من نوبل للسلام إلى تزكية المذابح إلى سجون العسكر.. قصّة سقوط الزعيمة البورمية أونغ سان سو تشي

نشر من طرف نور الدريدي في الإثنين 15 فيفري 2021 - 13:37
اخر تاريخ تحديث الأحد 3 جويلية 2022 - 19:25

الاندبندنت: سقطت سو تشي من مكانة شبه قديسة إلى مجرد دمية في فترة زمنية قصيرة، واستنتج الجنرالات أنهم لم يعودوا في حاجة إليها.

 

كان يُنظر لها على أنها أيقونة السلام وعلم من أعلام حقوق الإنسان، قبل أن تُخيّب الآمال بسبب سنوات مخيّبة قضتها في الحكم، لكن سنوات حكمها لم تستمر طويلاً بعد انقلاب الجيش عليها واعتقالها..فمن هي الزعيمة البورمية أونغ سان سو تشي؟

 

نشأتها

ولدت الزعيمة البورمية أونغ سان سو تشي، في العاصمة رانغون عام 1945 وهي ابنة أحد زعماء الاستقلال الذي اغتيل وهي في الثانية من عمرها.

القت تعليمها في المدارس الكاثوليكية ثم التحقت بإحدى الكليات في الهند عندما عملت أمها سفيرة لبورما في الهند ونيبال وفي سنة 1969 حصلت على البكالوريوس في علوم الاقتصاد والسياسة من اوكسفورد. عملت في الأمم المتحدة في نيويورك لمدة ثلاثة أعوام في مسائل تتعلق أساساً بالميزانية.

وفي عام 1972 تزوجت من الدكتور مايكل آريس وهو أستاذ بريطاني متخصص في أديان وثقافة التبت ولكنه كان يعيش في بوتان وانجبت منه ولديها الكسندر وكيم وفي سنة 1985 حصلت على درجة الدكتوراة في العلوم السياسية من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية جامعة لندن وقد عادت إلى بورما عام 1988 لكي تعنى بأمها المريضة، ولكنها فيما بعد قادت الحركة الديمقراطية في بورما، ووضعت تحت الإقامة الجبرية في منزلها منذ عام 1989 لأنها شغلت منصب أمين عام الرابطة الوطنية من أجل الديموقراطية أهم أحزاب المعارضة في بورما.

أطلق سراحها سنة 2010 وتولت عددا من الحقائب الوزارية قبل أن تشارك الجيش في الحكم سنة2016.

 

مسيرة حافلة بالجوائز

حصلت أونغ سان سو تشي على جائزة سخاروف لحرية الفكر سنة 1990 وجائزة نوبل للسلام سنة 1991 من أجل دعمها للنضال اللاعنفوي.

وفي سنة 1992 على جائزة جواهر لال نهرو من الحكومة الهندية. كما حصلت على عدد من الجوائز العالمية في مجال حرية الفكر كما قرر مجلس الشيوخ الأميركي بالإجماع منح ميدالية الكونغرس الذهبية وهي أرفع تكريم مدني في الولايات المتحدة لزعيمة المعارضة البورمية اونغ سان سو تشي مصدقاً قراراً كان اتخذه مجلس النواب بهذا الخصوص.

 

الصعود إلى السلطة

قالت أونع سان سو تشي سنة 2015: "أنا لا أؤمن بالأمل أؤمن فقط بالعمل الدؤوب.. فالأمل وحده لا يفضي إلى أي مكان".

وبعد أشهر على ذلك، فاز حزبها الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية في انتخابات تاريخية، وحملت أونغ سان سو تشي بعد ثلاثين عاما في صفوف المعارضة، إلى قمة السلطة التنفيذية.

وكان يفترض أن تحافظ على هذا الموقع بعدما سجل حزبها مجددا فوزا ساحقا في الانتخابات التشريعية، في نوفمبر، لكن الجيش قرر عدم حصول ذلك وأعلن حالة الطوارئ ووضع جنرالاته في السلطة.

