أوبيرات "هِزّ للشراع".. كتابة ذاكرة حب الوطن بأجساد وأنغام

نشر من طرف الشاهد في الأربعاء 2 جوان 2021 - 17:18
اخر تاريخ تحديث الأحد 13 جوان 2021 - 19:14

أنور البصلي

يبدو أن للمسرح وظيفة تطهيرية تتعلق باجتراح الذاكرة، سواء كانت ذاكرة مجموعة أو فرد. إنه وثيقة تحضر، لتقاوم الاحتضار، والنسيان، وما من شك أن فعل التطهير هذا الذي يسميه أرسطو، في كتابه فن الشعر، كاتارسيس، يجعل من الدراما، باعتبارها صراعا بين الإنسان والقدر، وحتى بين الإنسان والإنسان، في تناغم مع لعبة الحركة والمعاناة.

بهذه المعاني الأصيلة في الفن الرابع، أبي الفنون، ندخل، في معايشة أوبيرات ، هز الشراع لمخرجها، أحمد الصويعي، التي عرضت مؤخرا على ركح المسرح البلدي بالعاصمة التونسية، بتاريخ 31 ماي 2021، وتنتظرها عروض في مؤسسات ثقافية داخل جهات الجمهورية.

هذ ا العمل يدفعنا بإغراء، لمتابعته نقديا، فأي قصة تنتجها هذه الأوبيرات؟

وإذا سلمنا أن محور الاغتراب القسري، أو التغريب الإجباري، الذي مارسه، ويمارسه نظام الاستبداد في كل زمان ومكان، فإن هذا العمل يضعنا أمام حكاية جمعة، فمن هو ؟

ماذا حدث معه؟

وكيف تحولت حكايته إلى ملحمة غناء تحمل الوجع والأمل؟

بأي معنى استطاع أكثر من عشرين فنانا تحويل حكاية حدثت منها في ذاكرة العديد منا، إلى عمل فرجوي، مسرحي أوبيرالي؟

 

بين الحكاية والمحاكاة

لعل من نافلة القول التذكير بما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الأنسان الصادر في 10ديسمبیر 1948، من تأكيد تجريم أي تغريب قسري لمواطن عن بلده. فالسلطة السياسية لا تمتلك هذا القرار، ولو كانت تمتلك القوة والبطش والتسلط الذي يمكنها من فعل ذلك. وبهذا المعنى نجد انغماسنا في تفاصيل حكاية جمعة، إنه واحد منّا قد يكون أنا أو أنت.. القاسم المشترك معه أنه كان، كما كنّا، رعية لدى الحاكم بأمره، يجد في حمل شراع الهجرة الاضطرارية توقا، وطوقا للفرار بما بقي له من مما يمكن اعتباره انسانية.

يفر جمعة ويترك الذاكرة الوطن والأم والحبيبة،،، ومن هنا تتحول عقارب الحياة لتعدل تفاصيلها على بقع من السواد في حياة ،انشطرت بين الفقدان، وبين الحرمان. هذه التفاصيل البسيطة، تتحول في مسرحية "هِزّ الشراع" إلى إيقاعات وانغام ومقاطع تمثيلية جسدتها بتفوق الفنانة حليمة داود، واستطاع الفنان العروسي الزبيدي، الإقناع بتقمص الدور دور جمعة باقتدار.

هذه الأوبيرات حكاية لم تكتف بإعادة الواقع، بل استطاعت نسج خيوط فنية، تبني مشاعر الضعف والقوة الإنسانية في تحولاتها، مما يجعلنا أمام تفاعل فني خلاّق يتخذ من اللعب الدرامي أداة ومَحْملا للغناء وللموسيقى التي اغتنت من الرصيد والموروث الشعبي الجنوبي.

 

بين المسرح والغناء

لعل أبرز ما يمكن الانتباه إليه إزاء هذه الأوبيرات ارتكاز ها على المراوحة بين المسرح بمقاطعه التمثيلية وبين الموسيقى، وهي تجربة تستفيد من تراكمات المسرح التونسي بمختلف تجاربه كما أنها تستوحي من الأغنية التونسية الأصيلة قدرتها على مخاطبة وجدان المتلقي بكل جوارحه. فالصورة والصوت تتناغم وتتنافذ بشكل سلس، وهو من نوع السهل الممتنع الذي يجعلنا أمام تجربة مقنعة تكتب بوضوح ودقة أبجديات الفعل الفرجوي.

