هيكل بن محفوظ: لا يمكن لرئيس الحكومة ولا حتى لوزير الداخلية أن يأتمرا بأوامر رئيس الجمهورية

قال هيكل بن محفوظ، أستاذ القانون العام، في مقال نشره بموقع "ليدرز" إنّ الدستور يسند إلى رئيس الجمهورية صلاحية القيادة العليا للقوات المسلحة إلى جانب صلاحيات أخرى في مجالات الدفاع الوطني والأمن القومي، في حين يعود لرئيس الحكومة الجهاز التنفيذي للدولة بما فيها أجهزة الأمن وإنفاذ القانون. ويقوم توزيع الصلاحيات بين رأسي السلطة التنفيذية في مجالات الأمن القومي والدفاع والعلاقات الخارجية على مبدأ التشاور بينهما في اتخاذ القرار، مع سهر رئيس الحكومة على تنفيذ السياسات العامة ذات الصلة.

ويرى بن محفوظ، وهو خبير قانوني دولي رشحته تونس لعضوية المحكمة الجنائية الدولية، وشغل مستشار بمركز جينيف للرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة، أنّ النقاش في هذا الموضوع الذي طرحه إعلان رئيس الجمهورية نفسه قائدا أعلى للقوات المسلحة بما فيها قوات الأمن الداخلي، يجب أن ينطلق من سياق دستوري وسياسي جديد ومحدد أسسه دستور 27 جانفي 2014 يختلف عما سبقه ويقتضي مراجعة جوهرية بما فيها المفاهيم والأدوار والأنظمة القانونية القائمة اليوم حتى تصبح موائمة لمقتضيات نظام ديمقراطي يهدف إلى إرساء مقومات النجاعة والحياد والمشروعية والمسئولية عن الأعمال والتصرفات.

 

التعيين والإعفاء في الوظائف العليا

تستدعي صفة القائد الأعلى للقوات المسلحة لرئيس الجمهورية سلطة التعيين والإعفاء في الوظائف العسكرية العليا طبقا لما يقتضيه الفصل 78 من الدستور. ويشير هيكل بن محفوظ إلى أنّه "على هذا الأساس صدر القانون عدد 32 لسنة 2015 المتعلق بضبط الوظائف العليا طبقا لأحكام الفصل 78 من الدستور، وتضمن الفصل الثالث قائمة تفصيلية للوظائف العليا العسكرية والمتعلقة بالأمن القومي، والتي من أبرزها: رئيس أركان الجيوش لدى الوزير المكلف بالدفاع الوطني، المتفقد العام للقوات المسلحة، رؤساء أركان الجيوش الثلاث، المدير العام لوكالة الاستخبارات والأمن للدفاع، الضباط القادة، إلخ.

وفي المقابل فإن التعيينات والإعفاءات في الوظائف العسكرية العليا التي يختص بها رئيس الجمهورية لا تشمل الوظائف الأمنية العليا سواء في أسلاك قوات الأمن الداخلي أو الديوانة التي تُعَدُّ من اختصاصات رئيس الحكومة. وهذا التمييز سيكون أساسيا في تعريف مفهوم القوات المسلحة لاحقا، حسب استاذ القانون العام هيكل بن محفوظ.

 

القوات المسلحة في الدستور والقانون التونسي

يرى بن محفوظ أنّ الدستور التونسي يميز بشكل واضح وصريح بين القوات المسلحة وقوات الأمن الداخلي (الفصل  17 - فصل 77). كما يفرق الدستور، بين القوات المسلحة المتمثلة في الجيش الوطني وبين قوات الأمن الداخلي والديوانة، عندما نص بالفصل 65 فقرة ثانية أنه: "تتخذ شكل قوانين أساسية النصوص المتعلقة بالمسائل التالية:

- تنظيم الجيش الوطني،

- تنظيم قوات الأمن الداخلي والديوانة".

لذلك يؤكّد بن محفوظ أنّه من المهم "الفصل بين مختلف أصناف القوات العسكرية والأمنية، وقوات الديوانة كذلك، لاختلاف هذه التنظيمات من حيث تركيبتها ومهامها وأدوارها وقيادتها وأنظمتها القانونية كذلك".

