"رؤيـة فـي الميثاق الوطني".. ورقة نورالدين البحيري في حوارات الميثاق الوطني سنة 1988 (وثيقة)

نشر من طرف لطفي حيدوري في الخميس 6 جانفي 2022 - 20:32
اخر تاريخ تحديث الخميس 7 جويلية 2022 - 10:54

تحدث قيس سعيد عند إشرافه اليوم، 6 جانفي 2022، على مجلس الوزراء بقصر قرطاج، عن المحامي والنائب نور الدين البحيري، نائب رئيس حركة النهضة الموجود قيد الاحتجاز التعسفي منذ يوم الجمعة 31 ديسمبر 2021 تاريخ اعتقاله وتحول وجهته إلى مكان احتجاز مجهول قال وزير الداخلية إنّه مقر "إقامة جبرية". وعلّق قيس سعيد على إضراب الجوع الذي يخوضه البحيري، بعد نقله لمستشفى بنزرت، وأشار إلى أنّ البحيري، دون أن يذكر اسمه، هو أحد من وقعوا على الميثاق الوطني.

وجدير بالذكر أنّ نصّ الميثاق الوطني وقع إمضاؤه بقصر قرطاج يوم 7 نوفمبر 1988 من قبل ممثلي أحزاب التجمع الدستوري الديمقراطي وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين (أحمد المستيري) والتجمع الاشتراكي التقدمي (أحمد نجيب الشابي) والحزب الشيوعي التونسي (محمد حرمل) والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان (محمد الشرفي الذي كان له دور في صياغة النص النهائي) إضافة إلى نور الدين البحيري وأحزاب أخرى.

وفيما يلي نص الورقة التي شارك بها الأستاذ نور الدين البحيري في نقاشات "الميثاق الوطني"، وهي مؤرخة في 14 أكتوبر 1988، الموافق الجمعة 3 ربيع الأوّل 1409.

 

توطـئة لمشروع المـــيثاق

إذا كان الاجتماع البشري تمليه وتقتضيه ضروريات العيش والحاجة الفطرية على التساكن والتعاشر والتكامل فإنّ هذا الاجتماع معرّض للانخرام والانفراط ما لم تقم على تنظيمه شرائع تتولّى ضبط العلاقات بين أجزائه حقوقا وواجبات قائم عليها سلطان يزع الناس بعضهم عن بعض ويكون في خدمتهم وعونهم إنفاذا لما توافقوا عليه لحفظ وترقية اجتماعهم.

ولقد كشف علم الانتروبولوجيا أنّ أقدم مصدر لتقنين العلاقات البشرية هو الدين إذ ليس في محصّلته النهائيّة العمليّة سوى رباط أو ميثاق يضبط علاقة الخالق بالمخلوق من جهة وعلاقة الناس بعضهم ببعض وعلاقتهم بسائر الموجود من جهة أخرى. ولذلك لم يكن بدعا أن كانت الكلمة الجامعة لعقائد الإسلام وهي خلاصة رسالات السماء كلها وشرائعه وأخلاقه لا تعدو كونها ميثاقا أو عهدا بين المخلوق والخالق تنبثق عنه جملة العهود الأخرى "أشهد أن لا إله إلاّ الله". فعن هذا العهد انبثقت جملة المواثيق التي أخذها الله عن الأنبياء وأخذها هؤلاء على أتباعهم وعن هذا العهد الاختياري بين المؤمن وربّه ينبثق أيضا بشكل اختياري عهد آخر بين المؤمن والجماعة (بمعناها السياسي) هو البيعة... والمتتبع لتاريخ تكوّن الجماعة المسلمة نواة الأمّة الإسلاميّة يتوقف عند محطة هامة هي انتقال الإسلام بالجماعة من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة، وهي نقلة قد قامت على تواثق بين الرسول عليه الصلاة والسلام كقائد للجماعة ممثلي المهاجرين والأنصار في العقبة. فلمّا انتقل الرسول القائد إلى يثرب وكانت على تركيب اجتماعي معقّد تتجاور فيه ديانات وأعراق مختلفة لم يكن بدّ- لتنظيم شؤون هذه الجماعة السياسية بما يضمن لهذا الجمع المختلف وحدة سياسية تضمن للجميع المواطنة حقوقا وواجبات ولدعم أسس الوحدة الوطنية في الدولة الجديدة- من وضع ميثاق ينظّم التعايش والتعاون بين مختلف أجزاء التركيب لهذه الأمّة السياسيّة الناشئة. فكانت الصحيفة هي عنوان الميثاق الذي وضعه النبي صلى الله عليه وسلم لتنظيم شؤون الدولة/ المدينة وترتيبها في مختلف المجالات الحيوية.

وتعدّ الصحيفة أقدم وثيقة تاريخية لأول دستور سياسي مكتوب في التاريخ البشري يتولى تنظيم شؤون (دولة- مدينة) تنظيما لا يقصي ولا يظلم طرفا اجتماعيا على أساس الدين أو أي أساس آخر (مهاجرين وأنصارا... يهودا على اختلاف مذاهبهم وأعراقهم، ومشركين على اختلاف قبائلهم). لقد وقّع الجميع من خلال زعمائهم على الصحيفة فانبثقت عن ذلك أمّة واحدة ذات كيان مستقل، كما نصّت الصحيفة: أمّة لا يظلم فيها أحد ويتآزر الجميع على حفظ النظام والدفاع عنه ولا يوالي عليها الأجانب عنها ولو من أبناء دينه وجلدته (وَالذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَالَكُمْ مِنْ ولاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْء حَتّى يُهَاجِرُوا) التوبة.

ولذلك تمثل الصحيفة فضلا عن أهمّيتها التاريخية من حيث كونها أول دستور مكتوب يتولّى تنظيم شؤون مدينة تنظيما يعترف صراحة بالتعدّد في إطار الوحدة الوطنية تمثل خير سند لتأصيل مبادئ النظام والحرية والعدل والتكافل والهوية بما يحفظ الاستقلال الوطني ويتسع لقبول الاختلاف في إطار الوحدة ولا ينغلق هذا الاجتماع بل ينفسخ على المحيط الثقافي والإنساني..

ولذلك كان من خطل الرأي وتزييف وقائع التاريخ  وبخس أمّتنا حقها الظنّ بأنّ محاولات المسلمين في العصر الحديث ومطالبتهم نخبة وجماهير بوضع مواثيق ودساتير تنظم علاقات المواطنة حقوقا وواجبات وتقيد سلطان الحاكم  هي مجرد أعمال منبتّة عن ديننا وتراثنا وليس لها من مصباح تستضيء به إلا التقليد الغربي... كيف يُظنّ بأمّة قامت ثقافتها وقام إرثها التشريعي العظيم وكذلك الفلسفي على الحرب الشاملة ضد الاستبداد (من جهاد وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر) انتصار لحرية الفرد وكرامته وأهليته لخلافة  الله سبحانه وتعالى وحمله للأمانة أمانة الحرية وتقرير المصير على المستوى العقائدي (لاَ إكْرَاهَ فِي الدين) البقرة - وعلى المستوى الاجتماعي (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود )  المائدة. وعلى المستوى الإداري عامّة (وَلاَ تَسْأَمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا )  البقرة.

كيف يُظنّ بأمّة قامت في أوّل (دولة - مدينة) في التاريخ على بيعة الرضا وعلى الميثاق (الصحيفة) ميثاق التعايش والتناصر بين مختلف مذاهبها وأعراقها أن يكون حديث أبنائها اليوم على الحرية في إطار الالتزام وحقوق المواطنة على التساوي في إطار التعددية السياسية والفكرية وحق الاختلاف في إطار المجموعة الوطنية ضربا من الانتهاز أو الانبهار أو الموقف العابر؟

 

الإسلاميون وفكرة الميثاق

كان من الطبيعي بعد أن تكثفت دلائل فشل المشروع البورقيبي أن يدبّ الشك في جملة المسلّمات التي نهض عليها ذلك المشروع ومن الوحدة القومية في إطار الحزب الواحد والزعيم الأوحد، وكان من الطبيعي أيضا أن تبرز تيارات سياسية وفكرية على أنقاض تلك الأيديولوجية حتى وإن كان التباين معها جزئيا في أحيان كثيرة.

 وإزاء فسيفساء البدائل التي برزت على الساحة مع نهاية السبعينات أصبحت الخشية حقيقية على وحدة الجماعة الوطنية أن تذهب بها رياح التشتت والخلاف. إزاء ذلك تداعت أصوات كثيرة من مختلف المواقع السياسية والفكرية إلى الدعوة إلى صحيفة جديدة أي إلى ميثاق وطني يضبط أصول وقواعد ينهض عليها المجتمع التعدّدي ديمقراطيّا. ولقد كان الإسلاميون (ضمن جملة من الحركات السياسية ) قد اشتركوا في هذه الدعوة مؤكدين ضرورة الميثاق وأنّه ليس من مصدر حقيقي لمشروعيّة غير إرادة الجماهير. وكانت أهم الوثائق التي حملت موقفهم ذاك مقالا صحفيا بعنوان" التعددية حق والجماهير هي المحدد لشروط ممارسته" (الصباح 1981) وذلك نبذا لكل طرائق المنّ على الشعب ومحاولات فرض الوصاية عليه من خلال أيديولوجية الحاكم.

ولم تنجح إدارة الظلم والاستبداد في فرض الاستسلام على الشعب حتى جاء 7نوفمبر الذي أتبع بمبادرة سيادة رئيس الدولة بالدعوة إلى وضع ميثاق وطني يجمع ممثلي مختلف التيارات الفكرية والتنظيمات السياسية والجمعيات المهنية والاجتماعية حول مائدة الحوار للاتفاق حول الحد الأدنى الذي يجمع التونسيين بمختلف انتماءاتهم في هذه المرحلة من تاريخ البلاد.