غير أنّنا نرى أن من الممكن توجيه بعض العتب البسيط على تحولات شخصية جمعة في العمل، إذ أن مُضِي سنوات الغربة لم تجعله يتقدم في السنّ، إذ كان بإمكان مخرج العمل استعمال ماكياج، لإظهار اشتعال الرأس شيبا.

ونضيف إلى ذلك، أيضا أنّ العرض عمل على إظهار علاقة الحب بين الابن المناضل ووالدته، وعدم إظهار علاقة العشق التي تجمع البطل جمعة بحبيبته بالقدر الكافي، إذ اكتفى الشاعر هشام الخلفاوي بإظهار ذلك في أغنية لم تتجسم في مشاهد تمثيلية وحبكة طالما تحتاجها الأعمال المسرحية. فالتلميح دون التصريح قد يكون من ابجديات الفعل المسرحي، غير أن جانبا هاما من خيوط الحبكة الدرامية يحتاج نسج تفاصيل العشق باعتباره صراعا آخر لا يقتصر على الأمومة والبنوة. وتلك ملاحظة يمكن أخذها بعين الاعتبار.

هزّ الشراع3

 أغان من الذاكرة

رغم أن هذه الأوبيرات تضمنت أغاني منتجة لهذا العمل، إلاّ أن جانب الإبداع والعفوية فيها جعلتها أقرب ما تكون إلى الذاكرة، فقد نجح الفنان الملحن عبد اللطيف النجار انطلاقا من كلمات الشاعر هشام الخلفاوي، أن يصنع رصيدا من الأغاني، كم تحتاجه ساحتنا الفنية، إذ غالبا ما يذهب البعض من منتقدي الأغنية التونسية للقول إنها تفتقد إلى الإنتاجات الجديدة، الأمر الذي يدفع عددا هاما من المطربين إلى التواكل والاعتماد على إعادة أعمال الغير، بزعم غياب النصوص الشعرية أو نقص الإبداع الموسيقي ضمن القوالب اللحنية التونسية، فهذا العمل قدم بالبرهان والدليل أن الإتيان بشيء على غير منوال سابق ممكن.

إن ما قدمه كل من سارة النويوي، بصوتها الرائع، والشاب آدم النجّار، يثبت أن الإبداع التونسي معين لا ينضب وأنها رسالة تثبت أن من الممكن الإضافة والإمتاع، حتى إن تعلق الأمر بإنتاج فني ملتزم، فالأمر يتعلق بالإجابة عن إشكال، فنٍّ بكل قواعده، أو لا فنٍّ، وليس الأمر بالنوايا بل بالإقناع وتملّك ناصية الفعل والإبداع.

بقي أن نشير إلى أن المجموعة بكل عناصرها، والعازفين عبد اللطيف النجار، فوزي المحمودي وجلول الحوفي وحلمي السلامي، نجحوا رغم متاعب ومعاناة تقديم عمل حيّ، في إثبات أنّ الأوبيرات الموسيقية، يمكن أن تكون إبداعا تونسيا. كما أقنع الكورال المتكون من الفنانين عمر بوثوري ويوسف النويوي وعائشة بوعجيلة وبلقيس مصباح في أدائهم الحيّ والمباشر ضمن رهان يصعب تحقيقه، إلاّ أنّ من تابع هذ العمل يصل إلى استنتاج مفاده أن طاقم إدارة الممثلين للفنان أحمد الصويعي مصباح، ومساعدته أنديرا راضي، استطاع أن يبني فرجة مختلفة، تستحق الاهتمام والمتابعة.

تحية في الأخير لعازفي الإيقاع محمد الصحبي وسليم الجمل، لما بذلاه من جهد في تأمين جوانب من الموسيقى، واستطاعا مواكبة مفاصل هذه الأوبيرات التي تعتبر بحق تجربة جديدة في الساحة الثقافية التونسية.

وفي انتظار أن تعرض في مختلف المسارح، نهمس في أذن المسؤولين عن المهرجانات التونسية: هذا عمل جميل فلا تحرموا منه المتفرج التونسي، هم قاموا بدورهم في المعاناة والإبداع فكونوا معهم لفتح الأبواب لهم للارتقاء بالذوق الفني في بلادنا.

في نفس السياق