ويشير أستاذ القانون إلى أنّ الدستور لم يعرّف القوات المسلحة بشكل مباشر، وذلك على خلاف قوات الأمن الداخلي. ويعزى ذلك بالأساس إلى عدم اعتماد مصطلح موحد للدلالة على المؤسسة العسكرية. في المقابل أعطى الدستور تعريفا للجيش الوطني من ضمن الفصل 18.

وما يهم في هذا التعريف، حسب هيكل بن محفوظ، هو تأكيد خاصيتين رئيسيتين تشترك فيها معظم القوات المسلحة النظامية في العالم: التنظيم العسكري المسلح ودور الدفاع الوطني.

ويمضي بن محفوظ قائلا: "وعندما نشير في تونس أو غيرها اصطلاحا إلى "القوات المسلحة" فهذا يعني بالأساس "المؤسسة العسكرية" التي تتمثل مهمتها الأساسية في الحفاظ على حالة الاستعداد تحسباً للحرب، فضلاً عن جميع وظائف الدعم التي تقدمها للسلطات المدنية. لذلك فإن القوات المسلحة هي أولا وقبل كل شيء القوات العسكرية المسلحة المكونة للجيش الوطني، والمتمثلة أساسا في جيش البر وجيش البحر وجيش الطيران، والاستخبارات العسكرية أيضا. والجيش الوطني بمختلف أركانه وهياكله وتشكيلاته يعرف أيضا باسم "القوات المسلحة التونسية".

ويتعزز هذا الفهم من خلال ربط مهام الجيش الوطني المحددة بالفصل 18 الذي حدد دور القوات المسلحة في الدفاع عن حوزة الوطن واستقلاله ووحدة ترابه، وهو دور يختلف تماما عن الدور الذي تقوم به قوات الأمني الداخلي أو بالأحرى القوات غير العسكرية الحاملة للسلاح".

وما يدعم هذا الفهم، حسب بن محفوظ،  هو أن الفصل 19 من الدستور لم يسند بدوره صفة "المسلحة" لقوات الأمن الداخلي عندما حدد دورها (فصل 19: "الأمن الوطني أمن جمهوري، قواته مكلفة بحفظ الأمن والنظام العام وحماية الأفراد والمؤسسات والممتلكات وإنفاذ القانون، في كنف احترام الحريات وفي إطار الحياد التامّ".).

ويخلص كاتب المقال إلى أنّ "المعيار القانوني الأساسي لتعريف القوات المسلحة وتمييزها عن سائر القوات النظامية الأخرى من شرطة وأمن وطني، وحرس وطني، وسجون وإصلاح، وحماية مدنية، و ديوانة، وأمن رئاسي، هو المعيار الوظيفي، أي الدور الذي تضطلع به وطبيعة المهام التي تقوم بها: إن كانت عسكرية أو مدنية (...) فالعنصر الرئيس في التعريف الدستوري لقوات الأمن الوطني لتمييزها عن القوات العسكرية هو عدم التنصيص على أنها قوات مسلحة، رغم أنها نظاميا هي قوات حاملة للسلاح".

ويشير هيكل بن محفوظ إلى أنّ هذا الفرق هو الذي حدا بواضعي النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب تسمية اللجنة التشريعية المعنية بشؤون القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى بـ«لجنة تنظيم الإدارة وشؤون القوات الحاملة للسلاح»، وحتى لا يُستثنى من ذلك الديوانة والأمن الرئاسي - اللذين لا ينتميان لأسلاك قوات الأمن الداخلي تبعا للتعريف الوارد بقانون 1982.

ويتابع هيكل بن محفوظ مناقشة الإشكالات التي يطرحها مفهوم "القوة المسلحة"، فأجهزة الأمن الرسمية، ولئن كانت حاملة للسلاح، فهي تبقى مدنية أي غير عسكرية وذلك على عكس الجيش الوطني. وهذا المشترك أي "قوة مسلحة" بين مختلف القوات، هو الذي يطرح مجددا إشكالية ما إذا كان مفهوم القوات المسلحة يؤخذ في الدستور في مفهومه الضيق أم في مفهومه الواسع؟

تكمن الإجابة، حسب الأستاذ بن محفوظ، في الفصل 77 من الدستور، وحسب المعنى الذي حدد سابقا للقوات المسلحة، بحيث لا يمارس مبدئيا رئيس الجمهورية القيادة العليا إلا على القوات المسلحة العسكرية؛ ينضاف إليها قوات الأمن الرئاسي لا بوصفها حاملة للسلاح وإنما بحكم تبعيتها نظاميا لرئاسة الجمهورية.

