رأي المجلس الأعلى للقضاء حول مرسوم الصلح الجزائي.. هل كان سبب ردّة فعل سعيّد "المالية" المتشنّجة؟ (وثيقة)

نشر من طرف الشاهد في السبت 22 جانفي 2022 - 20:13
اخر تاريخ تحديث الثلاثاء 24 ماي 2022 - 18:43

ردّ المجلس الأعلى للقضاء مشروع "مرسوم الصلح الجزائي" الذي أحالته إليه وزارة العدل، وأبدى ملاحظاته "من جهة الاختصاص" ومن "الناحية الإجرائية"، وخلص إلى أنّه لا يمكن بواسطة المراسيم أثناء سريان الحالة الاستثنائية القيام بإصلاحات جوهرية للمنظومة القضائية وللقانون المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء. وأعلن للجهة العارضة أنّه يتعذر على الجلسة العامة للمجلس إبداء الرأي في الوثيقة برمتها.

وقال المجلس الأعلى للقضاء إن الجلسة العامة ترى أنه من غير المتيسر لها إبداء الرأي في مشروع النصّ المعروض وأضحى متعذرا عليها الخوض في مضمونه وتفحص محتوى فصوله، وذلك احتراما للإجراءات الأساسية التي يستوجبها النظام العام الدستوري.

وأشار المجلس الأعلى للقضاء إلى خرق أساسي للدستور، نظرا لكون "الرأي الاستشاري" هو إجراء جوهري وأساسي له وثيق الارتباط بقواعد النظام العام الدستوري. وفي غياب اللجنة المختصة بمجلس نواب الشعب لإحالة مشروع الاستشارة، فإنّ ذلك "يعدّ خرقا للدستور."

كما لاحظ المجلس أن وزيرة العدل هي من وجهت إلى رئيس المجلس طلب إبداء الرأي بتاريخ 27 ديسمبر 2021 مذيلا بإمضاء رئيس الديوان بالنيابة عن الوزيرة، دون ما يفيد استكمال مراحل وإجراءات العرض الأولي لمشروع المرسوم على المجالس الوزارية ذات النظر، وبذلك تكون إجراءات الاستشارة مختلة تبعا لعدم صدور طلب الرأي عن جهة المبادرة التشريعية المؤهلة دستوريا لذلك وممثلة في رئيس الجمهورية.

واعتبر المجلس أنّ مشروع المرسوم استحدث صنفا جديدا من العدالة هو "العدالة التصالحية"، قائم على اعتماد المصالحة لفض النزاعات الجنائية .وهي طريقة تقتضي إصلاحا جوهريا طال القضاء وإجراءات التقاضي وأسند للقاضي دورا جديدا لا تستوعبه أحكام الفصل 102 من الدستور، كما لا يستوعبه النظام الإجرائي المعتمد حاليا في التقاضي. ونبّه المجلس أيضا إلى تضمّن مشروع المرسوم أيضا إصلاحا جوهريا آخر بإحداثه محكمة استثنائية لا يمكن أن تندرج تحت طائلة أصناف المحاكم الموجودة العدلية والادارية والمالية، وهو ما سيمثّل إنهاء لوجود القطب القضائي الاقتصادي والمالي الحالي.

واعتبر القاضي حمادي الرحماني، أن وثيقة "الردّ" جاءت في قالب "دروس قانونية قاسية". ورجّح أن تكون من أهم أسباب استهداف قيس سعيد للمجلس الأعلى للقضاء، وتفسّر كل هذا التشنج والاستهداف الصادر منه.

ويشير الرحماني بذلك إلى تصريحات قيس سعيد المتواترة ضد المجلس الأعلى للقضاء، وصولا إلى مرسوم تنقيح القانون المنظم للمجلس لإلغاء المنح والامتيازات الخاصة بهم.

وفي ما يلي نصّ رأي المجلس الأعلى للقضاء حول مشروع مرسوم الصلح الجزائي الذي أعدته رئاسة الجمهورية، وهي وثيقة رسمية تداولها قضاة على موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك.

