان خام ليشكل بعدها شخوص من الحياة اليومية في المقهى والحانة والحقل والشوارع والازقة يحمله الحنين الى "قعفور " مثل موطنه الاخر بين القلعة الكبرى وسوسة، وللأماكن سحرها وحبها وعشقها عند الفنان الحرباوي ،مثل سحر الوجوه التي رسمها في "بورتريه" متعدد الألوان وموحد الرؤية الفنية، حيث يستبطن الباحث في الألوان والأضواء، الوجوه ليستبطن روحها ويتجاوز العابر فيها إلى المتأصل في كيانها.. الطبيعة في لوحات الزين الحرباوي لم تكن ميتة في هذا المعرض بل هي حيّة نابضة بالمعاني.

عزف على ايقاع المعيش اليومي

ينتقي الفنان الزين الحرباوي "تيمات" السرد التشكيلي من واقع الحياة اليومية والمعيش بين ثنايا المقاهي والحانات والأسواق الشعبية، والنزل الراقية أحيانا. وهذا ما يتوقف عنده الناظر المتأمل في أعماله الفنية والتي اختار لها عناوين مختلفة تعكس حلّه وترحاله بين الفضاءات.

فلوحة شارع بورقيبة مثلا كانت ناطقة بالحياة الليلية وصاخبة مثل صخب الجُلاّس والندماء. وبالمثل كانت لوحة الأسواق، حيث تمكن الفنان من سرد خطاب جمالي آخر انطلاقا من معيش السوق وجلبة الباعة وحديث المارة وصراخ الباعة المتجولين، وعمق صخب السوق الشعبي بقرى سوسة مع صخب الألوان .

وترى الناقدة التشكيلية والباحثة الجامعية هالة الهذيلي بن حمودة أن الفنان الزين الحرباوي يشتغل على تفكيك الإضاءة وانعكاساتها في اللون وعلى تحريفاتها التشكيلية ليرتقي بالمشهدية المصورة في نسختها التجريدية والمحملة بتعبيرية انطباعية متوحشة، أحيانا.

لوحات الفنان الزين الحرباوي تمازج بين الألوان الباردة والأخرى الحارة ليصل بهذا التمازج إلى حياكة بصرية متفاوتة بين الإشعاع والخفوت اللوني، وذلك حسب تيمة اللوحة. وهذا ما يمكنه من الوصول إلى رهافة مشهدية ترتقي بإملاءات الضوء وتباينات العلاقات اللونية في المشهد اليومي المصور .

ناجح مبارك

في نفس السياق