ولكن، مع ذلك، تبقى المنظومة التشريعية النافذة تجيز لرئيس الجمهورية توجيه أذون أوامر لقوات الأمن الداخلي، إذ ينص الفصل 2 من قانون سنة 1982- نقح بمقتضى القانون عدد 58 لسنة 2000 المؤرخ في 13 جوان 2000 –  على ما يلي:

"يرجع أعوان قوات الأمن الداخلي بالنظر إلى وزير الداخلية تحت سامي سلطة رئيس الجمهورية الذي يأذنهم ويأمرهم مباشرة أو عن طريق الوزير الأول أو وزير الداخلية، (…)".

وهذا يرتب نتيجة مباشرة وغير مباشرة في نفس الوقت في علاقة بخضوع مختلف أسلاك قوات الأمن الداخلي لرئيس الجمهورية بوصفه قائدا أعلى للقوات المسلحة: أولا، سلطة التعيين، ثانيا، سلطة الأمر والتوجيه.

ويناقش بن محفوظ هذا الرأي قائلا: " لا يمكن قراءة هذا النص القانوني بمعزل عن النظام الدستوري والسياق السياسي السائد آنذاك، إذ أن دستور غرة جوان 1959 لا ينص فقط على أن رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، بل أنه وبعد تعديل 1988 لم يعد الوزير الأول يتصرف في دواليب الإدارة وفي القوة العامة، بما ركز نهائيا الصبغة الرئاسوية لنظام الحكم في تونس، حيث أصبح رئيس الجمهوري هو رئيس الجهاز التنفيذي الذي يأتمر بأوامره ويخضع لتعليماته المباشرة ويطبق توجهاته واختياراته في كافة المجالات.

بيد أن دستور 2014 غيّرَ من موازين القوى وأصبح رئيس الحكومة هو الذي يضبط السياسة العامة للدولة، مع مراعاة مقتضيات الفصل 77 من الدستور فيما يتعلق بمجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي، ولكنه هو الذي يسهر على تنفيذها، بمعنى أنه هو الذي أصبح يتحكم في الجهاز التنفيذي للدولة وفي الإدارة والقوة العامة غير العسكرية. ثم والأهم، لا يمكن لرئيس الحكومة ولا حتى لوزير الداخلية أن يأتمرا بأوامر رئيس الجمهورية.

ويشدّد كاتب المقال على أنّ المعطى السياسي هام جدا لوضع الفصل 77 في سياقه الدستوري والسياسي الصحيح، ومن ثمة قراءة النصوص القانونية قراءة سليمة. "إذ لابد من التذكير في هذا الخضم بأسباب تخلي المشرع الدستوري عن المقترح المضمن بالفصل 71 من مسودة مشروع الدستور في نسخة 14 ديسمبر 2012، والذي ارتأى آنذاك أن يسند إلى رئيس الجمهورية اختصاص "القيادة العليا للقوات المسلحة وقوات الأمن الوطني". غير أن رأي الأغلبية في الهيئة المشتركة للصياغة والتنسيق اعتبر أن "الأمن خارجا عن صلاحيات رئيس الجمهورية". وجاءت المسودات اللاحقة من مشروع الدستور خالية من الاشارة إلى سلطة رئيس الجمهورية على قوات الأمن الوطني، وأقرت في المقابل القيادة العامة على القوات المسلحة أي المؤسسة العسكرية لا غير. وهذا يعكس نية السلطة التأسيسية منذ المراحل الأولى في صياغة دستور 2014 على أن القوات المدنية الحاملة للسلاح لا تخضع للقيادة العليا لرئيس الجمهورية على معنى الفصل 77".

ويخلص بن محفوظ قائلا: "فالفارق بين المؤسسات المسلحة العسكرية والمدنية هو في الأساس مسألة درجة، حيث قد تظهر المؤسسات المدنية بعض الخصائص المذكورة أعلاه، ولكن ليست كلها قوات مسلحة بالمعنى الوظيفي والهيكلي وخاصة الدستوري للكلمة".

في نفس السياق