خلال تلك السنوات على رأس البلاد، واجهت أونغ سان سو تشي اختبار السلطة، وأجبرت على التعامل مع الجيش القوي الموجود على رأس ثلاث وزارات رئيسية (الداخلية والدفاع والحدود).

إلا أن صورة أونغ التي قورنت في الماضي بنيلسون مانديلا ومارتن لوثر كينغ، تلطخت بشكل دائم بسبب مأساة مسلمي الروهينغا.

الروهينغا

 

سقوط مدوّ

منذ أن وصلت إلى السلطة سنة 2016، واجهت سو كي وحكومتها التي يقودها حزبها، الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية، انتقادات بسبب صمتها تجاه أعمال العنف والتقتيل الممارسة ضد أقلية الروهينغا المسلمة في بورما. وانتشر وسم على مواقع التواصل الاجتماعي للمطالبة بسحب جائزة نوبل للسلاممن الزعيمة البورمية التي امتنعت عن إدانة أعمال العنف والتقتيل التي يمارسها الجيش البورمي.

ويروي مقال بصحيفة "الديلي تلجراف"، قصة صعود وسقوط البطلة الثورية لميانمار "أونغ سان سو تشي"، وكيف تحولت من أيقونة وأسطورة ثورية إلى حاكم "متعجرف".

وحسب موقع هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، يقول الكاتب رولاند أوليفانت: إن الفضائل التي جعلت من أونغ سان سو تشي قديسة النضال السلمي في السابق؛ أدت إلى سقوط دراماتيكي من السلطة؛ رغم أنها لا تزال تمثل التهديد الأقوى للديكتاتوريين العسكريين المحتملين في ميانمار.

ويشير النقاد إلى أن حدوث العديد من الانتهاكات في ميانمار، بما في ذلك اعتقال أشخاص ينتقدون الحكومة وترهيب الصحفيين؛ كلها انتهاكات استمرت في ظل حكم سو تشي.

ويوضح المقال أن سمعتها الدولية تَلَقّت ضربة لا يمكن إصلاحها عام 2017، عندما رفضت إدانة أو حتى التحدث علانية عن الحملة الدموية من الإبادة الجماعية التي شنها جيش ميانمار ضد أقلية الروهينجا المسلمة؛ بل إن حكومتها دافعت عن المذابح باعتبارها "مكافحة الإرهاب" المشروعة.

وقد جادل المدافعون عنها -بحسب المقال- بأنه ليس لديها خيار آخر: إذا شجبت الجيش علنًا، فسوف تتعرض لخطر الانقلاب مرة أخرى، والانهيار الكامل لتجربة ميانمار الديمقراطية.

لكن المدير التنفيذي لشبكة بورما لحقوق الإنسان ومقرها المملكة المتحدة "كياو وين"، كما نقل الكاتب، يقول: "لقد وقفت ضد الجيش في السابق، وهذا ما توقعنا منها أن تفعله -للوقوف بنفس القوة لمبدأ مهم للغاية- ضد الإبادة الجماعية".

وأضاف: "كان لديها واجب أخلاقي أساسي لحماية حياة الإنسان. وبدلًا من ذلك، فقدت سمعتها في جميع أنحاء العالم".

 

سحب لقب "مواطنة الشرف" من زعيمة ميانمار

في توفمبر من سنة 2018 قررت عمدة مدينة باريس آن هيدالغو سحب لقب "مواطنة الشرف" من زعيمة ميانمار أونغ سان سو تشي احتجاجا على صمتها عن العنف حيال أقلية الروهينغا.

وقالت متحدثة باسم عمدة مدينة باريس، "بالنظر إلى الانتهاكات المتعددة لحقوق الإنسان التي لوحظت في بورما والعنف والاضطهاد الذي ارتكبته قوات الأمن البورمية ضد أقلية الروهينغا ووصفته الأمم المتحدة بالإبادة، فإن رئيسة بلدية باريس ستقترح سحب لقب مواطنة الشرف التي منحت عام 2004 لأونغ سان تشي".