ولقد عبّرنا منذ أول وهلة عن تقديرنا لهذه المبادرة باعتبارها جسدت إرادة فعلية في طي صفحة الماضي وإحلال لغة الحوار محل لغة الإقصاء كما عبّرنا عن قناعة مبدئيّة بأن المشاركة في تحديد ملامح حاضر تونس ومستقبلها حق لكل التونسيّين بدون استثناء وأنّنا إذ نؤكد من جديد تجاوبنا التام مع ما جاء في رسالة السيد رئيس الدولة حول الميثاق وفي افتتاح أعمال اللجنة العليا من تأكيد على أن الميثاق المنشود ليس برنامج حكومة ائتلاف ولا هو بديل عن دستور البلاد بل هو اتفاق يسعى إلى جمع  إرادة كل التونسيين عن طواعية حول حد أدنى من المبادئ وعقد أدبي لا إقصاء فيه ولا احتواء فإنّه مع هذا لا يفوتنا التنبيه إلى أنّ في نفوسنا بعض خشية من طابع الاستعجال الذي يمكن أن يحدّ من الآمال المعقودة على هذه المبادرة دون أن يمنعنا ذلك من تقديم ورقة متواضعة دفعا للحوار وعملا على تعميقه وهي وجهة نظر تعرضنا للنقاش والدرس والتمحيص.  

 

 الباب الأوّل: الهُويّة

توطئة:

إنّ الحديث عن الهوية الحضارية للمجتمع التونسي يكتسي أهمّية خاصّة في هذه المرحلة بالذات من تطوّر بلادنا التي يقف أبناؤها اليوم لاستشراف سبل النهضة والنماء بعد أن زال كابوس الحكم الفردي. لذا يتعيّن التأكيد أنّ مبدأ "دعم هويتنا" ليس مجرد شعار مرحلي أو ورقة سياسيّة ذات وظيفة مؤقتة تنتهي بتغيّر موازنات سياسية معيّنة. بل هو مبدأ أصيل ودائم يستمد مشروعيته وأهميته من ارتباطه بأبعاد مصيرية تمسّ كيان المجتمع وتتوقف عليها مناعته وتقدمه. ومن هنا تتأكد .ضرورة تحديد مضمون الهوية الحضارية المطلوب دعمها وصيانتها حتى تتبلور استتباعات ذلك سواء على صعيد الالتزام الذاتي أو في مستوى النتائج الموضوعية المنجرّة عن ترسيخ هذه الهوية

 

مفهوم الهوية

إذا كانت هوية أي شيء تعني جملة الخصائص التي بها يقوم وجوده في ذاته وعلى أساسها يتميّز عن غيره من الأشياء فيمكن بذلك تعريفه بدقّة وجلاء- كما يقول علماء المنطق- فإنّ هوية تونس الحضارية متشكلة من مجموع الخصائص والمقومات الفكرية والأخلاقية والتنظيمية التي يتوقف عليها كيان مجتمعنا ويختص بها عن سائر المجتمعات أو يشترك فيها مع غيره كليا أو جزئيا. وهي خصائص ومقومات قد اكتسبها شعبنا تاريخيا فتبلورت تدريجيا عبر القرون وغدت عماد "شخصيتنا الأساسية" ومعطى موضوعيّا في واقعنا الحديث.

وعليه فإنّ هذه الهوية ليست مفارقة لواقعنا الاجتماعي أو متعالية عليه وإنّما هي منضبطة داخله متأثرة بصراعاته ومؤثّرة في صيرورته بحيث أنّ كلّ فرد في هذا المجتمع يظلّ خاضعا لها سواء أراد ذلك أو أباه. إنّها تتجلّى في إيمان الناس بالله وبالرسالة وبالغيب وفي تكيّف السلوك الاجتماعي العامّ بقيم ظلّت منضبطة لموازين الحلال والحرام المتأصّلة في الضمائر. وتبرز مظاهر ذلك وآثاره جليّة في لغتنا الوطنية التي نجدها مثقلة بشحن دلالية تعكس تلك المعتقدات والقيم والموازين وترسّخها بحيث لا تكاد تخلو عبارة لغوية من الإحالة إلى دلالة عقائدية أو أخلاقية تفرض نفسها على كلّ مستعمل للغتنا حتى وإن كان غير منسجم مع تلك المضامين الدلالية المتداولة.

وبناء على هذا المعطى فإنّ دعم هويتنا الحضارية ليس تجنيحا في عالم المثل أو محاولة للتعسف على الواقع بإخضاعه قسرا لجملة من الأفكار المجردة وإنّما هو جهد منبثق عن نزعة واقعية تستند إلى استقراء موضوعي لبيئتنا الاجتماعية الثقافية واستخلاص أهمّ عناصر القوة التي تميّزها قصد الاستناد عليها. وعلى العكس من ذلك فإنّ التعسّف على الواقع يكمن في التنكّر للهوية والسعي إلى استبدالها.

 

مقوّمات هويتنا

إنّ تحديد مقومات الهويّة الحضارية للبلاد التونسية يقتضي بالضرورة القيام بعملية استقراء تاريخي يتجلى من خلالها أن تونس قد تتابعت عليها عبر التاريخ حضارات عديدة أثرت بأقساط متفاوتة وفي اتجاهات متنوعة إلى أن حلّ بها الفتح الإسلامي. فأمكن للحضارة الإسلامية أن تشيّد نفسها على هذه الأرض وأن تطبع المجتمع التونسي بخصائص باقية على أصعدة العقائد والقيم والعلاقات والعادات واللغة العربية. ففي حين لم يبق من الحضارات التي سبقت دخول الإسلام سوى بعض الآثار المادية والأطلال المغمورة وما عساه أن يكون قد تسوق مع قيم الإسلام ونظمه فغدا جزءا من ثقافته، ظلّت الحضارة الإسلامية حاضرة فينا رصيدا نفسيّا متفاعلا وقيما سلوكية محترمة ونظم تشريع ومؤسسات فاعلة.

فالاعتبارات التاريخية والواقعية معا تقضي بأنّ الإسلام والعروبة هما عماد هويتنا الحضارية. فقد ظل الإسلام كدين مصدرا لعقائد الناس ولتصوراتهم الفكرية ومعينا ثريا يقيم الحق والخير والعدل والحرية بما يجعله دائما أسلم منهج للحياة قادرا على أن يوفر لمجتمعنا مزيدا من النهضة والتقدم في مجالات المعرفة والسلوك وتنظيم العلاقات وأن يكون أساسا متينا لضمان حقوق الإنسان خليفة الله في الأرض والمتميّز عن سائر الموجودات بتكريم خصوصي "ولقد كرّمنا بني آدم". وسيأتي تفصيل ذلك في بقيّة أبواب الميثاق.

ويجدر الانتباه إلى الفرق القائم بين الإسلام كعقائد وقيم وتشريعات متضمّنة في القرآن والسنّة وبين التراث الإسلامي الذي كان حصيلة تفاعل العقل المسلم مع الواقع التاريخي المتغيّر. فلئن استلزم دعم الهوية استلهام الإسلام في ذاته فإنّ استثمار التراث الإسلامي الذي لايزال حاضرا فينا يحتاج إلى جهد تحليلي ونقديّ حتى تتمايز القيم الخالدة التي يتضمّنها عن الخصوصيات الظرفية والاجتهادات المحكومة بحدود الزمان والمكان وبقصور الإنسان وخطأه أحيانا.

أمّا فيما يخصّ الدعامة الثانية لهويتنا "العروبة" فإنّه لمن فضل الله تعالى أن لم تعرف بلادنا تاريخيّا مشكلة التعارض بين نزعة عروبيّة وأخرى إسلامية نظرا إلى ما تميّز به مجتمعنا من انسجام في تركيبته الثقافية ونسيجه التنظيميّ نتيجة ما أحدثه الإسلام من صهر كلّ الفئات ضمن منظور عقائدي ونظام سلوكيّ واحد بعيدا عن أيّ لون للطائفيّة. ولقد كان من آثار الفتح الإسلامي أن تعرّبت بلادنا وسائر بلاد المغرب بصورة نهائيّة فباتت العروبة تبعا لذلك تمثّل الوجه الثاني لهويتنا وتتلازم مع الإسلام وجودا وعدما على اعتبار أنّها بمثابة الإطار الذي يحتوي مضامينه الفكرية فينقلها ويضمن دوامها مثلما تنقله وتصونه. وإذن فليس لهذا الإطار العربي من معنى إذا ما تمّ شحنه بمضامين فكرية من شأنها أن تجعل من العروبة إيديولوجية قائمة بذاتها، لا مجرّد خصوص من عموم وتقدم نفسها بديلا عن الإسلام وتعتبر أنّ "الدين لله والوطن للجميع" فهذا التصوّر وفضلا عن كونه منبثقا عن فهم خاطئ لوضع غير المسلمين في المجتمع الإسلامي نشأ في بيئة مشرقية مغايرة لبيئتنا، هو تصوّر يقلّص من أبعاد الانتماء الحضاري ويحدّ من آفاق العمل الوطني فيقصرها على المنطقة العربية دون بقية بلدان الوطن الإسلامي. وهي لعمري خسارة للعرب قبل غيرهم حيث أنّهم يحرمون أنفسهم وفق هذا التصوّر التجزيئي من أرصدة أمنية واقتصادية وحضارية هائلة متوفرة في المحيط الإسلامي.

 

الدور التاريخي والحضاري لهويتنا

لئن اعترت بعض فترات تاريخنا الإسلامي عوارض تخلّف تستحق التحليل والنقد فإنّ جوهر المضمون الحضاري الذي ورثناه عن الماضي قد صاغ ميلادنا بصورة نهائية.

فقد عرفت تونس محاولات عديدة لطمس هويتها والنيل من مناعتها بدءا بالحملات الصليبيّة التي تمّ دحر آخرها على مشارف قرطاج ومرورا بالاستعمار المباشر الذي سعى بواسطة حملات التبشير ونشر الثقافة الفرنكوفونية إلى تنصير شعبنا وإلحاقه ثقافيّا بعد أن جزّأ الوطن الكبير وزرع بذور الفرقة والتذرّر وانتهاء بالغزو الفكري والاستعمار الثقافي المعاصر الذي يعمل على نشر عقلية التحلّل من الدين ومن الأخلاق وعلى ترسيخ قيم الاستهلاك واللهو والأنانيّة واللامبالاة.

لكنّ تمسّك شعبنا بهويته الإسلامية العربية كان أهمّ عامل في إفشال تلك المحاولات كلّها وصيانة كياننا عبر التاريخ.

