اغتيال فرحات حشاد في وثائق المخابرات المركزية الأمريكية

نشر من طرف لطفي حيدوري في السبت 5 ديسمبر 2020 - 14:16
اخر تاريخ تحديث الأربعاء 30 نوفمبر 2022 - 17:11

مرّت يوم أمس 4 ديسمبر 2020 ذكرى اغتيال الزعيم الوطني فرحات حشاد سنة 1952، ولا يزال هذا الملف مفتوحا من حيث اكتمال حقيقة الجريمة التي لم تفصح الوثائق المتاحة عن تفاصيلها منذ التخطيط لها حتى تنفيذها وإيقاف الجناة ثم تهريبهم بعد الاستقلال.

وصرّح أحد عناصر عصابة "اليد الحمراء" الاستعمارية في شريط وثائقي بثته قناة الجزيرة سنة 2009 بأنّه واحد من مدبّري عملية الاغتيال بعلم من وزير الدولة الفرنسي آنذاك فرانسوا ميتران، الذي أصبح فيما بعد رئيسا لفرنسا من 1981 حتى 1995.

وكان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند قد زار في جويلية 2013 أرملة الشهيد فرحات حشاد في منزلها بتونس العاصمة، وقدم لها الاعتذار على اغتيال زوجها مؤكدا التزامه باسم فرنسا بالكشف عن الحقيقة. وأكد أنه أمر بفتح الأرشيف حول عملية الاغتيال.

وقال نور الدين حشاد نجل الشهيد في عدة تصريحات إنّه حصل من فرنسا على بعض الوثائق.

ويندر في هذه القضية تداول وثائق عن الملف قد تكون موجودة في دول أخرى، ويمكن أن تساهم في الكشف عن الحقيقة.

وكانت المخابرات المركزية الأمريكية قد نشرت على موقعها موفى سنة 2016 آلاف الوثائق عن تونس، منها ما تطرق إلى حادثة الاغتيال وخلفياتها.

وتميّزت الوثائق الأمريكية بالتحليل والترجيح في هذا الملف.

وفي برقية بتاريخ 5 ديسمبر 1952، توقعت المخابرات الأمريكية أن تشهد تونس تصعيدا إثر عملية الاغتيال. وأشارت إلى أنّ حشاد أصبح خلال الأشهر الأخيرة أبرز القادة الوطنيين في الساحة التونسية وهو الوحيد من المؤثرين الذي بقي حرّا. وإثر هذه الملاحظة أضيفت معلومات، يبدو أنّها مصنفة ضمن المعطيات المحظور نشرها للعموم، وقد وردت في حوالي 5 أسطر حذفت من البرقية.

وتذكر البرقية أنّه كانت لحشاد علاقات دولية مهمة خاصة داخل الشق المناهض للشيوعية في الفدرالية العالمية للنقابات العمالية. وله علاقات وطيدة مع قادة النقابات العمالية الأمريكية.

ويرجّح محررو البرقية أنّ عملية الاغتيال تقف وراءها، واحدة من منظمتين إرهابيتين ناشطتين في تونس، الأولى يديرها فرنسيون في تونس والأخرى، حسب البرقية مكونة من تونسيين. ولم تذكر البرقية أسماء المنظمتين، بل أشارت إلى أنّ

إحداهما مكونة من فرنسيين والأخرى من التونسيين، وكلاهما كان معاديا بشدة للأجانب وقد شنّا حملات دعاية تحريضية ضد حشاد ووصفتاه بـ"الأمريكي".

ويشار إلى أنّ الدعاية التحريضية ضد حشاد كانت قد صدرت انطلاقا من فرنسا عبر الصحف الاستعمارية.

وتشير البرقية، أيضا، إلى أنّ بعض القادة الوطنيين أصبحوا قلقين من صعود دور حشاد وتأثيره، وهو ما فسرت أسبابه برقية أخرى مؤرخة في 23 سبتمبر 1952.

وتقول المخابرات المركزية "بالنظر إلى جنسية القاتل سيكون من الصعب إقناع التونسيين ببراءة فرنسا من الجريمة".

