نقابة الصحافيين ومعركة التعددية النقابية

نشر من طرف لطفي حيدوري في الجمعة 27 نوفمبر 2020 - 17:33
اخر تاريخ تحديث الإثنين 27 سبتمبر 2021 - 05:05

خاضت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين أمس الخميس 26 نوفمبر 2020، تحركا ضاغطا أمام قصر الحكومة بالقصبة من أجل حث الحكومة على نشر نص الاتفاقية المشتركة للصحافيين بالرائد الرسمي التزاما بالقرار القضائي الصادر عن المحكمة الإدارية يوم 09 نوفمبر الحالي، إثر دعوى من النقابة ضد الحكومة بسبب تعطيلها نشر الاتفاقية الممضاة منذ جانفي 2019.

وتظهر مدة نحو سنتين على تأخر نشر الاتفاقية، أنّ حكومة المشيشي لا تتحمل وحدها المسؤولية، فحكومة يوسف الشاهد نفسها التي وقعت الاتفاقية أنكرت ما وقعت عليه وأورثته لإلياس الفخفاخ الذي ترك الوضع على ما هو عليه لهشام المشيشي.

ويعترف محمد الطرابلسي وزير الشؤون الاجتماعية، الذي وقع على الاتفاقية، بأن الحكومة ليس لديها أي تحفظ على محتوى الاتفاقية الإطارية المشتركة للصحافيين، لكنّ يرى أنّه "لا يمكن نشرها على شكلها الحالي لأنها لا تنسجم مع المنظومة القانونية في تونس"، وفق ما صرح به يوم 25 نوفمبر 2020. وأضاف أنّه يمكن فتح باب الحوار مع نقابة الصحافيين لإيجاد حل يضفي الصبغة القانونية لتكون منسجمة مع قوانين الشغل ولتعديل الاتفاقية الإطارية المشتركة باعتبارها تخضع للقانون الخاص لكنها تضم في نفس الوقت القطاع العام والوظيفة العمومية وهو خطأ على مستوى الشكل، وفق تعبيره.

فلماذا وقّع نص الاتفاقية إذن؟

يجيب الطرابلسي، في التصريح ذاته، بأنّ مسؤولا حكوميا، يُرجَّح أنّه مفدي المسدّي المستشار الإعلامي للشاهد آنذاك، ورئيس نقابة الصحافيين السابق ناجي البغوري، طلبا منه التوقيع على الاتفاقية ثم الجلوس من جديد لتعديل الاتفاقية، لكن البغوري رفض فيما بعد التفاوض.

هذا المبرّر، غير المقبول من رجل دولة، وغير المنسجم مع مسؤول موكول له الملفات الاجتماعية في البلاد، والمفاوض الاجتماعي لنحو 20 سنة من موقع في قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل، يمكن تكذيبه قانونيا وأخلاقيا بدليل توقيعه الثابت، إلى جانب 7 أطراف أخرى (جامعة مديري الصحف وغرفة القنوات التلفزية الخاصة وغرفة الإذاعات الخاصة ومؤسسة التلفزة التونسية ومؤسسة الإذاعة التونسية ووكالة تونس إفريقيا للأنباء وهيئة الاتصال السمعي البصري)، من جهة، ونقابة الصحافيين، من جهة أخرى.

و"الخطأ الشكلي" الذي تحدث عنه الطرابلسي هو في الحقيقة "ورطة" انتبه إليها بعد أن أعاد قراءة نصّ ما وقع عليه، فقد جاء في ديباجتها: الاتفاقية الإطارية المشتركة للصحافيين التونسيين، بين الأطراف الممضية أسفله، النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين (من جهة) والحكومة و7 هياكل ومؤسسات إعلامية (من جهة أخرى).    

إنّها "ورطة" الاعتراف بالتعددية النقابية في قطاع الإعلام، وتحرّر نقابة الصحافيين من التعامل معها باعتبارها "جمعية" وافتكاك حقها في التفاوض الاجتماعي باسم منظوريها.

وكان ناجي البغوري، النقيب السابق للصحفيين، واضحا في تصريحه المنشور اليوم في جريدة "الصحافة اليوم"، ونبّه إلى  أن البيروقراطية النقابية، أي الاتحاد العام التونسي للشغل، هي التي تعطّل نشر الاتفاقية. وقال البغوري: "الاتحاد اليوم ليس لديه الجرأة والشجاعة لأن يخرج للرأي العام ويقول إنه ضد أي طرف آخر مفاوض، وهو يريد اليوم احتكار التفاوض لأن عقلية الحزب الواحد وثقافة الحزب الواحد مازالت مهيمنة على قيادة الاتحاد"، وهو موقف يجعل الاتحاد والحكومة الأعداء الحقيقيين للصحافيين اليوم، وفق تعبير البغوري.

ووجّهت الحكومة، اليوم الجمعة، 27 نوفمبر 2020، رسالة واضحة مضمونها أنّها لن تعترف بنقابة الصحافيين.