حيث أدّت الثقافة المنبثقة عن الجامعة الزيتونية وظيفة الحفاظ على التجانس الفكري والوحدة الاجتماعية والتصدي لمحاولات المسخ وشق الصفوف. وكانت قيم التحرر والعزّة والجهاد المتضمنة في الإسلام أهمّ حافز لمقاومة شعبنا للمستعمر الفرنسي وضدّ الحكم الفردي. وإذا كانت وظيفة الإسلام كدين وكتراث في مراحل ضعف مجتمعنا وتراجعه متّسمة بالمحافظة على وحدة كيانه وعلى استقلاله، فإنّ هذا الدين قد اضطلع في مراحل قوّة المجتمع ومدّه بوظيفة الحفز على العمل والنهضة والتقدم. وهو بذلك قمين بأن يندرج اليوم في نفس هذا المنحى فيوفّر رصيدا إيجابيّا للانطلاق ببلادنا على طريق النهضة لتحقيق شرطين متلازمين من شروطها وهما:

المناعة الداخلية لمجتمعنا بترسيخ أسسه الثقافيّة وإقامة العلاقات داخله على قواعد التضامن والتآخي والعدل والإحسان حيث (إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) بعيدا عن العصبية أيّا كان نوعها (ليس منّا من دعا إلى عصبيّة، حديث نبوي) وبعيدا عن المظالم الاجتماعية والحيف السياسي لأنّ (الناس سواسية كأسنان المشط، حديث نبوي) وفي كنف ترسيخ قيم العمل الصالح الذي تزكو به إنسانية الإنسان.

ضمان عزّة مجتمعنا: معنويّا باعتزاز كلّ أبنائه بخصوصياتهم الحضارية. أي بالإسلام وبتراثه الإيجابي وبالعروبة بما يخدم تحررهم من عقد النقص وشعور الانهزام إزاء الحضارات الأخرى. وسياسيّا بتوفّر المقوّمات الحقيقيّة لقوّة البلاد واستقلالها عن محاور الاستقطاب العالمي والهيمنة الدولية. علما بأنّه لا سبيل إلى ذلك إلاّ بدعم الوعي بالانتماء إلى الإسلام وأمّة المسلمين وتجسيم هذا الوعي في واقع من التعاون والتكامل الاقتصادي والسياسي بين مختلف بلدان المغرب والمنطقة العربية والوطن الإسلامي الكبير تحقيقا للوحدة التي هي أساس الاستقلال الحق وضمانة أمن البلاد وقوّتها وتقدّمها.

مستلزمات دعم الهوية

إذا تأكد أنّ الإسلام والعروبة هما عماد هويتنا الحضارية التي كان لها دور حاسم في ضمان وحدة نسيج مجتمعنا وحماية كياننا عبر التاريخ، أمكن القول إنّ الالتزام بدعم هذه الهوية هو شرط لازم لكل نهضة. وإنّ إغفال هذا الشرط قد كان في العهد السابق عاملا أساسيّا في فشل خطط تنموية على أكثر من صعيد وفي إحداث مشاكل وأزمات اجتماعية وسياسية كادت تؤدي بالبلاد إلى حالة من الفوضى والدمار.

وإن الوفاق الحاصل اليوم مبدئيا بين مختلف العائلات الفكرية والتيارات السياسية حول حتمية تفادي هذا الخلل الحضاري واعتماد الهوية قاعدة للنهضة يستلزم سعي الجميع إلى مراعاة مقومات هذه  الهوية كلما تعلق الأمر بتحديد أنماط المعرفة والسلوك والعلاقات التي ننشد إرساءها داخل مجتمعنا أو كلما تم التفكير في نوع الانتماء الوطني وضوابط العلاقات الخارجية بما يضمن استقلالنا الأمني والحضاري ويكون دلك عمليا بتحقيق ما يلي:

احترام عقائد الإسلام وأحكامه ونظمه وحسن التعريف بها في برامج التربية والتعليم وفي محتوى وسائل الإعلام ومن خلال مختلف المناشط الثقافية والتوجيه الديني التزاما بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا اُدْخُلوا فِي السَّلْمِ كافَّةً ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشيْطَانِ )_صدق الله العظيم_

إشاعة قيم الإسلام السلوكية داخل المجتمع من أجل إيجاد المواطن الصالح الذي يحمل أمانة خلافة الله في الأرض ويجهد نفسه لتعمير الكون بالكدح وإقامة العدل( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبُورِ مِنْ بَعْدِ الذكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالِحُون).

احترام مشاعر المؤمنين بعدم الاعتداء المادي أو المعنوي على شعائر الإسلام وقيمه ومؤسساته واحترام مبدأ حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية.

أن تكون التشريعات والقوانين في مختلف مجالات الحياة ملتزمة بدستور البلاد الذي ينصّ على أنّ الإسلام هو دين الدولة.

إيلاء الاجتهاد المكانة التي يستحقها ضمن دائرة الإيمان وبشرط الكفاءة العلمية حتى يمكن استيعاب كل مشاكل الواقع الحديث والاستفادة من الإنجازات البشرية المعاصرة التي تتماشى ومقاصد الإسلام العامّة في تحقيق المصلحة للعباد. وأنّ ذلك في فهمنا هو مناط صلاحية الإسلام لكلّ زمان ومكان.

تعريب التعليم والإدارة بأسلوب جادّ وشامل على نحو أن لا يقف الأمر عند حدّ استبدال لغة بأخرى في نقل المعلومات والتخاطب. بل يتعدّى ذلك إلى مستوى النضال الناصب من أجل صيانة الكيان ورفع تحديات الاستعمار الثقافي بما يستتبع تلازم التعريب في مجال التعليم مع تحسين المضمون المعرفي في اتجاه اعتماد المناهج العلمية الحديثة والاستفادة من نتائج العقل البشري في كل مجالات المعرفة والتقنية.

فالتعريب بهذا المعنى يستلزم امتلاك الباحثين للغات أخرى تكون وسائل لتعريب المعرفة وإثراء البحث العلمي ودعم التقدّم التقني في بلادنا.

دعم كل مبادرة أو توجّه يهدف إلى تجاوز واقع التجزئة الذي يعيشه العرب والعمل على تحقيق وحدة عربية تتوفر لها قواعد الجدية والدوام... وتكون سبيلا إلى وحدة أشمل في إطار الوطن الإسلامي الكبير. إذ لامستقبل في عالم اليوم للكيانات الوطنية الضيّقة حيث يفرض واقع التكتلات العالمية الأخذ بأسباب البقاء والأمن ضمن إطار حيويّ أوسع.

الخاتمة:

إنّ اشتراك كل التيارات الوطنية في الالتزام بدعم هويتنا العربية الإسلامية بقدر ما هو ضرورة نهضوية وسبيل إلى مناعة كياننا الوطني وفتح أفق التقدم لايجب أن يفهم على أنّه إعدام للذاتية السياسية التي يختص بها كل تيار. وإنّما هو في حقيقته وفاق وطني على جملة من الثوابت العامة في شخصيتنا الأساسية يجوز الاختلاف ضمنها حول تحديد الرؤى الفكرية وصياغة البرامج السياسية واستنباط الحلول العملية لمختلف مشاكل البلاد وذلك هو مضمون التعددية التي تجد أصولها في مبادئ الإسلام وفي تاريخ المسلمين الذي شهد تنوّعا فكريا وتعددا سياسيّا أسهم في إثراء التراث وفي امتداد الأمّة ووحدتها.

وإنّ هذا التصوّر للهوية إذ يوفّر أرضية مشتركة لكلّ الأطراف الوطنية من شأنه أن يصوغ نمطا للمجتمع يقوم على الوحدة بين الدين والحياة ويستبعد تلك المفاهيم الغريبة عن ثقافتنا فتتنزّه الممارسة السياسية وفق هذه الرؤية عن الأسلوب الميكيافيلّي وترتبط بالأخلاق وبخدمة المصلحة العامة وهو لعمري من أهمّ الحوافز الذاتية على العمل والنهضة والتقدم.

 

الباب الثاني: الديمقراطية والحريات

إذا كان من دواعي الشرف والاعتزاز أن ولدنا فوق هذه الرقعة الزكيّة وأن انتسبنا إلى هذا الشعب العربي المسلم المؤمن بمكانة الإنسان وبحقوقه، فإنّه من الخطأ الحسبان بأنّ الديمقراطية فكرة مستوردة أو بديل مسقط على واقعنا بخاصّياته الجغرافية والحضارية والمرحلية، ذلك أنّ الديمقراطية بما هي احترام للحريات الفردية والعامة وإيمان بحق الاختلاف بين أبناء الشعب الواحد واقتناع بحق كل فرد في المشاركة في الحياة وتحديد مستقبل البلاد وبحقه في الشغل والحياة الكريمة، تمثل بهذا المعنى قيما أصيلة لها مكانتها الخاصة في شخصية شعبنا الوطنية العربية الإسلامية.

 

1- الديمقراطية قيمة حضارية أصيلة

إنّه وفي نفس الوقت الذي نعتقد فيه بأنّ مبادئ حقوق الإنسان بصفة مطلقة لا وطن لها بل وطنها العالم كله فإنه وجب علينا القول بأنّه مما يمّيز شعبنا عن غيره أنّ منشأ الإيمان بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية عنده كان منشأ مبدئيا منطلقا من نصوص الوحي وتعاليم الإسلام ومدعما بالتجربة الثرية التي خاضها الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته والصالحون من أبناء هذه الأمّة من بعده في صراعهم المرير ضد الاستبداد والميز العنصري والاستغلال وكل أشكال الاعتداء على كرامة الإنسان وحقوقه وحرمته الجسدية، ذلك أنّ تأصيل قيم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في مجتمعنا العربي الإسلامي ناتج عن سيادة تصّور للإنسان الذي يعتبر أكثر من مجرد مواطن تمنح له بعض الحقوق السياسية تمنح له بعض الضمانات الاجتماعية. بل إنّ إنسانيّته هي عنوان تكريمه من لدن المولى عز وجلّ ومناط تكليفه (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم/ الإسراء 70). ولذلك لا غرابة أن يكون الإنسان غاية وأساس ووسيلة كل مجتمع مدني متحضر.

