هل تنتقل تونس إلى الاستبداد الليبرالي؟ مقال لمدير دراسات الديمقراطية والحوكمة في جامعة جورج تاون (ترجمة)

نشر من طرف الشاهد في الأربعاء 24 نوفمبر 2021 - 23:54
اخر تاريخ تحديث الأحد 5 ديسمبر 2021 - 02:38

نشر هذا المقال لدانيال برومبرغ ، مدير دراسات الديمقراطية والحوكمة في جامعة جورج تاون، بموقع المركز العربي بواشنطن بتاريخ 23 نوفمبر 2021.

ترجمة موقع "الشاهد".

إذا مرت تونس بمرحلة انتقالية في الأشهر المقبلة، في ظل الظروف الحالية، فمن المحتمل ألا تكون على طريق العودة إلى الديمقراطية. وفي حين أن الرئيس قيس سعيد نفسه قد يكون غير متأكد إلى أين يريد أن يأخذ البلاد، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا هو أن تتعثر تونس في شبه سلطوية، أو ما يسمّى "أوتوقراطية ليبرالية".

يتمتع هذا النوع من النظام الهجين بميزة التسامح مع قدر من الانفتاح السياسي، ولكن فقط تحت مظلة المؤسسات والقوانين والقواعد التي تمنح النظام الوسائل لإزاحة التهديدات لسيطرته النهائية.

الحافز لبعض قادة المعارضة للقبول بهذا النوع من النظام هو أن البديل- الذي يمكننا ببساطة أن نسميه الأوتوقراطية الكاملة- من شأنه أن يعيد تونس إلى عصر القمع الذي يريد القليل من القادة، بمن فيهم سعيد نفسه، استعادته. فبالنسبة إلى بعض المجموعات، قد تكون بعض أشكال الأوتوقراطية الليبرالية بديلاً معقولاً، خاصةً إذا استثنت منافسيها السياسيين من المشاركة في الانتخابات. وهكذا، وعلى الرغم من مخاوفهم، فإن العديد من القادة التونسيين لم يرفضوا انقلاب سعيد بالكامل بعدُ. في حين أنهم يريدون إصلاح ديمقراطية تقاسم السلطة الضعيفة، فإن الكثيرين لن يذرفوا دمعة إذا استبعد النظام الأحزاب الإسلامية وحركة النهضة على وجه الخصوص. وقيس سعيد يدرك هذا: فهذا التناقض هو مصلحته في المحصلة.

لهذا السبب، إذا أرادت تونس أن تتجنب الاستبداد الليبرالي، فإن ما تحتاجه بشكل عاجل هو معارضة موحدة تضم الإسلاميين والليبراليين واليساريين.

إن احتجاجات 14 نوفمبر الحاشدة أمام مبنى البرلمان- والتي قادتها منظمة جديدة تطلق على نفسها اسم "مواطنون ضد الانقلاب"- قد توحي بالتحركات الأولى لمثل هذه الجبهة الموحدة. لكن لا يزال بإمكان الرئيس الاعتماد على دعم العديد من القادة، وجزء كبير من عامة الناس، والدعم القوي أو الضمني للضباط العسكريين رفيعي المستوى. وفي الواقع، يمكن لسعيد أن ينتصر، خاصةً إذا استمر في إظهار قدرته الكبيرة على التلاعب بالحساسيات القومية من خلال ربط خصومه بـ"قوى خارجية".

لكن نجاح سعيد سيكون خسارة لتونس. فالبلد بحاجة إلى ديمقراطية دستورية لأن البدائل السياسية والاقتصادية سيّئة، وقد تنهار البلاد من الداخل دون ضمانات الديمقراطية التعددية. فالديمقراطية والاستقرار يمكن أن يسيرا معا، لكن تعايشهما المثمر يتطلب محاولة مستمرة من قبل القادة التونسيين للاتفاق على خارطة طريق ديمقراطية متجددة. وعلى الرغم من مخاطر استغلال الخطاب الشعبوي لسعيد، فإن لدى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مصلحة ملحة وملموسة في الدفع باتجاه تسوية سياسية حقيقية.

 

الأوتوقراطية الليبرالية: أربعة مكونات أساسية

لكي تنجح الأوتوقراطية الليبرالية، يجب أن تلتزم بأربعة مبادئ أساسية:

فرق تسد: وهذه استراتيجية مجربة من العديد من المستبدين لأن الحكام في هذه الأنظمة يحتاجون إلى ساحة سياسية مفتوحة بشكل معقول- إذا كانت خاضعة للرقابة- إذا أرادوا إتقان فن دعم مجموعة ضد الأخرى. وبالتالي، فإن نوعا من التعددية المربكة ضروري لبقاء النظام. وإن تأكيدات سعيد المتكررة بأنه لن يكون "طاغية" توحي بأنه يفهم هذا، وإن كان بشكل غير كامل.

