الأماني الكاذبة وصنّاعها في تونس عام 2020.. "إنْ هِيَ إِلاّ حِبَالٌ وَعِصِيٌّ"

سيطر فيروس كوفيد-19 على حركة العالم وقيّدها، وحبس سكان الأرض في بيوتهم. وانتقلت البشرية من فلسفة "الإنسان الإله" إلى الخضوع لمنطق الكائن غير المرئي.

لا الصراع الطبقي ولا صراع الرغبات في اللاوعي ولا المركزية الأوروبية، التي استعمرها الوباء، يمكن اعتمادها لتفسير تطور التاريخ اليوم، فقد أصبح المستقبل مجرد احتمالات تخضع لتأويل غير قابل للتحليل المنطقي يتحكم فيه الكائن المجهري الشرس. وبات على البشرية أن تتحلّى بالتفاؤل والأمل لإنقاذ العالم وأن تتخلى عن العدمية والعبثية التي قادت العالم منذ اكتشاف البارود.

لقد أصبح حلم البشرية هو المحافظة على الكائن الإنساني وضمان حريته في ظل انتشار الوباء، حرية أصبح يطمح إليها جميع سكان المعمورة، حتى إن اقتضى الأمر قبول التعايش مع الفيروس الفتاك.

فالأمل والحرية، تلازما مع حفظ النفس، باتوا مقصدا عاما سعت الأمم إلى تحقيقه سنة 2020، وكان ذلك يقتضي التحلّي بقدر كبير من الحزم والأمل، وإزالة العراقيل وفي مقدمتها إسكات المدافع.

لكن صوت المعارك لم يهدأ في تونس، كانت الهدنة ظرفية خلال شهرين من تلقي أولى صدمات دخول الوباء تونسَ. وفيما ما عدى ذلك، عمد الذين عجزوا عن فرض مراميهم على الجميع، إلى محاولة فرضها ضغطا نفسيا عبر الأماني والتحريض عليها، وهو ما جعل عام 2020 يمر على تونس بمحطات متخيّلة هي مجرد أمان كان من المفروض أن تكون في المطلق أو المستقبل البعيد، لكنّ أصحابها جعلوا لها مواقيت محددة لم تقع، ورغم الفشل في تحقيقها لا يزال الأمل قائما "حتى تقع" دون مراجعة أو تعديل.

 

السباحة في الأزمة

فتح عدم التصويت بمنح الثقة لحكومة الحبيب الجملي، فجر يوم 11 جانفي 2020، باب الاستعداد لتكوين ائتلاف برلماني يعزل حركة النهضة. وكانت الصورة الجماعية، للندوة الصحفية بمجلس نواب الشعب، التي جمعت أطرافا كان بعضها يرفض بعضا، قبل بضعة أيام من ذلك. لكن سرعان ما انفرط العقد وانطلقت تصريحات التبرّؤ. وقد جاء تشكيل حكومة الفخفاخ ليعود من كان يسعى لعزل النهضة إلى تبرير وجوده في ائتلاف يضمّ النهضة بأكبر حجم من التمثيل الوزاري.

وقبل اكتمال تشكيل حكومة الفخفاخ، وبسبب طلبه التمديد في مهلة المشاورات، انطلقت التحليلات المنبرية، إعلاميا، عن احتمال حلّ البرلمان بسبب قرائن العجز في مسار نقاشات تشكيل الحكومة. ولم يكن الحديث عن الذهاب إلى حل البرلمان مجرّد تحليلات اقتضاها الحدث، ذلك أنّ كثيرا من الخائضين في الموضوع كان يعبّرون عن شهوات دفينة تطلب موت السياسة في تونس.

والتحليل المعبّر عن الشهوات قرائنه أصبحت علامة مميزة، فعند الأزمات التي مرت بها البلاد في العشرية الأخيرة، تطلع رؤوس معروفة ببراعة "السباحة في الأزمة"، ترافق خطابها أو تحليلها معطيات كاذبة ومصادر مطعون فيها وتلفيق لما لا يأتلف وتصريحات تحريضية، ثم إعلان الهجوم على جهة مستهدفة ومحاولة صنع حدث ميدانية. وذلك ما كشفت عنه وقفتان خائبتان دعي إليهما أمام مبنى البرلمان، فريق نظم تحركه يوم 1 جوان والثاني يوم 14 جوان. وحظي المشروع الفاشل في إسقاط البرلمان بتغطية لافتة من قنوات تلفزية إماراتية، وهو ما عبّر عن أمل خارجي في استجابة داخلية "لم تقع".

 

من التمنّي إلى الانتقام

وفي تلك الفترة كانت بعض الأصوات تنفخ في هجوم الجنرال خليفة حفتر على طرابلس، تعتبر نجاح حملته، المدعومة بأسلحة إماراتية ومرتزقة روس، إنذارا بقلب الموازين الإقليمية لصالح المحور المعادي للثورة. ولم تتردّد أطراف تحسب نفسها على الثورة في دعم حفتر والدعوة إلى التحاور معه وعدم التعامل مع حكومة طرابلس. ودفعت خيبة حفتر على تخوم طرابلس، مناصريه في تونس إلى محاولة الانتقام من راشد الغنوشي بحصة لوم ثقيلة في مجلس نواب الشعب، جراء تهنئته لفائز السراج على انتصار الشرعية.