وإنّ من نتائج هذا التكريم الإلهي أن أضحى الإنسان خليفة الله في أرضه والمكلف بتعميرها والاستفادة من خيراتها ومخلوقاتها سواء كانت موجودات طبيعية أو مستحدثات بشرية. ولذلك فلا غرابة أن تكون الدولة من هذا المنظور مسخرة لخدمة الإنسان ونفعه وهي مطالبة بأن لا تشذّ عن مبدأ التسخير العام الذي يتضافر على الانخراط فيه كلّ الوجود. كما أنّه أن يغدو العمل على بناء مجتمع قائم على الشورى والعدل والإحسان وعلى إعطاء كل ذي حق حقه والتصدي لكلّ مظاهر الانحراف التي فيها مسّ من الحريات الخاصة والعامة وحق الإنسان في التفكير وحرّية ضميره ومعتقده (لا إِكْرَاهَ فِي الدين قد تَبيَّنَ الرشْدُ مِن الغَيّ) البقرة/ 256. وحقّه في التعبير وتحريم المسّ من حرمته الجسدية وحرمة مسكنه (يا أيّها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلّموا على أهلها) وحقه في العيش الكريم.. لا غرابة أن يكون كل ذلك واجبا شرعيا لذلك فإنّ من قتل نفسا بغير حق فكأنّما قتل الناس جميعا. ولذلك أيضا حظي المظلوم المعتدَى على حقوقه مهما كان لونه وجنسه ومعتقده ومستواه الاجتماعي بامتياز عند الله سبحانه وتعالى عن غيره من البشر إذ ليس بين دعائه وخلقه حجاب.

وإذا استهدفت هذه المبادئ خلال العديد من فترات تاريخ أمّتنا إلى الاعتداء وذلك بداية من تسلّط الأمويّين وافتكاكهم لزمام الأمور. وإذا ران على هذه القيم في مراحل كثيرة غبار كثيف غذّاه الجهل والتقليد الأعمى وانتفاء جذوة روح الاجتهاد والإبداع فإنّ تاريخ هذه الأمّة لم يخل من محاولات قديمة وحديثة لتأكيد هذه المبادئ وتجسيدها. وكما شهد وطننا العربي الإسلامي انبناء دولة على أساس الوفاء لهذه المبادئ (تجربة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه شرقا- دولة الموحدين غربا) شهد على اساس نفس المبادئ قيام حركات إصلاحية قديمة وحديثة (صلاح الدين الأيوبي، ابن تيمية، الإمام سحنون، محمد عبده، الأفغاني، رشيد رضا، عبد العزيز الثعالبي... وغيرهم)

أمّا على المستوى المحلي فلقد كان تاريخ انبناء تونس حافلا بالنضال ضد الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي والتزييف الثقافي وخاصة ضد الآخر حلقاته مماثلة في العهد السابق، إذ كان من الواضح للعيان متانة الارتباط خلال فترة الاستعمار المباشر والوجود الفرنسي بين النضال من أجل التحرر الوطني والاستقلال والنضال من أجل الديمقراطية والدفاع عن الحقوق المادية للتونسيين فإنّ التاريخ يسجل بكل فخر واعتزاز أنّ شعبنا وطلائعه السياسية والاجتماعية فقد دفعوا الكثير من أجل ضمان حق التونسي في التفكير والتعبير وحقه في العيش الكريم والتمتع بخيرات بلاده حتى جاء السابع من نوفمبر الذي كان تتويجا لنضال تاريخي مرير ضد التسلّط وانطلاقة هامة وتاريخية نحو تأسيس المجتمع المدني ودولة القانون.

وحتى تكون خطوات بلادنا من أجل تعزيز المبادئ والتوجيهات المعلنة خطوات ثابتة متبصرة ومن أجل توفير إرادة شعبية تدعم الإرادة السياسية المتوفرة وتحمي خطواتها، وجب التنبيه إلى معطى هام وهو أنّ الخيار الديمقراطي- مدّا وجزرا- ليس رهين إرادة سياسية فقط بل هو رهين ثقافة جماعية.

 

2- النضال من أجل الديمقراطية نضال ثقافي قبل كلّ شيء

  يقول منتسكيو في كتابه "مقدمة لروح القوانين" "في زمن الجهالة لا نشعر بتأنيب الضمير، حتى وإن ارتكبنا أكبر الشرور، وفي زمن التنوير نضطرب، حتى ولو قمنا بأفضل الأعمال". إنّ هذه القولة لكفيلة بإقناعنا بأنّ تحقيق الديمقراطية قبل أن يكون مجرد عملية نقل السلطات بين الحاكم والمحكوم هي عملية تكوين الإحساسات وردود الأفعال والمقاييس التي تشكل أسس ديمقراطية ما في شعب ما وفي تقاليده، ومن أجل ذلك وجب النظر إلى الديمقراطية من خلال نقاط ثلاث:

من حيث كونها شعورا ذاتيا للإنسان.

من حيث كونها شعورا تجاه الآخرين.

من حيث كونها مجموعة ظروف اجتماعية وسياسية ضرورية لتكوين مثل هذه المشاعر لدى الفرد والمجموعة وتفتّحها.

يقول المفكر مالك بن نبي رحمه الله "إنّه من البديهي أنّ الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق كواقع سياسي باعتبارها سلطة الشعب ما لم تكن قد ترسخت قبل ذلك داخل الفرد الذي يتكوّن منه الشعب، ما لم تكن قد ترسخت في ذاته، في بنيته الشخصية، ما لم توجد في المجتمع كمجموعة أعراف وعادات وممارسات وتقاليد. إنّ الإحساس الديمقراطي لا يتكوّن في أيّ ظرف أخلاقي واجتماعي إنّه نتيجة لثقافة معيّنة تتويج لمذهب إنساني أي نتيجة تقدير معين للإنسان في مستواه الشخصي وعلى مستوى علاقاته بالآخرين".

وإذا كان "قيزو" في تأريخه لأوروبا منذ نهاية الامبراطورية الرومانية حتى الثورة الفرنسية قد أتاح لنا فعلا متابعة عملية تحقيق الديمقراطية ونشوء الإحساس الديمقراطي في أوروبا فإنّ الناظر لتاريخ المسلمين يتبين أنّ هذا الإحساس الذي نشأ مثلما سبق أن أوضحنا منشأً مبدئيا منطلقا من نصوص الوحي قد عبّر عن نفسه من خلال تجربة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته والعديد من حركات الإصلاح والنهضة. ولذلك فإنّ العملية الديمقراطية في عمقها تمثل نوعا من الحد النفسي الذي يبدو تحته شعور الرق وفوقه شعور الاستبداد فيكون للإنسان الحر بذلك إثبات بين هذين الأمرين الرق والاستبداد كما تكون عملية التطور نحو الديمقراطية مستوجبة لأن يتخلّص المواطن حكما ومحكوما من التوجيهات المضادة للديمقراطية الكامنة في باطنه وذلك بالحد من الميل نحو الاسترقاق لدى الأوّل ومن الميل نحو الطغيان لدى الثاني. ولقد نبّهت آيات القرآن بوضوح من الوقوع في ذلك "تِلْكَ الدارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها للذين لا يريدونَ عُلُوًّا في الأرضِ ولا فسادا والعاقِبَةُ للمتقينَ" القصص/82  "إِنَّ الذينَ تَوَفَّاهُم المَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَا كُنْتُم قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسِعَةٌ فَتُهَاجِرُوا فيها فأولئكَ مَأْواهُم جَهنّمُ وسَاءَت مَصِيرا إِلاَّ المُسْتَضعفينَ مِنَ الرجالِ والنساءِ والوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعونَ حِيلةً ولا يَهْتدونَ سَبيلا فأولئك عَسى الله أنْ يَعْفُوَ عنهم وكان الله عَفُوّا غفورا" النساء /97 .98 .99 .

إنّه من الطبيعي أن يتحوّل الإحساس الديمقراطي إلى ثقافة وعقيدة ذلك أنّ كلّ مشروع لتحقيق الديمقراطية هو مشروع تربويّ لكلّ أفراد الشعب على الصعيد النفسي والأخلاقي والسياسي والاجتماعي تكون له نتائج واضحة في نظام الحياة وتشاريعه وعلى صعيد أفعال الإنسان وحقوقه والضمانات التي يتمتع بها وعلى صعيد تصرّفات السلطة وصلوحياتها وحدودها وكذلك على كيفية تكوّنها مما يدعم القول إنّ الديمقراطية في جوهرها ليست مجرد إعلان عن أنّ شعبا ما هو صاحب السيادة، بل هي نتاج عمليّة مركّبة يسعى الجميع من خلالها إلى خلق الإحساس والثقافة والتشريعات الديمقراطية وإلى جعلها ممارسة سائدة في واقع المجتمع وخلاياه على نحو ألاّ تغيب الديمقراطية عن ضمائر المواطنين ومطالبهم ونضالاتهم حتى في صورة عدم وجود نصّ يحميها أو تعرّض ذلك النصّ  للإلغاء من طرف مستبد أو وضع نصّ معاد لها لأنّ أسس الديمقراطية أعمق من سطر مكتوب... إنّه يجد مكانة في عمق الإنسان وفي إرادته وفي إحساسه وثقافته وعقائده وتقاليده وأعرافه وممارساته.

 

3-الديمقراطية أساس للعمران

إنّه لا نهضة ولا تقدّم في ظلّ غياب الديمقراطية السياسية والاجتماعية واحترام الحريات العامة والخاصّة، ذلك أنّ الاستبداد السياسي كان تاريخيّا مرادفا للتخلّف والتطاحن والانهيار الاقتصادي والاجتماعي والحضاري بصفة عامّة. وعلى هذا فإنّنا لا نخطئ القول إذا أكدنا جملة القناعات التالية :

إنّ الديمقراطية ضرورة من ضرورات تأسيس المجتمع المدني الناهض ودعمه وتجذيره.

إنّها الوسيلة الأرقى لتطوّر الحياة السياسيّة في البلاد ولقيام علاقات سويّة بين مؤسّسات الحكم وبين الشعب والدولة وبين مختلف التنظيمات.

إنّها ضمانات أساسية لحماية الحريات وبناء مجتمع قائم على العدل وتكافؤ الفرص الرافضة للعنف مناهضة للتطرّف.

وإذا كان تأسيس المجتمع المدني والحفاظ على العمران وتطوّره ورقيّه يتطلّب جهدا من قبل كلّ أبناء البلاد مهما اختلفت مشاربهم ومواقعهم وإذا كان التغيير الحاصل قد فتح المجال أمام الأمل في تكريس الخيار الديمقراطي فإنّه يجب التنبيه إلى أنّ المعركة من أجل تحقيق المزيد من المكاسب لم تنته وإنّ ما تحقق منها وهو الكثير ولله الحمد لا يجب أن ينسينا أنّها معركة شاقة وطويلة تستوجب المزيد من التجنّد من أجل تأصيل قيم الديمقراطية والحرية داخل كلّ مؤسسات مجتمعنا ومن أجل القضاء على كلّ موروث ومكتسب يعادي هذه القيم النبيلة.

