استعلاء باريس وميزان القوى الجديد.. "سؤال النهضة" في استجوابات الإعلام الفرنسي

نشر من طرف لطفي حيدوري في الجمعة 18 ديسمبر 2020 - 21:02
اخر تاريخ تحديث الإثنين 27 سبتمبر 2021 - 05:37

تواترت الأسئلة عن حركة النهضة في الحوارات التي أجراها رئيس الحكومة هشام المشيشي، مع وسائل إعلام فرنسية، خلال زيارته الأخيرة لباريس، وكذلك الأمر عند زيارة رئيس الجمهورية قيس سعيد لباريس في جوان الماضي.

ومثلت حركة النهضة محورا قارا في هذه الحوارات، وباتت هذه الحوارات بفعل تواتر الأسئلة والتركيز حول بعض التفاصيل، بمثابة الاستجوابات. وهو ما يدلّ على أنّ حركة النهضة تمثل محطّ اهتمام خاصّ، لم يحسم فيه، رسميا ونخبويا في فرنسا، خاصة إذا علمنا أنّ قناة فرانس 24، هي ذراع الخارجية الفرنسية للامتداد في الفضاء العربي والفرنكوفوني.

ولا شكّ أنّه من الناحية المهنية، هناك أسئلة لا محيد عنها، لكنّ بعضها يشير إلى هواجس وعدم تغيّر الرؤية الفرنسية عن الحركات الإسلامية والتمييز بينها. وهناك أيضا رسائل سياسية يعود بها كل مسؤول تونسي رفيع من باريس، ويستعدّ لها كل قاصد قصر الإيليزيه ومحيطه، وهي أنّ باريس تقبل التعامل مع حكم تشارك فيه النهضة لكنّ المسؤولية تلقى على شركائها الذي ضمنوا فيها، ذلك ما عبّر عنه بوضوح محاور هشام المشيشي على "قناة فرانس 24" بالفرنسية، مارك بيرلمان، بسؤاله: "هل تثق في حركة النهضة؟".. إنّه سؤال ما قبل التعاقد.

ويشار إلى أنّ الصحافي نفسه حاور، من قبل، المرحوم الباجي قائد السبسي سنة 2017، وقيس سعيد في جوان 2020.

ولم تشذّ صحيفة "لوفيغارو"، عن  هذا الخط، ففي الحوار المنشور في عددها ليوم 13 ديسمبر 2020، يسأل الصحافي رئيس الحكومة هشام المشيشي: رغم أنّ حركة النهضة تقول إنّها قطعت مع الإيديولوجيا الأصولية منذ 10 سنوات فإنّ الإسلاموية لا تزال تمثل تهديدا لتونس؟

وأجاب المشيشي أن "حركة النهضة هي حزب سياسي ملتزم تماما بقيم الجمهورية ودولة القانون". وأضاف "لقد أرسى الدستور التونسي، بفضل التوافق بين ممثلي جميع التيارات السياسية، مبادئ دولة مدنية تضمن الحريات الفردية".

ووجد المشيشي في قناة فرانس 24، أسئلة مماثلة في انتظاره، فأعاد التذكير بأنّ حركة النهضة حزب مدني ديمقراطي، وأنّ الدستور، واضح في مجال الحريات، والنهضة مكوّن أساسي في المجلس التأسيسي الذي أعدّ فصول ذلك الدستور، فيقاطعه محاوره: هل تثق فيها؟

 

المشيشي يعكس الهجوم

لئن ركّزت عديد التعليقات على حوار المشيشي لفرانس 24، وما جاء فيه من خطأ اتصالي في التعبير عن تلازم ملف التونسيين الموجودين بصفة غير قانونية بموجب الهجرة السرية، وملف التونسيين المتورطين في أعمال إرهابية على الأراضي الفرنسية، فإنّه وقع صرف الاهتمام عن الطريقة التي خرج بها المشيشي من وضع المستجوَب من قبل من يدّعي أنّه يمثلّ الملة النموذجية في الديمقراطية والتعايش وحقوق الإنسان، وتعمل على تصديرها، وتضعها معيارا وشرطا للتعاون المشترك.

تحدث المشيشي عن الجدل الواقع أخيرا في الساحة السياسية، وقال: "لن يدفعنا وجود خطاب متطرف يمينيا ويساريا، إلى الحد من حرية التعبير التي هي مكسب لا رجعة عنه". ثم أشار المشيشي إلى أنّ تونس ما زالت في طور البناء الديمقراطي وأنّ 10 سنوات هي فترة قصيرة، مشيرا إلى أنّ فرنسا "استغرقت مئات السنين للوصول إلى الوضع الذي تعيشه اليوم"، وفق تعبيره.

هذا الجواب صرّح بمثله الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، أمام الصحافي نفسه سنة 2017، وقال إنّ فرنسا استغرقت قرنين من الزمن لتصل الديمقراطية، وفي المقابل تعيش تونس سنواتها الأولى في مسار ديمقراطي.

ولم تحضر البديهة لدى قيس سعيد، عندما حاوره مارك بيريلمان، وأمطره بأربعة أسئلة متتالية عن النهضة والغنوشي، في حوار بالفرنسية لقناة "فرانسا 24" يوم 23 جوان 2020. وكان باديا على سعيّد الشعور بالضيق عندما سئل: "هل تعتقد أن الغنوشي وحزبه حركة النهضة يريدان حكم تونس حتى وإن لم تكن لهما كل السلطات"؟ لكنه وقع في الفخ، وهو يريد التخلص من هذا المحور المزعج، وأكّد هذه الخشية وتحدث عن إمكانية محاولة استيلاء طرف على صلاحيات طرف آخر.