وتتواصل أماني 2020 بعودة الحلم بحكومة دون النهضة، خلال إثارة ملف تضارب المصالح الذي تورط فيه رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ، حين دعته حركة النهضة إلى الاستقالة والتفرغ للدفاع عن نفسه، وردّ الفخفاخ ببيان شديد اللهجة يسنده فيه حزبي التيار الديمقراطي وحركة الشعب، وزاد انتقاما فأطرد وزارة النهضة. وانتهت حكومة الفخفاخ بعد ذلك سريعا. وكان الردّ على سقوط الفخفاخ لائحة سحب الثقة من رئيس البرلمان، التي كانت جلستها بمثابة الاحتفال الذي أحياه الممضون على العريضة، من معسكر الثورة ومن المعادين لها، وانتظرت حكومات خارجية نتائج التصويت وسخّرت تلفزاتها الرسمية لنقل الحدث الذي انقلب حزنا بسبب إعلان نتائج التصويت التي اعتبرها الغنوشي بمثابة تجديد الثقة. وكان الذين يتوقعون نجاح مسعى سحب الثقة، وهم يعبّرون عن "سماحتهم" يدعون، إعلاميا ومجلسيا، راشد الغنوشي إلى الاستقالة طوعا قبل النزول من المنصة كرها، وكأنّهم كانوا يرون نتيجة التصويت لصالحهم يقينا، في حين كانت مجرّد أمنية تسمح بها "سماحة" الديمقراطية ومن يحتكمون إليها.

 

البحث عن المخلّص

وجاء دور تشكيل حكومة ما بعد الفخفاخ، واحتفلت عدة أطراف إعلامية وسياسية وحزبية بخيار "التكنوقراط" الذي ينهي دور الأحزاب "التقليدية"، مثلما ينهي دور النهضة وحلفاءها، فولدت حكومة "مستقلين" بحزام حزبي أعاد المبادرة إلى البرلمان وإلى حلف النهضة، قلب تونس، الكرامة. وقد ظلّ الأمل معقودا أن لا تمرّ حكومة المشيشي. وتم بالمناسبة إحياء النقاش حول استخدام رئيس الجمهورية قيس سعيد لصلاحياته الدستورية في حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة.

وقد واجهت الحكومة الجديدة عقبتين أساسيتين موروثتين هما عودة انتشار كورونا والمصادقة على مشروع الميزانية، وانطلقت التحركات الميدانية بشّر البعض بمناسبتها بثورة ثانية، ثم تم الدفاع بالنقاش على قانون المالية التكميلي ومشروع ميزانية 2021 إلى طريق مسدودة، انطلقت بالصراع على رئاسة لجنة المالية، ثم وقع تعميم نتيجة استباقية أنّ البلاد تسير نحو تسيير المالية العمومية عبر مراسيم رئاسية، وهو ما لم يقع.

وقد سقط الحلم بثورة جديدة، عندما حاصر الرأي العام الشعبي غير المتحمّس لهزّات جديدة في البلاد هذا الوهم، وقد عاين الفوضوية التي تطبع تحركات قطع الطرقات وأرزاق المواطنين ومرافقهم الأساسية، وكان جزءا منها ينتظم باسم الرئيس.

ورغم أنّ رئيس الجمهورية كان يحثّ قبل جلسات المصادقة على الميزانية، على تمرير الميزانية حتى لا تمرّ البلاد إلى أحكام استثنائية في مرحلة صعبة تمرّ بها، إلاّ أنّها ظهر بخطاب مغاير ليلة رأس السنة الإدارية 2021 مضمونه أنّ المصوّتين للميزانية كانوا يخشون أن تعود المبادرة إليه، وهو تصريح يثير الشكوك في كونه كان أيضا طرفا من الذين تمنّوا سقوط مشروع الميزانية، فردّ على ذلك بخطاب خشن في مناسبة تقتضي التفاؤل.

وقد ذهبت بعض الآراء إلى أنّ سجن نبيل القروي كان خيارا استثنائيا، إزاء تجاوز هشام المشيشي للعقبات التي وضعت في طريق حكومته، وهتف النائب هيكل المكي سريعا لحظة قرار القاضي بإيقاف القروي، مؤذنا بخراب حكومة المشيشي بانفراط عقد حزامها الحزبي، فجاء الردّ من حزب القروي معبّرا عن التمسك بالحكومة.

وتزامنت تلك الأحداث مع الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وكان المتحمّسون لإمكانية انتصار دونالد ترامب، يرجون عهدة رئاسية أمريكية جديدة في التضييق على "الربيع العربي"، فخاب الرجاء.

ولم تخل الساحة الرياضية من الأماني المحبطة، بنهاية وديع الجريء وحلّ جامعة كرة القدم، ومورس عليه الضغط رسميا وميدانيا، ثم استقرّ الوضع على ما قرّره.

 

نهاية التخويف

اقترنت الأحداث المشار إليها وكذلك عملية التبشير بها، بدعاية تحريضية تعمل على نشر الخوف والاستثمار فيه لفرض البدائل. كما بيّنت ردود أفعال الفاعلين السياسيين الذين حاولوا صنع تغيّرات فشلوا فيها، أنّهم عمدوا إلى سلوك انتقامي، لم يمرّ بعد إلى العنف الخطير، رغم محاولات الاستدراج إليه. وأظهر استعجال تغيير موازين القوى السياسية وجود سلوك غير ديمقراطي رافض لنتائج الصندوق الانتخابي، ويتحرّك أصحاب هذا السلوك بمنطق وصائي. ورغم ذلك ظلّ الفاعل الرئيس، في جميع المنعرجات التي رصدناها، هو الشعب التونسي الذي لم يستدرج إلى أي تحقيق أي شهوة فئوية. وقد يعود السبب في ذلك إلى أنّه ألف هذه المناسبات التحريضية وميّز الرموز التي تستحضر لإثارتها، فباتت مجرّد مشاهد فرجوية معروفة خواتيمها مسبقا، لا ينفع معها أسلوب تركيب مسرح الأحداث ومحاولة إثارة الرعب في النفوس للتحكم في المشاهدين.

لطفي حيدوري

في نفس السياق