 

4- المجتمع المدني أساس للديمقراطية

عندما تفتقد الروح الديمقراطية أساسها في شخصية الفرد وحينما يفقد الفرد الشعور بقيمته وقيمة الآخر تتوقف تلك الروح عن التعبير عن نفسها في عالم الواقع فالديمقراطية تتطلب تجسدا لمبادئها وحقائقها في إطار مجتمع يعيشها ويحفظها فهي بهذا المعنى جملة متناسقة مترابطة من المقتضيات التي تمس حياة الجماعة والفرد. وهاهنا يبرز – إلى جانب عنصر الثقافة والوعي- دور المؤسسات ضمانا أساسيا لحياة جماعية وفردية ديمقراطية، حيث تتضافر تلك المؤسسات والهياكل عائلة كانت أو جمعيات أو أحزاب أو دولة... في بناء المجتمع وصيانته باعتبار البناء والصيانة معا مسؤولية مشتركة لاتستقل بالنهوض بها جهة دون الأخريات.

وعلى هذا فإنّه لابدّ من تأكيد جملة من المبادئ أهمّها:

1- احترام النظام الجمهوري باعتباره أحد ركائز المجتمع المدني : إنّ تلك المسؤولية المشتركة بين الهياكل الوطنية والمؤسسات المجتمعية لَتُبرِزُ أنّ الدولة من جهتها على أهمية دورها تظلّ بالأساس مصدر تأطير لا مصدر إنشاء للمجتمع المدني  الذي هو نقيض المجتمع السلطوي الاستبدادي العبودي.

وعلى هذا الأساس فإنّ المجتمع هو منشأ الدولة لا العكس. وأنّ ذلك الدور التأطيري الأساسي للدولة هو في الأخير لصالح الدولة ذاتها أيضا يخفف من حملها ويضمن حفظ المجتمع المدني نفسه بنفسه بحفظ مقوّمات الحياة والتطوّر الذاتي فيه. وهذه الصيغة من العلاقة هي أفضل ضمان ضد القطيعة بين الحاكم والمحكوم وتواكل المواطن باعتماده السلبي على الدولة.

وبهذا المعنى فإنّ النظام الجمهوري هو نقيض لنظام الحكم والمطلق والدولة الإطلاقية سواء كان أساس قيامها ثيوقراطيا أو دكتاتوريا، بروليتاريا أو عرقيا أو فرديا أو سواه...

2- احترام مبدأ سيادة الشعب وحقه في اختيار من يمثّله ويحكمه عن طريق الانتخاب الحر النزيه. ومبدأ السيادة لا يتجسم في المجال السياسي فحسب بل إنّه لا يتمّ اكتماله إلاّ حين يشيع عبر سائر مجالات الحياة المدنية : اجتماعية وثقافية وغيرها.

ذلك أنّ الديمقراطية المقصورة قاصرة وهذه بدورها غير خليقة بشعب راشد سيّد لنفسه.

3- احترام مبدأ التداول على السلطة لما في حجب هذا المبدأ من تسفيه فعلي للشعب وفتح لباب القطيعة والانزلاق.

4- الفصل بين السلط التشريعية والتنفيذية والقضائية فصلا يعكس توازن المجتمع المدني وتكامل وظائفه.

احترام استقلالية القضاء ودعم مهامّ مجلس القضاء الأعلى واعتماد التمثيل الانتخابي فيه.

احترام استقلالية التنظيمات الجماهيرية عن كل الأطراف السياسية والعمل على ضمان وجودها ووحدتها واحترام ديمقراطية القرار داخلها.

التمييز الواضح بين الأحزاب الحاكمة وبين الدولة وتحييد الإدارة وضمان استقلال المؤسسات الإعلامية التابعة للدولة عن الأحزاب والتنظيمات واعتماد مبدأ الإشراف الممثل بما يضمن حيادها وإيجابيتها. وتحرير وسائل الإعلام من كلّ ضغوط وقيود سوى ما يقتضيه القانون ومبادئ المهنة من أجل ضمان وقيود سوى ما يقتضيه القانون ومبادئ المهنة من أجل ضمان التزامها بمصلحة البلاد.

ضمان استقلالية المساجد والمؤسسات الدينية عن كلّ الأحزاب بحيث لا تستخدم كأطر للتوظيف الحزبي كما لا يكون الانتماء الشخصي لحزب سياسي سبيلا للتزكية أو الإقصاء وجعل الإشراف عليها والتوجيه فيها لا يعتمدان مقياسا غير الكفاءة.

ومن جهة أخرى فإنّ المجتمع المدني الديمقراطي هو الذي يُلتزم فيه باحترام الحريات العامّة والخاصّة لكلّ أبنائه ذكورا وإناثا مهما كان معتقدهم ولونهم ومستواهم الاجتماعي وموقعهم السياسي. ومن أبرزها:

حرية التفكير والمعتقد والتنظيم والتعبير وممارسة الشعائر التعبدية لكلّ التونسيين.

حرية تنقّل المواطنين داخل البلاد وخارجها.

حرمة المسكن وسرية المراسلة.

احترام الحرمة الجسدية للإنسان ورفض التعذيب وتحديد مدة الاحتفاظ والإيقاف التحفظي إلى أدنى حد وعدم المسّ من كرامة الإنسان وإن كان من المحكوم عليهم.

مساواة المواطنين في الحقوق والواجبات وأمام القانون والقضاء.

احترام التعددية السياسية والفكرية باعتبارها الطريق الأسلم لبناء مجتمع قائم على التنافس الإيجابي بين كلّ أبنائه وإن اختلفت عقائدهم وأفكارهم ذلك أنّ الاختلاف بين أبناء الشعب العاملين على النهوض بواقعه وتطويره المخلصين له رحمة. وإحلال الفهم الإيجابي للآخر محلّ الفهم المبني على روح العداء والإقصاء هو أمر حيويّ باعتبار أنّ وجود المخالف في الرأي ليس شرّا مطلقا بل هو ضرورة لتحقيق التدافع الحضاري وتعبير عن واقع معيش لا فائدة في طمس وجوده. وهذا ما يدفعنا إلى القول إنّه لاديمقراطية بدون احترام التعددية الفكرية والسياسية وبدون رفض الاحتواء والإقصاء.

رفض اعتماد العنف وسيلة لحسم الخلافات الفكرية والسياسية.

احترام حق المشاركة في تحديد الاختيارات التي تهمّ حاضر البلاد ومستقبلها باعتباره حقا مشروعا لكلّ التونسيّين.

وإذا كان الحديث عن مختلف الأسس والمنطلقات التي ثبت ارتباطها الوثيق بالمسألة الديمقراطية هو مجرد تواصل مه ما هو مسلّم به من قبل الجميع ممّا نصّ عليه دستور البلاد. فإنّ إبراز هذه الأسس والمنطلقات هو في الحقيقة تأكيد على مبادئ الدستور ودعوة من جديد للوعي بمقتضياته والالتزام بها.

وبذلك تنخرط حياتنا السياسية والاجتماعية كلّها ضمن ما حدده الدستور من مقتضيات، بدونها تضيع معالم الطريق ويسقط الإنسان في مهالك الاستبداد والعبودية.

 

5- الديمقراطية سياسيّة واجتماعية أو لا تكون

 لئن وجب أن تكون الديمقراطية كما سبق أن بينّا عنصرا فاعلا في نطاق الضمير والمشاعر وأن تمارس في الخارج أي في مجال الوقائع والتصرفات الفردية والعامة وفي نشاط المؤسسات فإنّه يجب التنبيه إلى أن الديمقراطية التي نعنيها نظام ذو وجهين سياسي واجتماعي. إذ ليس نظاما ديمقراطيّا في فهمنا ذلك الذي يمنح الفرد حرية التفكير ثم يتركه يهلك جوعا. ذلك أنّه لاديمقراطية بدون ضمان واحترام جملة من المبادئ أهمّها :

حق كل المواطنين ذكورا وإناثا مهما اختلفت انتماءاتهم الفكرية والسياسية في الشغل والرزق.

حق كل فرد في الحياة الكريمة وفي التمتّع بثمار عمله وبنصيبه من خيرات البلاد التي يجب أن توزّع بعدل. كما أنّه ليس نظاما ديمقراطيا ذلك الذي يمنح الفرد بطاقة انتخابية ثم يتركه يسحق تحت ضغط التكتلات الاقتصادية والتحالفات المصلحية. فيضحي احتياجه بابا ليفقد ذاته ويصبح أداة طيّعة بين أيدي أصحاب الجاه والسلطان مما يفرغ العملية الانتخابية من كل محتوى ديمقراطي. وهل يمكن الحديث عن انتخابات حرة دون أن توفّر الإرادة الحرّة عند كل المشاركين ؟

خـاتـمة:

إنّ تثبيت هذه المبادئ في الذهنية العامة للشعب يقتضي ابتداء إجماع كلّ الطلائع الفكرية والسياسية حولها حتى يتسنّى لها صياغة وعي سياسيّ عام مشترك مؤسس على قاعدة هذه المبادئ.

 وإنّ تحقّق ذلك علاوة على أنّه يحتاج إلى جهود تربوية وإعلامية كفيلة بأن تعيد للإنسان اعتباره وكرامته في الضمائر والأذهان وأن توفّر ضمانات لحقوقه في مجال الواقع فإنّه سينشئ وعيا وواقعا سياسيّين متحرّرين من عقليات وأوضاع العبودية والاستبداد التي تبلورت عبر بعض مراحل تاريخنا القديم والحديث والقريب، فيندرج النضال السياسي بالتالي ضمن العمل الإصلاحي العام في أبعاده التاريخية والحضارية.

وإذا حصل هذا فإنّ منهج التغيير السياسي والاجتماعي سيتخلّص من مفاهيم التآمر والمناورات ومن طرق العمل السرّي وأساليب العنف بكلّ أشكالها ويتركّز على معاني علنيّة وجود التيّارات والتنظيمات وقانونيّة أنشطتها ومشروعيّة طموحاتها فتندرج بذلك نضالاتها ضمن السعي إلى تحقيق المصلحة العامّة والإخلاص للوطن.