تجنب وتخفيف إصلاحات السوق الرئيسية: للحفاظ على استراتيجية فرق تسد، من الضروري أن يتجنب الحاكم فرض سياسات اقتصادية واجتماعية قد توحّد الجماعات المتنافسة ضد النظام. فخلال السنوات العشر الماضية، أدى فشل الحكومات الائتلافية المتعاقبة في صياغة أي نوع من برامج الإصلاح الاقتصادي إلى إثارة خيبة أمل واسعة إزاء الديمقراطية. لكن هذا السجل التعيس لا يعني أن سعيد سيفوز بقلوب وعقول الشباب المنبوذين في البلاد من خلال معالجة القرارات ذاتها التي تجنبها أسلافه. على العكس من ذلك ، فإن أفضل إستراتيجيته هي تأمين ضخ مكثف للمساعدات الاقتصادية الخارجية، والتي قد تخفف مثلها من الضغط عليه لفرض قرارات اقتصادية صعبة.

جهاز قضائي أمني معزز: يجب أن تتمتع الأنظمة الاستبدادية اللبرالية أيضا بالقدرة على استخدام الأجهزة الأمنية والمحاكم للردع بشكل انتقائي، وإذا لزم الأمر المعاقبة. إن الخطوط الحمراء التي فرضها الحكم التعسفي للسلطة التنفيذية، غامضة ومتغيرة باستمرار، مما يعزز السلطة النهائية للرئيس.

رئيس واثق وقادر: تتطلب إدارة هذا النظام قائدا لا يكون واثقا وحازما فحسب، بل يكون أيضا قادرا وعقلانيًا وذكيًا. إن القائد المحاط بالمتملقين الذين يعززون الأحكام السيئة- أو الذين لا يستطيعون تعويض أوجه قصور القائد- لن يحافظ على التوازن المعقد بين الانفتاح المسموح به والسيطرة التي يفرضها النظام على التضاريس المؤسسية والقانونية التي تعتبر ضرورية للاستبداد الليبرالي.

 

قيادة سعيد غير المكتملة

سعيد مشبع بالثقة الفائقة. أمّا كونه يتمتع بمزيج من الفطنة السياسية ورؤية عقلانية أوسع لإدارة التحديات المؤسسية والاستراتيجية التي يواجهها، هي مسألة أخرى. وقد ساعدته طبائعه، وضبطه الفولاذي للذات، وتصوره الواسع في التعامل مع العديد من المكونات التي تعتبر أساسية في دفع الأوتوقراطية الليبرالية. إذ يبدو أنه يضمن ولاء كبار المسؤولين في الجيش وقوات الأمن الداخلي والجهات الفاعلة الرئيسية في القضاء. كما أنه بارع في لعبة فرق تسد.

ويبدو أن اعتداءاته اللفظية تجاه حركة النهضة تستهدف ردع الذين قد ينضمّون إلى معارضة الانقلاب.

إنّ وعده بتنظيم حوار وطني يقوده "الشباب" ويستبعد "الذين سرقوا أموال الشعب والخونة" يتبع الممارسة العريقة في العالم العربي المتمثلة في إجراء حوارات تهدف إلى تقسيم المعارضين واستفادة الحاكمين من هذه الأحداث المدبرة. ويشير اعتقال ما لا يقل عن ستة صحفيين وقادة سياسيين من الأطراف الإسلامية واليسارية ومحاكمتهم إلى استراتيجية قمع انتقائي وتعسفي بالاعتماد على غطاء  قانوني ودستوري في استخدام المحاكم العسكرية لفرض حدود المعارضة المقبولة.

ومع ذلك، فإن أفعال سعيد وكلماته لا تشير إلى استراتيجية حكم متماسكة وفعالة. فهو لم يتخلَ عن رؤيته الطوباوية الراسخة في إنشاء لجان شعبية محلية بدلا من الأحزاب السياسية أو حتى البرلمان. فشعبويته تحركها حساسية تجاه مؤسسات الحكم الرسمية، وتتعارض مع المنطق السياسي والاقتصادي الأعمق المطلوب للمضي نحو نظام شبه سلطوي.

ورغم أنّنا لا نعرف سوى القليل عن الفريق الذي يقدم المشورة للرئيس، فإن الانشقاق الأخير لأحد المقربين منه يشير إلى مدى صعوبة التأثير على زعيم مفتون بحكمه الخاص.