 

بعد إطلاع المجلس الأعلى للقضاء على المراسلة الواردة من وزيرة العدل بتاريخ 27 ديسمبر 2021 تحت عدد 2860 حول طلب رأي المجلس الأعلى للقضاء بخصوص مشروع مرسوم يتعلق بالصلح الجزائي مع المتورطين في الجرائم الاقتصادية والمالية،

وبعد الاطلاع على مشروع المرسوم المتعلق بالصلح الجزائي مع المتورطين في الجرائم الاقتصادية

والمالية في نسخته المرفقة بمراسلة السيدة وزيرة العدل المذكورة أعلاه،

وبعد التداول في مشروع المرسوم المعروض بالجلسة العامة المنعقدة بتاريخ 05 جانفي 2022،

أبدى المجلس  الرأي التالي:

من جهة الاختصاص

حيث اقتضت أحكام الفصل 114 من الدستور أن المجلس الأعلى للقضاء يضمن حسن سير القضاء واحترام استقلاله وتقترح الجلسة العامة للمجالس القضائية الثلاثة الإصلاحات وتبدي الرأي في مقترحات ومشاريع القوانين المتعلقة بالقضاء التي تعرض عليها وجوبا،

وحيث يقتضي الفصل 42 من القانون الأساسي عدد 34 المؤرخ في 28 أفريل 2016 المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء أن الجلسة العامة تبدي الرأي في مشاريع ومقترحات القوانين المتعلقة بتنظيم العدالة وإدارة القضاء واختصاصات المحاكم والإجراءات المتبعة لديها والأنظمة الخاصة بالقضاة والقوانين المنظمة للمهن ذات الصلة بالقضاء التي تعرض عليها وجوبا، وأن رئيس المجلس هو ممثله القانوني ويسهر على تنفيذ قراراته.

وحيث يخلص من الأحكام القانونية السابق بسطها، أن النصوص القانونية التي اقتضى المشرع عرضها وجوبا على استشارة الجلسة العامة للمجلس هي الآتية:

. مشاريع ومقترحات القوانين المتعلقة خاصة بتنظيم العدالة وإدارة القضاء واختصاصات المحاكم والإجراءات المتبعة لديها والأنظمة الخاصة بالقضاة والقوانين المنظمة للمهن ذات الصلة بالقضاء،

. مشروع قرار وزير العدل المتعلق ببرنامج مناظرة انتداب الملحقين القضائيين،

. ضبط برامج تكوين الملحقين القضائيين والقضاة بالمعهد الأعلى للقضاء،

وأما المراسيم فتعرض على استشارة المجلس بمناسبة المصادقة عليها من المجلس التشريعي كما هو الحال بالنسبة للمراسيم الصادرة أثناء فترة الحجر الصحي الشامل سنة 2020.

وحيث يتبين بالاطلاع على مشروع المرسوم المعروض على المجلس أنه جاء ليضبط إطارا مرجعيا للمصالحة الجزائية مع المتورطين في الجرائم الاقتصادية والمالية سواء منهم الأشخاص الواردة أسماؤهم بتقرير اللجنة الوطنية حول الفساد والرشوة بعد تحيينها والتثبت فيها، أو كذلك كل من تتعلق به قضايا فساد مالي واقتصادي لدى القطب القضائي الاقتصادي والمالي، وأنه أنشأ للغرض هیکلا قضائيا ملحقا بمحكمة الاستئناف بتونس يسمّي “القطب القضائي للصلح الجزائي”، تتكون تركيبته من عدد 21 قاضيا من ذوي الاختصاص من بين القضاة المباشرين بالمحاكم من الصنف العدلي والإداري والمالي، تتم تسميتهم بأمر رئاسي باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء ليتولوا إبرام الصلح المذكور مع الذين تورطوا في تلك الجرائم مع النظام السابق قبل سنة 2011 ومع المتورطين في نفس هذه الجرائم والمرتكبة في مجال التصرف في المال العام على معنى القانون الأساسي عدد 77 لسنة 2016 المتعلق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي، سواء كان ذلك أثناء الدعوى أو بعد صدور حكم نهائي وبات في شأنها. وأما اختصاصات القطب المذكور فتتمثل في مراجعة جمع ملفات الفساد المتوفرة بالنظر إلى القائمة الأصلية للأشخاص المعنيين بما في ذلك التي سبق النظر فيها من قبل هيئات إدارية أو قضائية أو شبه قضائية أخرى، ولو صدر في شأنها حكم بات، والقيام بإجراءات التتبع القضائي والنظر في ملفات الصلح الجزائي، مع إصدار أحكام الصلح طبق آليات احتساب مبالغه التي يحددها أمر خاص، بالإضافة إلى متابعة ومراقبة تنفيذ هذه الأحكام كختم الصلح عند انتهاء تنفيذها. فيما ضبط  المرسوم إجراءات تعهّد القطب المحدث ونص على أنه يتعهد بصفة حصرية وآلية بجميع الدعاوى التي هي في طور البحث وبصفة عامة جميع ملفات الفساد المضمنة بتقرير اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الفساد والرشوة، كما يتعهد بالنظر في إجراءات الصلح الجزائي المتعلقة بالقضايا المتشعبة والمتعلقة بالمال العام المحالة عليه من قبل القطب القضائي الاقتصادي والمالي بطلب من المدعى عليه، وبعد مصادقة وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس، وأما فيما يتعلق بما يصدره القطب من أحكام فاقتضى المرسوم أنها تكتسي الصبغة النهائية وأنها محصنة تحصينا مطلقا ضد كل مراجعة قضائية لكونها غير قابلة للطعن بأي وجه من الوجوه.