 

الباب الثالث: نمط التنمية

توطئة:

  إنّ إنماء بلادنا مهمة يشترك فيها كل أبنائها. وهي تستلزم بالتالي الصدور عن أي رؤية عامة مشتركة  تكون بمثابة الضوابط الموجهة للمشروع التنموي في خطوطه العريضة دون ملامسة تفاصيل الاختيارات ميدانيا في مختلف المجالات لأن ذلك لايسعه ميثاقنا الوطني الذي يطمح إلى أن يكون عقدا أدبيا يرعى العمومي المشترك بين أبناء هذه البلاد. ويترك المجال سانحا لكل التيارات السياسية حتى تصوغ تفاصيل الاختيارات التنموية التي ترتئيها ضمن برامجها السياسية حتى تصوغ تفاصيل الاختيارات التنموية التي ترتئيها ضمن برامجها السياسية فتتوفر بذلك مجالات أخرى للحوار والتفاعل بين تلك البرامج.

1- أهمية العامل البشري في إنجاز التنمية:

إنّ كل مجهود إنمائي يهدف بالأساس إلى توفير حاجيات الإنسان المادية والمعنوية ضمن مصلحة الجماعة. بيد أن هذا الإنسان الذي يظل هدفا للتنمية هو كذلك وسيلتها الأساسية إذ هو الذي يقوم على عمليات الإنتاج والخدمات بأنواعها.

لذا يتعين تأهيله ليكون دعامة لنجاح الخطط التنموية وإلا غدت هذه الخطط نصوصا جامدة وتقديرات نظرية مسقطة على الواقع غير قادرة على التأثير فيه مهما بلغت من الدقة والصرامة العلمية. ويستدعي التأهيل البشري المنشود العمل على بناء شخصية المواطن المتكاملة بأبعادها العلمية والروحية والوطنية والأخلاقية بما يضمن اندفاع الأفراد والجماعات بصورة ذاتية واعية نحو تنمية البلاد، كل في مجاله وحسب طاقته. وهو عمل يتطلب:

العناية بالتعليم وتوسيع إنشاء المدارس والمعاهد العلمية والفنية في جميع اختصاصات المعرفة والتقنية حتى يتوفر المناخ الملائم لنهضة علمية وفكرية شاملة مؤسسة على الثابت في مكونات الهوية العربية الإسلامية ومقتضيات الحياة المتطورة... تنويرا للعقل وتهذيبا للذوق والسلوك

إيلاء البحث العلمي بكل فروعه المكانة التي يستحقها بالدعم والتشجيع من أجل توفير العلماء والباحثين والمخترعين إيمانا بدور العلم في فهم الواقع واستيعاب النظريات والحلول التي ابتكرها العقل البشري قصد الاستفادة من إيجابياتها والاجتهاد في التخطيط لإنماء البلاد.

إحياء الضمير الشعبي بالقيم الدينية والوطنية التي تحث على العمل والإنتاج والعدالة والتكافل حتى ينتمي العمل الإنمائي ألى مرتبة العبادة وترتبط بمعنى الثواب الإلهي فتنشط الحوافز الذاتية الفعالة.

تشجيع المبادرات الشعبية الهادفة إلى النهوض بالمجتمع سواء ما كان منها ذا صلة بالأعمال الخيرية والتعاونية أو تلك التي تنتظم في جمعيات فكرية واجتماعية واقتصادية وغيرها حتى تتوسع مجالات المشاركة في الجهد الإنمائي ويتحرر الناس من عقلية التواكل والاعتماد الدائم على الدولة في كل شيء.

التشجيع ماديا ومعنويا على التعلم والعمل والإنتاج بإسناد المنح والإعانات والدعم المادي لبعض السلع والمنتجات ووضع نظام سليم للحوافز يشجع على الشغل والعطاء ورفع الإنتاجية.

تأكيد حقوق المرأة الاجتماعية والثقافية والسياسية  والاقتصادية حتى تضطلع بدورها في تنمية المجتمع بعيدا عن السلبيات والتقاليد المستوردة وعوائق الممارسات الموروثة صونا لكرامتها واستعلاء عن مظاهر الميوعة والتفسخ.

 

2- التنمية الاجتماعية:  

إنّه لا معنى لنماء اجتماعي في بيئة تسودها المظالم الناشئة عن الفقر والبطالة والفوارق المادية الفاحشة بين الفئات وعدم التوازن الجهوي الخ... فلئن جاز أن تشهد بعض القطاعات أو الفئات أو الجهات انتعاشا نسبيا في هذه الظروف، فإن ذلك يكون على حساب غيرها ويظل السواد الأعظم من الشعب محروما من خيرات بلاده شاعرا بغربته عن ذاته وبانتقاص في وطنيته. وهو ما يهدد كل فرد هذه حاله إمّا بالاستقالة الاجتماعية والسياسية السلبية أو بالتفكير في ردود فعل انتقامية وعنيفة يكون نتيجته التطاحن الطبقي والعصبيات الجهوية التي من شأنها أن تصدع الكيان الاجتماعي وتعطل عملية التنمية وتصوغ وعيا ماديا وصداميا مدمرا مصداقا للحديث النبوي القائل: » كاد الفقر أن يكون كفرا « .

ويلزم عن هذا أن تكون التنمية الاجتماعية مرتكزة بالضرورة على العدل بمعناه الشامل الذي هو في حقيقته تجسيد لقيمنا الإسلامية الخالدة التي نستلهم بعضها من قول الله تعالى في ضبط العلاقات الاجتماعية » إنما المؤمنون إخوة « - الحجرات) 10(

وقوله في عدالة توزيع الثروة »  كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم - « الحشر

وقوله :» اعدلوا هو أقرب للتقوى « وقوله تعالى في الحث على الإنفاق : » أنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه« -الحديد

وقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحث على التضامن الاجتماعي :» ليس مؤمنا من بات شبعانا وجاره جائع وهو يعلم« الخ...

فدون تجسيد قيم العدالة في واقعنا الاجتماعي تتردى العلاقات البشرية في مهاوي الكراهية والعداء بدل المحبة والتآخي وتحل لغة التدابر والعنف محل التعاون والتضامن والإيثار... فتتعطل بذلك العلاقات الفردية والعامة وتنأى بها الصراعات الداخلية عن الانطلاق الجماعي نحو العمل التنموي. ولكي يتم تفادي هذه النتيجة الوخيمة لزم السعي إلى تحقيق ما يلي:

 أ- إيجاد علاقات اجتماعية تقوم على أسس القيم الحضارية لبلادنا بترسيخ أصول الأخلاق والقيم الفاضلة حتى تسود المجتمع روح التآزر والتكافل والتآخي ومقاومة كل مظاهر الاستغلال والأنانية والتناحر بين مختلف الفئات الاجتماعية.

ب- تحقيق المساواة بين المواطنين والعمل على تذويب الفوارق بين الفئات من حيث القيمة الاجتماعية والكرامة الإنسانية علاوة على الحقوق والواجبات دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى المساواة المطلقة في المداخيل لأنها مرتبطة بنوع وحجم الجهد البشري المبذول.

ج- التأكيد على أن العمل هو أصل التكسب وشرط النهضة وهو حق وواجب مما يستلزم توفير الشغل لكل القادرين عليه من أصحاب الكفاءات العلمية والمتمتعين بقوة العمل من أجل القضاء على ظاهرة البطالة المكشوفة والمقنعة وتمكين البلاد من الاستفادة من كل قواها النشيطة في العملية الإنتاجية.

د- تنمية الإنتاج ومضاعفة الإنتاجية بحسن استغلال الثروات الطبيعية وحسن توظيف الإمكانات البشرية والمادية المتاحة.

ه- عدالة توزيع ثروة البلاد وخيراتها بين كافة المواطنين تلبية لحاجيات المجتمع الأساسية من غير إسراف ولا تبذير ودون حيف، فلا تمييز وفق مبدأ  » الرجل وبلاؤه، الرجل وحاجته «  -عمر بن الخطاب-.

و- إذا كان الجهد هو مقياس الربح والعمل وهو مصدر التملك، فإن الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج المشروعة هي وظيفة اجتماعية يتعين تنظيمها بما يضمن تحقيق المصلحة العامة ويحول دون التفاوت وعدم المساواة.

ز- توفير الخدمات الاجتماعية بما يكفل الحاجات الضرورية للأفراد وحقهم في التعلم والصحة والسكن ومختلف وسائل المعاش ضمانا لاستقرار المجتمع ووحدته وسدا لأبواب الحاجة والعوز وتناسقا بين توفير الحق وأداء الواجب.

ح- على الدولة أن تتدخل في الملكية والحياة الاقتصادية بدعم مؤسسات القطاع العام وخاصة ملكية مصادر الثروة الطبيعية والقطاعات الإستراتيجية في حياة الشعب وتنظيم الأجور بما يحمي القدرة الشرائية للمواطن، وسن تشريعات الضرائب العادلة ودعم التغطية الاجتماعية وتوسيعها..

 

3- التنمية الاقتصادية

         إنّ جهود الإنماء الاقتصادي لبلادنا يجب أن تتجه نحو بناء اقتصاد وطني قوي مرتكز على تصور يجاوز بين القيم المادية والقيم الروحية، ومبنى على ضوابط المصلحة العامة والعدالة التي لا تنسحق فيها حرية الفرد ومبادرته.

         وإن الغاية البعيدة التي يجب أن نسعى إليها جميعا هي الانتقال من وضع القروض الخارجية والاستيراد إلى وضع الاكتفاء الذاتي بالاعتماد على إمكاناتنا البشرية والطبيعية والمادية الخاصة حتى يكون تعاملنا الاقتصادي مع الخارج قائما على التعاون العادل والتبادل المتكافئ ومتحررا من قيود التبعية لأي جهة نقدية أو سياسية فنكون وقتها قادرين على تجاوز مرحلة الاكتفاء إلى مرحلة توفير فوائض الإنتاج التي تخول لنا التصدير والإسهام بالتالي في تطوير واقعنا الداخلي وواقع النظام الاقتصادي العالمي.

         على أنّ الهدف المنشود سيظل متوقفا على توفير وعي شمولي ذي أبعاد وطنية وحضارية هامة.فبقدر احتياج اقتصادنا الوطني إلى الاندماج الداخلي بقدر حاجته أيضا إلى الاندماج مغاربيا وعربيا وإسلاميا حتى يتوسع مجاله الحيوي ويقوى بالتالي على الانتعاش ومواجهة تحديات التكتلات العالمية وسيطرة الاحتكار الدولي .