 

انقلاب عسكري

لم تكن تعلم الزعيمة سو تشي أنّ حكمها سينته يوم 1 فيفري بعد ان انتهى بها الامر معتقلة على يد الجيش البورمي الذي أعلن السيطرة على مقاليد السلطة في البلاد، بعد نحو عقد من موافقته على تسليم السلطة إلى المدنيين.

وأثار الانقلاب موجة خوف في عموم البلاد، التي رزحت تحت ثقل نحو 50 عاما من حكم الانظمة العسكرية القمعية قبل أن تتحول إلى نظام الحكم الديمقراطي في سنة2011.

و أعلن الجيش حال الطوارئ لمدّة عام، وعيّن جنرالا كرئيس موقّت للبلاد، بعد اعتقاله الزعيمة المدنية أونغ سان سو تشي ومسؤولين كبار آخرين.

وسيطر الجيش البورمي على مبنى بلديّة رانغون، بعد ساعات على اعتقاله أونغ سان سو تشي.

وقال الجيش في بيان عبر القناة التلفزيونيّة العسكريّة إنّ هذه الخطوة ضروريّة للحفاظ على "استقرار" الدولة. واتّهم اللجنة الانتخابيّة بعدم معالجة "المخالفات الهائلة" التي حدثت، على حدّ قوله، خلال الانتخابات التشريعيّة التي جرت في تشرين نوفمبر وفاز بها حزب أونغ سان سو تشي بغالبيّة ساحقة.

 

منبوذة من الأسرة الدولية

تقول صحيفة الاندبندنت، التي جاءت افتتاحيتها بعنوان "أونغ سان سو تشي ستجد الآن تعاطفا أقل بكثير في الغرب"، إن سو تشي، زعيمة ميانمار، التي كانت بطلة ومناضلة في مجال حقوق الإنسان، ثم متعاونة، على ما يبدو، مع الجيش في اضطهاد أقلية الروهينغا المسلمة، أصبحت الآن تحظى بتأييد أقل بكثير في الغرب.

وتضيف أنه بعد سنوات من مقاومة الأنظمة العسكرية الديكتاتورية، توصلت سو تشي إلى ترتيب مريح معهم قبل بضع سنوات، فقد أصبحت واجهة مقبولة لما كان في جوهره نظامًا عسكريًا. والآن استنتج الجنرالات أنهم لم يعودوا في حاجة إليها، فانقلبوا عليها. أعلنوا أن فوزها في الانتخابات العام الماضي باطل، وتولوا السلطة إثر انقلاب.

وترى الصحيفة أنه على عكس الفترة الطويلة السابقة التي قضتها في المعارضة، ستجد سو تشي الآن تعاطفًا أقل بكثير في الغرب. خلال سنواتها الطويلة كمدافعة وحيدة عن حقوق الإنسان لبلدها، أشادت بها الحكومات والزعماء الدينيون والجامعات والأمم المتحدة، وفي عام 1991 حصلت على جائزة نوبل للسلام. لكن سنوات سو تشي في السلطة جاءت مخيبة للآمال، وأسوأ من ذلك، مفتقرة للعدل تجاه أقلية الروهينغا المسلمة. وتقول الصحيفة إن سو تشي سقطت من مكانة شبه قديسة إلى مجرد دمية في فترة زمنية قصيرة بشكل صادم، من بطلة لحقوق الإنسان إلى الصفر.

وتختتم الصحيفة قائلة إنه لا يبدو أن سو تشي بذلت الكثير من الجهد لجعل مُثُلها القديمة حقيقة، وانزلقت بسرعة إلى الشوفينية العرقية واللامبالاة تجاه مواطنيها. ربما كانت حريصة ببساطة على استعادة المنصب والمكانة التي كانت لوالدها، رئيس وزراء بورما آنذاك، عندما اغتيل على يد الجيش في سنة 2010.  

في نفس السياق