لقد أدى عناد سعيد إلى أعلى تكلفة في المجال الاقتصادي. حيث يواجه الرئيس أزمة اقتصادية حادة متجذرة جزئيا في اقتصاد تهيمن عليه مجموعات قوية بما في ذلك رجال الأعمال ومنظمة نقابية، وكلاهما قوة ضغط لإحباط أي برنامج إصلاح اقتصادي مستدام، ولكن أيضا للتأثير في استراتيجية تفاوضية مع صندوق النقد الدولي، تحمي مصالحهم. ومع ذلك، وقد أدّت تصريحات سعيد ومطالبه التي كشفت عن نقص فادح في المعرفة الاقتصادية، إلى سخرية النخب منه ونفاد صبر متزايد من جانب عامة الناس. وكان قيس سعيد مكرها على إرسال رئيسة الوزراء ومسؤولين آخرين للقاء القادة السعوديين والإماراتيين.

وتتمثل مهمة مبعوثي سعيد في تأمين مساعدات ضخمة من المفترض أن تخفف الكلفة الاجتماعية التي ستأتي من الإجراءات المحفوفة بالمخاطر السياسية، مثل تخفيض فاتورة أجور القطاع العام الضخمة. لكن لا يوجد حتى الآن ما يشير إلى أن الرياض أو أبو ظبي ستلبي مثل هذه الطلبات. بل على العكس من ذلك، أخبر محللو السياسة في واشنطن الذين تواصلوا مع مسؤولي الإدارة، كاتب المقال، أن البيت الأبيض يشجع دول الخليج على تجنب التمكين لسعيد. وبالتالي، مع فقدان أحد المكونات الحاسمة لتشكيل حكم استبدادي متحرّر، من المحتمل أن تزداد الأزمة الاقتصادية في تونس سوءا.

 

معارضة تناضل من أجل الوحدة

إن مظاهرة 14 نوفمبر التي خرجت فيها على الأقل 6000 متظاهر أمام البرلمان الذي أغلقته المركبات العسكرية، يمكن أن تشير إلى إحراز بعض التقدم على طريق تشكيل جبهة معارضة أوسع. وقد نظمت الاحتجاجات جزئيا منظمة "مواطنون ضد الانقلاب"، وهي منظمة جديدة. أصر جوهر بن مبارك، المثقف ذو الشخصية الجذابة والناقد للرئيس، على أن الحكومة منعت "آلاف" المتظاهرين من الوصول إلى المظاهرة، وهو تأكيد تدعمه تقارير أخرى. والأكثر خطورة ، أنه أكد مؤخرا أنه كان يزور مقهى محليا عندما حذره رجلان في ثياب مدنية من "أننا نعرف أين تعيش وأين يذهب أطفالك إلى المدرسة". ويوحي هذا التخويف بأن الحكومة تريد مواجهة شخص قد يكون لديه الكاريزما والرؤية لتوحيد العلمانيين والإسلاميين.

ستكون هذه مهمة شاقة بالتأكيد، حيث تستمر المعارضة في مواجهة الانقسامات الإيديولوجية والاجتماعية والاقتصادية التي تعقّد جهود جوهر مبارك وغيره من منتقدي الحكومة لإيجاد أرضية مشتركة. أحد الأمثلة الدالة على ذلك هو أنه بينما كان متظاهرو 14 نوفمبر يقدمون قائمة طويلة من المطالب، وأهمها إعادة البرلمان، قال أمين عام الاتحاد العام التونسي للشغل للصحفيين إنه أبلغ الرئيس سعيد بأن المنظمة النقابية مستعدة لقبول الذهاب إلى الانتخابات دون إعادة البرلمان.

لا صديقَ للإسلاميين، والاتحاد العام التونسي للشغل له قدرة على تعبئة عشرات الآلاف من العاملين في القطاع العمومي من ذوي الياقات البيضاء والزرقاء. يشير موقفه إلى انقسام كبير يمكن أن يصبّ في مصلحة سعيد. وقد تخلق الاستقالات الأخيرة من قبل مجموعة من قادة النهضة المخضرمين من الحركة وعزمهم على تشكيل حزبهم الخاص، شريكا مناسبا لبعض الجماعات والقادة العلمانيين. ولكن يمكن أن يكون لها أيضا تأثير معاكس من خلال تشجيع القادة المناهضين للإسلاميين على استنتاج أن المعسكر الإسلامي منقسم جدا، بحيث لا يوجد سبب لتقديم تنازلات له، ناهيك عن إشراك الكتلة في جبهة معارضة.