         وفيما يلي أهم الأسس التنموية التي يتعين أن يتركز عليها اقتصاد وطني تلك ملامحه:

أ- التعايش بين القطاعات العام والخاص في علاقة تكامل وتناسق بما يضمن المصلحة العامة.

ب- تحقيق التوازن الجهوي بتوزيع الاستثمارات والمنشآت والخدمات بين الجهات بصورة عادلة تراعي الجدوى الاقتصادية العامة.

ج- دعم وتوسيع البنية الأساسية في قطاع الخدمات )من طرقات ومواني. ومطارات ومرافق إدارية وعامة...( وتوسيع منشآت المياه والطاقة المعدة للصناعة والاستهلاك العام وتأمين وسائل الاتصال السريع داخليا ومع الخارج لتيسير حركة الناس ومنتجاتهم ولإعطاء العملية الإنتاجية دفعا وحيوية.

د-دعم وتنظيم قطاع تقديم الخدمات ممثلا بالخصوص في مكاتب الدراسات الهندسية والاقتصادية...والخبراء المحاسبين والاستشاريين والبنوك...الخ حتى يتم تنشيط الحركة الاقتصادية وتيسير التفاعل بين القطاعات داخليا وحتى تكون بلادنا قادرة على تصدير الخبرة وإسداء الخدمات إلى الخارج فيكون ذلك مصدرا للعملة الصعبة.

هـ- العناية بالقطاع الفلاحي نظرا لما تنطوي عليه بلادنا من ثروات زراعية وسمكية هائلة يمكن أن تكون المصدر الأول للدخل وأن توفر لشعبنا أمنه الغذائي وفوائض إنتاجية توجه إلى التصدير الخارجي كما توفر له مواطن شغل كثيرة ومحترمة. لكن ذلك مشروط بتجسيم العناية واقعيا بالترفيع من الاعتمادات المالية المخصصة من الميزانية لهذا القطاع وإعانة الفلاحين واستصلاح الأراضي وزراعة المهجور منها والنهوض بأراضي الدولة ودعم البنية الأساسية باعتماد أحدث الآلات والوسائل المعاصرة في مجال الحرث وانتقاء البذور والري والجني والحصاد والخزن  والصيد البحري ومكافحة الآفات والتصنيع الغذائي الخ...

كما يقضي النهوض بالفلاحة عدم غمط العاملين فبها حقوقهم المادية والمعنوية. لذا يتحتم إقامة علاقة عادلة بين مالكي الأراضي والعملة الفلاحين بما يضمن لهؤلاء العيش الكريم ويشد الجميع إلى إعمار الأرض واستخراج خيراتها. وتتحمل المنظمات الفلاحية في هذا المضمار مسؤولية أساسية تحتم توفير الشروط اللازمة لحسن أدائها.

و- النهوض بالقطاع الصناعي وتحقيق تفاعله وتكامله مع القطاع الفلاحي وتحريره من التبعية لدواليب الاقتصاد الأجنبي وذلك بالتركيز على الصناعات التي تتوفر موادها الأولية في بلادنا وتلك التي توفر المواد والسلع التي يغلب استهلاكها في الأسواق حتى تكون صناعتنا الوطنية معتمدة على ذاتها وخادمة لمشروع التنمية الشاملة ويستدعي تحقيق هذا الهدف الجد فباستغلال ثروات بلادنا المعدنية والكشف عن مزيد من مصادر الطاقة ودعم وتوسيع البنى الأساسية التي تستلزمها صناعة وطنية حديثة وقوية يحظى العامل فيها بحقوقه المادية والمعنوية كاملة عير منقوصة – حتى يحافظ على إنسانيته ويكون في مأمن من الاستلاب - ويكون للشعب فيها كامل السيادة على ثرواته.

ز- تيسير سبل التجارة الداخلية بما يمكن من تسويق وترويج منتوج كل القطاعات دون أن يكون الربح مقياسا مقدما على مبدإ توفير الخدمة العامة وهو أمر يستدعي تدخل الدولة بوضع نسب معقول للربح ودعم مصالح وأجهزة مراقبة جودة السلع وضبط الأسعار حتى تتم محاصرة الغش والغلاء والجشع.

تشجيع تصدير منتجاتنا الوطنية وضبط الاستيراد بالحاجيات الفعلية لبلادنا في مجالات الخدمات والزراعة والصناعة والاستهلاك العام والحد من استيراد المواد الاستهلاكية التي توفرها زراعتنا وصناعتنا الوطنية.

ط- ترشيد الاستهلاك العام بنشر وعي يحصن مجتمع استهلاك وسوق للصناعة الأجنبية لما في ذلك من ضرر يلحق اقتصادنا الوطني بفعل تفوق الطلبات لاستهلاكية على العمليات الإنتاجية وما قد ينجر من ذلك من مضاعفات خطيرة على صعيد تبعيتنا للخارج فضلا عن الخلل الأخلاقي والسلوكي الذي ينشأ عن تفشي نمط الحياة الاستهلاكي حيث ينحرف الناس عن القاعدة القرآنية الواردة في قوله تعالى : " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا "- سورة الإسراء ( 29).

     ولا بد من الشارة في الأخير إلى أن النهوض بالقطاعات الخدمية والزراعية والصناعية المذكورة آنفا هو أفضل من تركيز الاقتصاد على السياحة التي يرتبط وضعها دائما بعوامل ظرفية : مناخية وأمنية وغيرها تهدد اقتصادنا بأن يكون هشا ومهددا على الدوام علاوة على الانعكاسات الاجتماعية الأخلاقية المنجرّة عن هذا القطاع الذي يحتاج إلى إعادة تصور وتنظيم وإلى كثير من الترشيد.

 

4- الثقافة والتربية والإعلام والشباب

        انطلاقا مما سبق بيانه من وثيق ارتباط عملية التنمية بالعامل الإنساني ( في مطلع هذا الباب) وبالسياق الاجتماعي والثقافي (في أواخر مرتكزات الاقتصاد الوطني) يتجلى ما للتنمية الثقافية من أهمية في تحقيق التنمية الشاملة، حيث أن الثقافة بالنسبة إلى أي مجتمع هي تعبير عن عقيدته وقيمته ونمط تفكير أفراده واتجاهات سلوكهم وعاداتهم....

وانعكاس كل ذلك على مظاهر الحياة والمعمار والواقع المادي لذلك المجتمع. فهي بالتالي حافظة شخصية الأساسية وصانعة ملامح الإنسان داخله فكرا وسلوكا. إن ثقافتنا العربية الإسلامية تفجر فينا فعلا، طاقات إبداعية توجه علاقتنا بالكون نحو العمل على تعميره وتسخيره لخدمتنا وللإصلاح في الأرض عموما وتوجه علاقتنا بالإنسان نحو التعارف والحب والإخاء والاجتماع على الخير لأن كلتا العلاقتين محكومتان بعقيدتنا الإسلامية أي بعلاقة الإيمان والعبادة التي تربطنا بالله تعالى وتوجه فكرنا وسلوكنا.

لذا يعدّ اهتمامنا بتنمية ثقافتنا سببا لصيانة كياننا المستقل ودعم شخصيتنا الأساسية التي في ضوئها يتحدد نمط المجتمع وبالتالي نمط التنمية الذي يليق بنا ويدفع ببلادنا نحو النهضة والتقدم. ويتطلب تحقيق التنمية إنجاز مهام مركزية ذات صلة بمجالات التربية والإعلام والطفولة والشباب وهي التالية:

العناية بالوظيفة التربوية داخل الأسرة وفي المدارس وفي بقية المؤسسات الثقافات والاجتماعية وإعطاؤها مضمونا عقائديا وأخلاقيا يضمن دوام القيم الثقافية الأصلية فينا ويجعل منها مصدر صياغة راقية لمجتمعنا يحمي الفرد فيه من روح الانهزام حيال المذاهب المعادية لثقافتنا ولمبادئنا الحضارية وتبعث فبه روح العزة.

تشجيع الآداب والفنون والعلوم حتى تؤدي دورها في نشر الفضيلة والدعوة  إلى التدبر وتساهم في تدعيم أسس النهضة.

حفظ كيان الأسرة قوام المجتمع المعافى، والعمل على أن تقوم العلاقات داخلها على المودة والرحمة والتكامل والاحترام وتقديس الرباط الزوجي حتى تتوفر في ظله الظروف الملائمة لرعاية الطفولة تنشئة وإعدادا.

العناية بالكتاتيب القرآنية ورياض الأطفال ودور الحضانة حتى تؤدي دورها في التربية السليمة.

تمكين المسجد من أداء وظيفته التربوية والاجتماعية: العقائدية والخلقية والتثقيفية.

الترغيب في المطالعة وتوسيع المكتبات ودور الثقافة ودعمها حتى تؤدي وظيفتها التثقيفية البناءة.

تحقيق سياسة إعلامية تقوم على احترام حرية التفكير والتعبير وتنمية روح الإبداع والابتكار وتوفير الشروط اللازمة لإيجاد إعلام مسؤول ونزيه ومستقل يحترم مكونات هوية البلاد ويساهم في تقدمها.

إيلاء الشباب المكانة التي يستحقها وفتح آفاق مساهمة بصفة فعلية في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية بالبلاد وتيسير استقراره واندماجه في المجتمع  بتوفير العمل والتشجيع على الزواج.

ر- نشر الممارسة الرياضية بتوفير البنى الأساسية والتجهيزات اللازمة لها حتى يتسنى تنشئة أجيال قوية الأبدان سليمة العقول إذ "المؤمن  القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف..."حديث نبوي- وتهذيب الرياضة بتنقية أجوائها من العنف وسوء الأخلاق وإعطاء الأولوية للممارسة على الفرجة ومتابعة أخبار الأبطال والفرق، حتى لا يكون الاهتمام الرياضي ضربا من إهدار الوقت وضياع الوقت.

 

الباب الرابع: الاستقلال والعلاقات الخارجية

إذ كان لا يجب أن يفوتنا في هذا الميثاق وبمناسبة الحديث عن ضرورة دعم الاستقلال البلاد سياسيا واقتصاديا وثقافيا استحضار التضحيات الجسيمة التي دفعها التونسيون قديما وحديثا لدحر الوجود الاستعماري المباشر وتحرير البلاد من براثنه وبناء أسس الدولة المستقلة فإنه ى يجب أن يفوتنا بأي حال من الأحوال أن نقف بهذه المناسبة خاشعين مترحمين على أرواح شهدائنا الأبرار التي تمثل شموعا نستضيء بها ونحن نقوم بخطوات هامة في طريق تحقيق آمال أبناء هذا الشعب الأبي وطموحاته.