فبعد 24 ساعة من وقفة نقابة الصحافيين في ساحة الحكومة، والاعتداء الأمني على بعض الصحافيين، وعدم استقبالهم من أي ممثل للحكومة، عقد وزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي والأمين العام المساعد لاتحاد الشغل سامي الطاهري، بحضور الكاتب العام لجامعة الإعلام محمد السعيدي وكاتب عام النقابة الأساسية للمكلفين بالإعلام والاتصال قيس العرقوبي ومستشارة رئيس الحكومة المكلفة بالإعلام سماح مفتاح، جلسة حول تسوية وضعية المكلفين بالإعلام والاتصال العاملين بصيغة عقود "إسداء خدمات". ونصّ محضر الجلسة الممضى على "الاتفاق على مبدأ الانطلاق في المفاوضات حول مراجعة الأمر المتعلق بضبط النظام الخاص بالسلك المشترك للصحافيين العاملين بالوزارات والإدارات العمومية وذلك بعد التوصل بمشروع التنقيح في المجال من قبل الاتحاد العام التونسي للشغل".

وفضلا على توقيت الجلسة، فإنّ مضمون الاتفاق يشير إلى أنّ المطلب الذي تبنته نقابة الصحافيين في مؤتمرها الأخير، بتشغيل خريجي معهد الصحافة في قطاع الاتصال العمومي، قد انطلق سحب التفاوض باسمه من النقابة.

وقد كان واضحا بغياب الجامعة العامة للإعلام عن دعم نقابة الصحافيين في تحركها الأخير، أنّ المركزية النقابية غير راضية عن "تمرّد" نقابة الصحافيين على الأعراف. فقد كان خطاب الأمين العام نور الدين الطبوبي واضحا في افتتاح مؤتمر نقابة الصحافيين يوم 19 سبتمبر الماضي، أنّه لا يمكن للنقابة التحدث وحدها باسم القطاع أو عقد الاتفاقات القانونية. فأشار في خطابه إلى "تكامل الأدوار بين نقابة الصحافيين والجامعة العامة للإعلام" وقال: "أولوياتكم هي أولوياتنا". ودعا إلى ضرورة "اختيار التوقيت" للتحركات. وأضاف "نحن مع نقابة الصحافيين لدعم سبل التعاون الاستراتيجي ومواصلة العمل المشترك وتذليل الصعوبات وتجاوز العراقيل الفنية من أجل صيانة الحقوق وتحقيق المكاسب وفق رؤية تشريعية متكاملة وهو ما نعدكم به فور الانتهاء من المؤتمر".

وكان لافتا، أيضا، أنّ المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل لم يرسل برقية تهنئة إلى المكتب المنتخب لنقابة الصحافيين، ودارت قبل ذلك بأسابيع معركة بين منجي خضراوي، رئيس إحدى القائمات المترشحة، وعضو مكتب تنفيذي سابق للنقابة، وبين كاتب عام جامعة الإعلام التابعة لاتحاد الشغل محمد السعيدي.

وعرف منجي الخضراوي بانتقاداته اللاذعة لاتحاد الشغل في بعض إضراباته المعطلة لقطاعات حيوية في المجتمع والاقتصاد.

ومثل صعود المكتب التنفيذي الجديد، بكوكبة من الشبان، صدمة للمراهنين على استمرارية جيل قديم على رأس النقابة. ومثّل عدم صعود المترشح يوسف الوسلاتي رئيس تحرير جريدة الشعب لسان اتحاد الشغل، خيبة أمل في أن يكون هذا الرجل حلقة الوصل مع اتحاد الشغل، فيما كان الرأي العام للناخبين في المؤتمر يتجه نحو دعم الشبان وخط الاستقلالية النقابية والسياسية.

وقد بادرت الجامعة العامة للإعلام إلى مشاركة نقابة الصحافيين في تحركين سابقين رفضا لتنقيح المرسوم 116 ومن أجل تسوية وضعية المؤسسات الإعلامية المصادرة. وقد انعقد يوم 07 أكتوبر 2020 لقاء بين نقابة الصحفيين والجامعة العامة للإعلام تناول العمل المشترك وتوحيد الصف دفاعا عن حقوق ومكاسب الصحفيين والعاملين في القطاع الإعلامي.

ويحسب للمكتب التنفيذي للاتحاد الجهوي للشغل بقبلي، غير المنسجم، منذ عقود، مع السلوك السياسي داخل المركزية النقابية، انفراده داخل المنظمة بتوجيه برقية مساندة لنقابة الصحافيين في تحركها الأخير.

لكنّ إثارة موضوع الاتفاقية ومحاولة الاستقواء بمجلس نواب الشعب برفع مطلب نشر الاتفاقية المشتركة في الرائد الرسمي إلى رئيس البرلمان يوم 26 أكتوبر الماضي، شكلت، على ما يبدو بداية القطيعة الميدانية بين النقابتين، ودفعت اتحاد الشغل إلى قطع طريق الاتفاقية إلى الرائد الرسمي، عبر رجلها في الحكومة، محمد الطرابلسي، حتى إن اقتضى ذلك من الحكومة إنكار العدالة وخرق الفصل 111 من الدستور الذي يحجّر الامتناع عن تنفيذ الأحكام أو تعطيلها دون موجب قانوني.

وقد أنكرت الحكومات المتعاقبة أيضا، أحكاما قضائية لصالح التعددية النقابية، كسبتها المنظمات النقابية التي أسست بعد 2011، ما يؤكّد أنّ هذا الملف النقابي يخضع لقرار سياسي بات من "المقدّسات" التي لا يمكن الخروج عليها.

لطفي حيدوري

في نفس السياق