من جهة الإجراءات

حيث جاء بقرار الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين عدد 02 لسنة 2015 المؤرخ في 8 جوان 2015 “أن الرأي الاستشاري هو إجراء جوهري وأساسي له وثيق الارتباط بقواعد النظام العام الدستوري وأن الجهة المعنية بإحالة مشروع القانون الاستشارة هي اللجنة المختصة بمجلس نواب الشعب دون سواها بعد أن يبلغ لديها المشروع وضعا تتضح ملامحه وتبدو مظاهره فيتيسر إبداء الرأي فيه”، وانتهت إلى أن التغاضي عن التحقق من وقوع هذا الإجراء الأساسي يعدّ خرقا للدستور.

وحيث اقتضت أحكام الفصل 21 من القانون الأساسي عدد 14 لسنة 2014 المؤرخ في 18 أفريل 2014 المتعلق بالهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين أن قرارات الهيئة المذكورة ملزمة لجميع السلطات.

وحيث دأبت الجلسة العامة للمجلس الأعلى للقضاء على التقيد بالقرار المذكور بمناسبة ممارسة وظيفتها الاستشارية وعلى اعتبار نفسها ملزمة باتباعه وبالإذعان له، وتواتر عملها على ذلك منذ إصدارها الرأي عدد  2017/1  المؤرخ في 18 جويلية 2017 إلى اليوم، معتبرة أن فقه القضاء الدستوري المذكور يقتضي أن يتم تعهيدها بالاستشارة بموجب طلب في إبداء الرأي صادر مباشرة عن الجهة صاحبة المبادرة التشريعية من جهة، وأن يكون النص المعروض من جهة أخرى قد اكتملت مراحل تهيئته وإجراءات النظر الأولي فيه بما في ذلك إجراءات العرض على المجالس الوزارية المختصة قانونا كلما كانت من بين الإجراءات المعتمدة من قبل جهة المبادرة في مسار إصدار النصوص التي تعزم على اتخاذها، وإلا فإن التبكير بعرض النص على رأي المجلس قبل استیفاء ذلك يكون حريا بعدم القبول.

وحيث بالإضافة إلى ذلك، فقد قررت الجلسة العامة للمجلس بجلستها المنعقدة بتاريخ 04 نوفمبر 2021 رفض المساس بواسطة المراسيم بالبناء الدستوري للسلطة القضائية وبالضمانات المكفولة للقضاة هيكليا ووظيفيا، وأنه من المتعين أن يتم التقيد عند المبادرة بأي إصلاح يتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء، بالمبادئ وبالضوابط التي جاء بها الدستور على أن لا يكون ذلك في إطار التدابير الاستثنائية المتعلقة بمجابهة خطر داهم، كما قررت الجلسة العامة أيضا بجلستها المنعقدة بتاريخ 05 جانفي 2022 رفض أن تتم مراجعة وإصلاح المنظومة القضائية بواسطة المراسيم وفي إطار التدابير المذكورة استنادا إلى تعلق هذه الأخيرة حصرا مجابهة الخطر الداهم المبرر لإعلان حالة الاستثناء.