وإذا كان في العمل على استقلال البلاد على كل المستويات وفاء لأرواح الشهداء ولتضحيات المخلصين من أنبائها فإنه كذلك توفير لشرط هام من شروط تأسيس المجتمع المدني المتطور وتحقيق نموه ونهضته وهو ما يتطلب التأكيد على وجوب احترام جملة من المبادئ أهمها:

أ- الولاء الوطني: وذلك باعتباره مبدأ ساميا يتنافى مع التبعية أيا كان شكلها ومضمونها متجاوبا مع ما هو عميق في ضميرنا الجمعي من الاعتقاد بأن حب الوطن من الإيمان والدفاع عنه دفاع عن العقيدة الأمر الذي يجعل من الولاء الوطني فكرة وثقافة وسلوكا وعملا.

 وهنا نرى لزاما علينا التأكيد على ضرورة إيلاء هذا المعنى المكانة التي يستحقها في تربية النشء وتكوينه وذلك من خلال برنامج التعليم والإعلام والثقافة العامة منها والحزبية.

ب- العمل على الحفاظ على سيادة البلاد واستقلالها ورفض كل تبعية لأنظمة خارجية والتمسك بمقتضيات دستور البلاد ومبادئه والعمل على دفع عملية بناء المجتمع المدني وحماية النظام الجمهوري والمؤسسات الدستورية وتدعيمها.

ج- الحفاظ على وحدة أبناء شعبنا على كل المستويات وحماية مجتمعنا من كل أسباب التفكك والتنازع وذلك بتوفير الظروف الاجتماعية والسياسة والاقتصادية والثقافية اللازمة لتطوره وتقدمه في إطار من الوحدة والانسجام والوفاق ورفض كل تعصب مذهبي أو جهوي أو طبقي أو حزبي.

د-اعتبار أن الوحدة هي القوة التي نواجه بها كل المخاطر التي تهدد كياننا وبها نحقق استقرار بلادنا وتطورها، والعمل على توفير الضمانات الضرورية لحماية تونس أرضا وشعبا من أي خطر داخلي أو خارجي والوعي بأن ذلك يتطلب التجرد الكامل على مستوى السلطة والشعب والتنظيمات من كل الطموحات الذاتية المنحرفة سواء تلك التي تهدف إلى سلب السلطة أو الاستئثار بها ومن كل رواسب الانتماءات الضيقة والارتباطات التي تفرض ولاءات لغير مصلحة البلاد ومصلحة الشعب مع الالتزام بمعالجة كل خلاف يطرأ بالطرق السلمية ونبذ كل وسائل الإرهاب والعنف من أي جهة كانت، واعتبار أن وحدة بلادنا هي أساس وحدة بلدان المغرب العربي والمنطقة العربية والأمة الإسلامية عملا بقول الله " إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون" (الأنبياء) ذلك أن الدعوة لدعم الوحدة في إطار اشمل وأوسع إذ أن وحدة العرب والمسلمين هي قدر شعبنا وهي ضرورة حتمية لضمان الوجود والنمو والتقدم والاستقلال.

وان من أوكد مقتضيات إيماننا بالوحدة العربية ووحدة الأمة الإسلامية تفاعلنا الإيجابي والجاد مع كل قضايا أمتنا العادلة والمشروعة وفي مقدمتها قضية تحرير فلسطين وتحرير الأراضي والشعوب عربا وإسلاميا وإنسانيا من سيطرة قوى الهيمنة الشرقية والغربية عن طريق احتلال الأرض ( فلسطين- أفغانستان- أريتريا جنوب إفريقيا...) أو عن طريق الاستعمار الغير مباشر بفرض التبعية الاقتصادية والثقافية وعرقلة عملية النهضة والتحرر في هذه البلدان.

هـ- التأكيد على أن إيماننا بضرورة حماية وحدة بلادنا والعمل على توفير شروط الوحدة العربية الإسلامية لا يعني البتة الانغلاق ورفض الانفتاح على العالم الخارجي ونحن في زمن تطورت فيه وسائل الاتصال حتى غدت الفواصل الجغرافية لا معنى لها تقريبا وأضحى من المستحيل على أي دولة أن تتقوقع على نفسها أو أن تمنع أبنائها من التفاعل والتعامل مع بقية دول العالم الأمر الذي يستوجب الاستفادة من كل نافع ومفيد من تجارب الآخرين ومنجزاتهم واعتبار أن حضارة العصر الحديث ليست ملكا للغرب بل هي ملك لإنسانية جمعاء وهي ثمرة صراع للبشرية كلها مع الطبيعة والمحيط ونتاج كدح الإنسان من أجل الأفضل والأرقى وأن ما تحقق من تطور علمي وحضاري لم يأت صدفة أو انطلاقا من فراغ بل جاء بعد أن استوعب أصحابه إبداعات للإنسان حققها في فترات تاريخية سابقة ووعوا بمنطلقات ازدهار الحضارات الأخرى وبعوامل انهيارها وفنائها وأسبابه.

و- سلوك سياسة خارجية ثابتة تقوم على أساس عز البلاد ومناعتها واستقلالها عن كل نفوذ لقوى الهيمنة وقيام العلاقات بين الدول على أساس الاحترام المتبادل ووفق مبادئ العدل والمساواة وإعطاء الأولوية في ربط العلاقات لبلدان المغرب العربي والبلدان العربية الإسلامية.

ز- دعم قضايا التحرر في المنطقة العربية والوطن الإسلامي والعالم كافة وفي طليعتها قضية تحرير فلسطين وأفغانستان والنضال ضد سياسات الاستعمار والميز العنصري مع دعم التضامن العربي والإسلامي والتوعية بقضايا الأمة والعمل على وضع حد للاستعمار والتجزئة والتخلف وتركيز الجهود على ضمان مزيد من التكامل والتآزر في كل المجالات كخطوة نحو تحقيق الوحدة الشاملة.

ح- الالتزام التام بمبادئ عدم الانحياز الإيجابي والعمل على إيجاد نظام اقتصادي وثقافي عالمي جديد ودون الخوض في العديد من التفاصيل التي لا يتسع المجال لذكرها نرى لزاما علينا التأكيد على أن سياسة بلادنا الخارجية يجب أن تبنى على أساس الحفاظ على كرامة التونسيين واستقلالهم السياسي والاقتصادي ووحدتهم الوطنية مع ما يعنيه ذلك من تأسيس هذه العلاقات على قاعدة الاحترام المتبادل والتعامل المتكافئ والحياد الإيجابي واحترام حقوق الإنسان دون المس من التزاماتنا العربية الإسلامية وتأييدنا المبدئي لقضايا التحرر في العالم ورفض سياسة الاستعمار والميز العنصري.

 

خاتـمـة عـامّة

إذا كان انحطاط أي مجتمع وتخلفه ظاهرة شاملة تمس كل قطاعاته وتطبع مختلف العلاقات داخله لأن عواملها تكمن في كل المستويات الفكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية،، فإن ضبط أي تصور نهوض أو تصور نهوضي أو تخطيط تنموي يجب أن يتحلى تبعا لذلك بنفس هذه الرؤية الشمولية التي لا تغفل أي مجال من مجالات المجتمع نظرا التفاعل كل هذه المجالات فيما بينها وارتباط بعضها ببعض بل توقف نمو بعضها على نمو البعض الآخر.

لذلك كان النمط التنموي الذي ننشده يهدف إلى ننشده يهدف إلى تحقيق تنمية مند جمة لا تولي أهمية خاصة لقطاع دون آخر أو على حسابه، ولا تنفصم فيها الرؤية التنموية في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية عن الرؤية للإنسان أو عن تصور أسس الحياة السياسية الخ...

فكما أنه لا معنى لديمقراطية سياسية دون عدالة اجتماعية- مثلما تجلى ذلك في الباب الثاني من هذا الميثاق- فإن التفكير في تنمية اجتماعية اقتصادية دون إقرار الحرية السياسية بصيانة حقوق الإنسان وتمكينه من حظوظ المشاركة السياسية في إدارة شؤون البلاد وفق أسس دستورية وديمقراطية واضحة وأصيلة، إن ذلك من شأنه أن يكون من أهم العراقيل في وجه تطبيق أي مخطط من مخططات التنمية بسبب حالة الاستقالة واللامبالاة التي ستنشأ في الأوساط الشعبية وفي مستوى القوى العاملة والإطارات التي يطلب منها أن تسهر على إنفاذ خطط التنمية كل في مجاله. وتكون هذه اللامبالاة بمثابة رد الفعل على وضع الكبت السياسي وعدم تشريك جميع أبناء الشعب في رسم ملامح التنمية عبر تشريك تنظيماته السياسية والاجتماعية الممثلة وأن ديمقراطية الحياة السياسية بمفهومها الأصيل والشامل تستلزم مراعاة الخصوصيات الحضارية للمجتمع التونسي وتأصيل كل خطط التنمية في ثقافتنا حتى يتوفر في المواطن مزيد من الحوافز على العمل والإنتاج وصيانة مكاسب البلاد تعبيرا منه على وطنيته.

بيد أن نهضة تونس وتقدمها لا يجوز تصورهما بمعزل عن التفاعل التكاملي مع محيطنا العربي الإسلامي من أجل توفير أسباب الأمن الشامل وتحصين ذاتنا الوطنية إزاء كل أخطار السيطرة الدولية والاستعمار.

لذا يغدو الطموح إلى الوحدة العربية فالإسلامية والسعي إلى إنجازها أمرا حتميا تمليه الضرورات الحيوية والحضارية.

وأخيرا فإن مشاركتنا في إنجاز هذا الميثاق الوطني تنبع من قناعتنا بأهميته التاريخية والمصيرية حيث يتحتم على كل أبناء هذه البلاد العزيزة علينا الوقوف على أرضية وطنية واحدة تجمعهم رغم ما عساه يوجد من اختلافات بينهم وهو أمر يستلزم حدا كبيرا من الوعي المدني ومن المرونة في التعامل السياسي بين الجميع رغم الاختلاف.

في نفس السياق