كان المشيشي يلمّح إلى الحروب الأهلية في فرنسا وإلى دموية الثورة الفرنسية التي نقل هولها غوستاف لوبون في كتابه "روح الثورات والثورة الفرنسية"، فقد كانت 40 محكمة ثورية، من جملة 187، تحكم بالقتل وتنفذ أحكامها في مكان الحكم فورا، وبلغ مجموع الذين قصلت رؤوسهم 17 ألف شخصا بينهم 1200 امرأة، كثيرات منهن تجاوزن سنّ الثمانين. ويضيف لوبون "لم يكن قطع الرقاب الذي نشأ عن محاكم الثورة كل ما حدث أيام الهول الأكبر، فقد كان يجول في فرنسا جيوش ثورية مؤلفة من قطاع الطرق واللصوص ناهبة قاتلة..."

 

مسؤولية حركة النهضة

عادة ما يحمّل البعض المسؤولية لحركة النهضة لأنّها لم تقنع بالتحولات الفكرية والتنظيمية والسياسية التي تشهدها منذ عدة سنوات. لكن العقلية التبشيرية المسيحية للإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية، الكامنة خلف ظاهر علمانية قومية فرنسية، لا تزال من ثوابت السياسة الخارجية، وأداتها اليوم هي الفرنكوفونية جسرا لمستعمراتها القديمة. فمن الطبيعي أن تكون حركة النهضة المحافظة، ذات المرجعية الثقافية العربية الإسلامية، بما يقتضي ذلك من عمق جغرافي وسياسي يتعارض مع النفوذ الفرنسي، هاجسا مثيرا للقلق، ولكن يقع تغليفه بمنطق فكري وثقافي استعلائي، عبر إملاء قواعد "كونية" للتعاون المشترك، على رأسها الحريات الفردية. وتلعب النخب التونسية الفرنكوفونية العلمانية المتطرفة على تغذية المخاوف من صعود حركة النهضة للحكم، باستدراج الساحة السياسية والثقافية إلى الصراع على القيم والانقسام بين محافظين وحداثيين.

 

الاستبداد حليف أوروبا المدلل

يعتبر كتاب سهام بن سدرين (أوروبا ومستبدّيها) L’Europe et ses despotes ، الصادر بفرنسا سنة 2004، من المؤلفات "الشجاعة" من النخبة الحقوقية التونسية في فضح “النفاق الإجرامي” للغرب، وفق تعبير بن سدرين.

تكشف سهام بن سدرين في هذا الكتاب، ما عاينته خلال تحركاتها الحقوقية من ازدواجية أوروبية في التعامل مع ملفات حقوق الإنسان والحريات في تونس، وكيف كانت أنظمة أوروبية تستجيب لضغوطات المنظمات الحقوقية ظرفيا لابتزاز أنظمة فاقدة للشرعية.

تحدثت بن سدرين في كتابها كيف استخدمت ورقة مكافحة التطرف والإرهاب لتبرير دعم دكتاتوريات شمولية، "فلا يوجد أفضل من الدكتاتوريات جنوب المتوسط لخدمة المصالح الأوروبية، ألم يكن البترول وتمويل الحملات الانتخابية للأصدقاء مبرّرا لفرش السجاد الأحمر للقذافي؟ ثم تتحرك الأنظمة نفسها للإطاحة بالعقيد وقتله، لكن بعد أن تحرك شعبه وفرض الأمر الواقع".

وتؤكد سهام في كتابها أنّ الرؤية الاستعمارية لبلداننا تعتبر أنّ العرب ليسوا أهلا للديمقراطية بفعل العوامل الثقافية التي تحكم ذهنيتهم، ولذلك ساندت أوروبا المستبدين الذين تعتبرهم رغم ذلك "متنورين"، وجعلتهم خلفاءها في المرحلة ما بعد الاستعمارية. وبعد أن كان من مبررات الاستعمار رفع الهمجية البربرية، أصبح دعم الدكتاتوريات مبررا للتوقي من التطرف والإرهاب ومن الهجرة غير الشرعية.

ولا تجانب سهام بن سدرين الصواب، فقد كشفت الوقائع صحة كلامها، وظلت الخارجية الفرنسية تدافع عن نظام بن علي حتى الساعات الأخيرة قبل فراره. وقد كانت قبل ذلك قادرة على مقايضته وابتزازه، معوّلة على حرصه على الحكم مدى الحياة وبحثه عن الدعم الخارجي. أما وقد أصبح الحكم بإرادة الشعب التونسي، وفرّ الحليف "المستبد"، فقد سقطت عدة أوراق ابتزاز. وانتقلنا إلى مرحلة "الاستتابة" للحكام و"الاستجواب" قبل التعاقدات. وهو ما يقوم دليلا على أنّ السياسة الفرنسية لم تراجع أخطاءها ولم تتخلّ عن استعلائها الذي تغذيه رؤية استشراقية تجاه العرب والمسلمين والعالم الثالث عموما. وتسعى فرنسا اليوم لمجرّد ضمانات بعدما كانت "إملاءات" وضغوطات، وهو ميزان قوى جديد رجّحته ثورة 17 ديسمبر 14 جانفي.

لطفي حيدوري

في نفس السياق