وحيث يتبين بالرجوع إلى ملف الاستشارة، أن وزيرة العدل هي من وجهت إلى رئيس المجلس طلب إبداء الرأي الوارد عليه بتاريخ 27 ديسمبر 2021 مذيلا بإمضاء رئيس الديوان بالنيابة عن الوزيرة، فيما خلا الملف في المقابل ما يفيد استكمال مراحل وإجراءات العرض الأولي لمشروع المرسوم على المجالس الوزارية ذات النظر.

وحيث تأسيسا على ذلك تكون إجراءات الاستشارة الماثلة مختلة تبعا لعدم صدور طلب الرأي عن جهة المبادرة التشريعية المؤهلة دستوريا لذلك وممثلة في رئيس الجمهورية، وبحكم عدم إرفاق الملف بما يفيد أن الصيغة المعروضة لمشروع المرسوم هي فعلا وواقعا صیغته النهائية التي اكتملت  عناصر عرضها على التداول والمناقشة وأتمت موجبات تھیئتها ومراجعتها الأولية أمام الجهات الوزارية.

وحيث بناء على ذلك، ونظرا إلى أهمية مشروع المرسوم المعروض وما تضمنه من أحكام جوهرية يمكن أن تكون محل جدل وتداول وزاري مستفيض يؤول إلى إدخال تعديلات عليه، وتبعا لما كان يستدعيه الأمر من ضرورة التبكير بعرضه على رأي المجلس قبل أن يبلغ وضعا تتضح معه ملامحه، كضرورة إرجاء ذلك إلى حين الانتهاء من ضبط صيغته المستوفاة لموجبات التداول في نسختها المعدة للعرض على مداولة مجلس الوزراء، فإن الجلسة العامة ترى أنه من غير المتيسر لها إبداء الرأي في مشروع النصّ المعروض وأنه أضحى متعذرا عليها الخوض في مضمونه وتفحص محتوى فصوله فصلا فصلا، وفي ذلك احترام للإجراءات الأساسية التي يستوجبها النظام العام الدستوري طبق عناصره التي ضبطها فقه قضاء الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين.

وحيث من ناحية أخرى، وتأسيسا على قراري الجلسة العامة للمجلس المؤرخين في 04 نوفمبر 2021 و 05 جانفي 2022 آنفي الذكر، فإنه يتبين بالاطلاع على مضمون أحكام مشروع المرسوم المعروض كيفما تم إدراجه أعلاه،

 أنها تعلقت بإدخال إصلاحات جوهرية طالت لا فقط المنظومة القضائية في مستوى الأقضية الثلاث، وإنما شملت أيضا القانون المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء في الجانب المتعلق خاصة بصلاحياته في إدارة المسارات الوظيفية للقضاة والإشراف عليها والسهر على كفالة الضمانات المقررة لفائدتهم بهذا العنوان.

وحيث وفيما يتعلق بالإصلاحات التي شملت المنظومة القضائية في مستوى تنظيم المحاكم وإدارتها وسيرها والإجراءات المتبعة أمامها، فإنه يتبين بالاطلاع على مشروع المرسوم المعروض أنه استحدث صنفا جديدا من العدالة يتمثل في العدالة التصالحية باعتباره قد جاء بآلية قانونية جديدة  ومستحدثة في فض النزاعات لم يسبق اعتمادها من قبل في المنظومة القانونية والقضائية الوطنية والتي كانت تعتمد على العدالة القضائية الصرفة القائمة على فض النزاعات عبر التقاضي مباشرة أمام سائر المحاكم، مع جواز الصلح في بعض الحالات الذي ينهي النزاع من جهة ، والعدالة الانتقالية القائمة على مسار متكامل يرتكز على كشف الحقيقة والعدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار مثلما اقتضت ذلك أحكام القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 من جهة أخرى.

وأما بالنسبة لمشروع القانون المعروض، فجاء بصنف جديد مستحدث يتمثل في العدالة التصالحية التي تنم عن خیار تشريعي جديد، قائم على اعتماد المصالحة كأحد الطرق الودية البديلة لفض النزاعات الجنائية .

وحيث يمثل اعتماد هذه الطرق في فض النزاعات، إصلاحا جوهريا طال القضاء وإجراءات التقاضي وأسند للقاضي دورا جديدا لا تستوعبه أحكام الفصل 102 من الدستور التي نصت على أن “القضاء سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل، وعلوية الدستور، وسيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات”، كما لا يستوعبه النظام الإجرائي المعتمد حاليا في التقاضي أمام محاكم القضاء ولا سيما الجزائي منها .