 

موازنات سعيّد

قد يستغل سعيد أيضا الاحتكاكات داخل الجماعات الإسلامية لاستقطاب المنشقين عن النهضة. وقد يؤدي الحصول على دعمهم الضمني إلى تعزيز نفوذه التفاوضي، لأنه يحاول الموازنة بين الحاجة إلى الحفاظ على قدر من الانفتاح والسعي الملائم بنفس القدر لمعاقبة منتقديه.

قد يأتي النهج القاسي بنتائج عكسية من خلال منح جماعات المعارضة حافزا لتركيز غضبها على الرئيس. ويظهر الارتداد بشكل كبير من خلال الانتقادات المتصاعدة التي وجهتها الجماعات التونسية إلى الرئيس. وقد ظهر بشكل بارز بعد أن أصدرت الحكومة، بناء على أوامر سعيّد المباشرة، مذكرة دولية باعتقال الرئيس السابق منصف المرزوقي. وباتهامه بتقويض الأمن التونسي بعد أن دعا في باريس التونسيين إلى مقاومة "الانقلاب". وقد نددت عدة جماعات وقادة حقوقيين تونسيين بمذكرة التوقيف.

من المؤكد أن سخرية الموقف لم تغب عن الكثير من التونسيين، بما في ذلك ربما بعض مستشاري سعيد. فبعد أن أمضى معظم حياته في المنفى معارضا للنظام القمعي للرئيس السابق زين العابدين بن علي، يتحدى المرزوقي مرة أخرى الاستبداد مما هو فعليا منفى جديد.

لقد جاءت حملة سعيد بنتائج عكسية، توحي بوجود خطوط حمراء يجب على الرئيس ألا يتجاوزها خشية أن يخاطر بتوسيع دائرة المعارضة. لكن يبدو أنه يفتقر إلى المزاج والخيال والمهارة اللازمة لعمل توازن معقد لتجنب الانزلاق إلى هاوية نظام استبدادي بالكامل. ولتجنب هذا المنحدر الزلق، يجب عليه تقديم تنازلات لا يمكن دونها أن يكون هناك حوار وطني هادف أو فعال.

 

الصراع الداخلي والمعادلة الدولية

في الوقت الذي تستجمع فيه المعارضة زخما، ويحاول منتقدو سعيد التغلب على انعدام الثقة الذي لا يزال واسعا، يواجه المجتمع الدولي تحديا يتمثل في إيجاد طريقة للاستفادة من الانتقادات المحلية للرئيس دون تقويض مصداقية خصومه.

لن يكون من السهل إدارة هذه المعضلة الصعبة، نظرا للحركية التي أطلقها أنصار سعيد المتحمسون عبر حملات إلكترونية صممت بوضوح لترهيب منتقديه وربما حتى تعريضهم وعائلاتهم لخطر جسدي. لكن يوما بعد يوم، فإن انتزاع الرئيس للسلطة يكلف تونس اقتصاديا واجتماعيا. وتُظهر وفاة أحد المتظاهرين في صفاقس مؤخرا في أعقاب مظاهرات عامة ضد مكب نفايات خطير على ما يبدو- مما مهد الطريق لاحتجاجات جديدة وحملة موسعة للتنديد بالقطاع الأمني​​- أن استعادة الديمقراطية الدستورية شرط ضروري إذا لم يكن كافيا لمنع حدوث الانهيار الاجتماعي. وبالتالي، يجب أن يستمر انتقاد الاتحاد الأوروبي وإدارة بايدن لانتهاكات حقوق الإنسان، إلى جانب الدعوات لإعادة البرلمان وإقامة حوار وطني موثوق به وليس مزيفا.

سيكون ذلك أساسيا للإدارة الأمريكية التي توشك على عقد مؤتمر دولي حول الديمقراطية، لكنها منسجمة مع جميع الأنظمة الأوتوقراطية تقريبا في العالم العربي.

وعلى خطى الإدارات السابقة. تجد إدارة بايدن نفسها أمام المفاضلة بين التزاماتها المبدئية والأمنية في العالم العربي، ومن الواضح أنها تفضل الأخيرة، غير أنّ منع الانتقال إلى الحكم المطلق في تونس هو الذي سيحول دون تفاقم هذا الوضع. ويمكن المساعدة على إقناع التونسيين بإعادة عمل وإحياء التجربة الديمقراطية المتعثرة، التي بدأوها قبل عقد من الزمان بدلاً من تركها تفنى.

في نفس السياق