وفي برقية بتاريخ 30 ديسمبر 1952، تحت عنوان "آخر التطورات في شمال إفريقيا الفرنسي"، تناولت تصاعد تحركات الوطنيين في تونس والمغرب إثر اغتيال فرحات حشاد ووقوع أحداث عنف في المغرب وهو ما دفع البوليس الفرنسي إلى التحرك حتى تكون الأوضاع تحت السيطرة. وتسعى السلطات الفرنسية إلى فرض وضع سياسي على باي تونس والسلطان المغربي ويمكن أن تحقق نجاحا مؤقتا.

وتذكر البرقية أنّ تفاصيل اغتيال فرحات حشاد لا تزال غامضة. وتعطي احتمالات جديدة، إذ ترجح أن يكون أحد أطراف ثلاثة مسؤولا عن الجريمة:

- المتطرفون الفرنسيون الذين هددوا بفرض القانون بأيديهم.

- الشيوعيون.

- عناصر من الحركة الوطنية التونسية في إطار التنافس الداخلي بسبب صعود نجم حشاد.

والمستفيد الأبرز من عملية الاغتيال هم الشيوعيون، حسب المخابرات الأمريكية، أمّا الخاسر من العملية فهي فرنسا. وتقول البرقية إنّ المراقبين يرجحون تورط المتطرفين الفرنسيين في الاغتيال.

وتحلل برقية المخابرات تطورات الأحداث، وتشير إلى أنّ السلطات الفرنسية وضعت أغلب القادة الوطنيين قيد الإقامة الجبرية، "ربّما من أجل ضمان سلامتهم"، وفق نص البرقية، إضافة إلى عزلة الباي عن مجلسه الاستشاري غير الرسمي، وضغط الفرنسيون على الباي من أجل أن يوقع على الإصلاحات ويكون متعاونا.

"لكنّ فرنسا أزالت من الساحة السياسية القادة الذي كان يجب عليها أن تتفاوض معهم لتحقيق تسوية واقعية. والوطنيون هم غير متحمسين لمساندة الباي في تعاونه مع فرنسا وسيعارضون الإصلاحات المفروضة من فرنسا"، تضيف الوثيقة.

وتشير الوثيقة ايضا إلى ردود الأفعال الإقليمية إثر عملية الاغتيال، حيث عرفت المملكة المغربية أعمال العنف أكبر مما شهدته تونس، فقد دعت الجامعة النقابية CGT إلى الإضراب والتظاهر ضد الجريمة الفرنسية المدبّرة. وشهدت الدار البيضاء مظاهرات في 8 ديسمبر وتم اعتقال مئات المناضلين من حزب الاستقلال وكذلك من الحزب الشيوعي المغربي. وقد هدأت الأوضاع يوم 13 ديسمبر لكن الأجواء متوترة ومن المتوقع العودة إلى التصعيد.

وكانت مراسلة للمخابرات الأمريكية في 23 سبتمبر 1952 أشارت إلى صعود نجم فرحات حشاد باعتباره زعيما وطنيا يقود الساحة التونسية وتبرّم بعض القيادات من هذا الصعود، وأشارت إلى أنّ رفض الباي للإصلاحات التي سعت فرنسا إلى فرضها صيف 1952، جاء بضغط من فرحات حشاد الذي أصبح يقود الحركة الوطنية التونسية، ويرفض أي اقتراح قد يؤدي إلى مفاوضات فرنسية تونسية وبالتالي عرقلة مساعي الأمم المتحدة في القضية التونسية. وقد راهن حشاد على مكانته لرفع القضية التونسية إلى الأمم المتحدة، ويبدو أنه سيستخدم مناقشات الأمم المتحدة لحشد الساحة التونسية وراء قيادته، وفق الوثيقة.

وتضيف المخابرات المركزية: "يبدو أن هناك خلافا داخليا بين الوطنيين حول الاستقلال الداخلي، بل توجد أيضا مؤشرات على تنامي الانقسام حول أساليب بلوغ هذا الهدف. ويجب على حشاد التفكير في كيفية التعامل مع غِيرة زملائه من القادة الوطنيين ومعارضة "المعتدلين" لتوجهه وكذلك التحركات المختلفة للوطنيين المقيمين في المنفى بالقاهرة".

23

  

0530

 

في نفس السياق