كما تضمن مشروع المرسوم المعروض أيضا إصلاحا جوهريا آخر طال المنظومة القضائية باعتبار إحداثه من ناحية المحكمة استثنائية لا يمكن أن تندرج تحت طائلة أصناف المحاكم الموجودة العدلية والادارية والمالية (محكمة المحاسبات)، وباعتبار ما سيؤول إليه تطبيق أحكامه من ناحية أخرى عند صيرورته نافذا من إنهاء فعلي لوجود القطب القضائي الاقتصادي والمالي الحالي، ذلك أن كافة ملفات الفساد والقضايا المتشعبة المتعلقة بالمال العام والجرائم الاقتصادية والمالية المرتكبة في مجال التصرف في المال العام على معنى الفصل 3 من القانون الأساسي عدد 77 لسنة 2016 المؤرخ في 6 ديسمبر 2016 المتعلق بهذا القطب، أكانت منها القضايا التي ما تزال منشورة أمامه أو كذلك تلك التي سبق له أن بت فيها بموجب أحكام نهائية وصارت باتة إما بصدور قرارات تعقيبية في شأنها  أو بتفویت آجال الطعن فيها بهذه الوسيلة، سيتعهد بها القطب القضائي للصلح الجزائي سواء آليا أو بطلب من المدعى عليه.

وهو المآل ذاته الذي ستلقاه أيضا الملفات القضائية الجارية منها وكذلك السابق فصلها نهائيا أو بصورة باتنة، والمعروضة أو السابق عرضها على نظر الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية، باعتبار أن ذلك الصنف من القضايا أسنده مشروع المرسوم للنظر الحصري والآلي للقطب القضائي للصلح الجزائي المكلف دون سواه بمراجعة جميع ملفات الفساد المتوفرة بما في ذلك التي تم النظر فيها من قبل هيئات إدارية أو قضائية أو شبه قضائية أخرى.

وحيث تضمن أيضا مشروع المرسوم المعروض إصلاحا جوهريا آخر اتصل بتدخل في إدارة المسارات الوظيفية للقضاة وتحديدا في تسميتهم أعضاء بالقطب القضائي للصلح الجزائي على غير الصيغ الدستورية والقانونية النافذة، ضرورة أن المرسوم نصت على أن تسميتهم تتم بواسطة أمر رئاسي باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء وعلى أن الجلسة العامة لهذا القطب ستتولى تنظيم العمل بالقطب وستقترح نظامه الأساسي الذي ستتم المصادقة عليه بأمر.

وحيث أن في ذلك تعديل جوهري لصلاحيات المجلس الأعلى للقضاء في تسمية القضاة التي نص الفصل 106 من الدستور والفصل 45 من القانون الأساسي عدد 34 لسنة 2016 المتعلق بالمجلس على أنها تتم بناء على رأي مطابق منه في حين اقتضى مشروع المرسوم أنها تتم باقتراح منه، بما يؤول إلى سحب اختصاصه في تسمية هذا الصنف من القضاة بواسطة الرأي المطابق وفي إطار إجراءات إعداد الحركات القضائية الراجعة له بموجب الفصل 47 من القانون المتعلق به، كما أن ما أسند لكل من رئيس الجمهورية والجلسة العامة للقطب المستحدث من صلاحيات فيما يتصل بضبط النظام الأساسي للقطب يمكن أن يتضمن لاحقا أحكاما تتعلق بالمسارات الوظيفية والتأديبية للقضاة المعينين بالقطب وتغير بالتالي، سواء سلبا أو إيجابا، من طبيعة الضمانات المكفولة لهم بموجب أنظمتهم الأساسية الخاصة التي تمهد للمجلس الأعلى للقضاء حصريا صلاحية النظر فيها وإدارتها.

لذا وعملا بالأسباب الواقع شرحها أعلاه فانه لا نزاع في أن كافة ما تمت الإشارة إليه، إنما يعد من قبيل القيام بواسطة المراسيم وبمناسبة سريان الحالة الاستثنائية المعلن عنها، بإصلاحات جوهرية للمنظومة القضائية وللقانون المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء، والتي يتعذر على الجلسة العامة للمجلس إبداء الرأي بشأنها وبشأن مجمل الفصول المتعلقة بها.

في نفس السياق