“أحنا هكا التونسي هكا”.. عرض كوميدي غنائي للفنان شكري البصلي.. ضحك بلون التناقضات الاجتماعية

نشر من طرف الشاهد في الثلاثاء 17 ديسمبر 2019 - 16:21
اخر تاريخ تحديث السبت 4 فيفري 2023 - 16:31

أحنا هكة وديما هكا

ما ناشي بين هكا وهكا

مشنا سرذينة في حكة

والا فارينة تتكى

أحنا شعب

عملنا ثورة

عنا قلب

وعنا فكرة..

بهذه الكلمات انطلقت حكاية هذه الكوميديا الموسيقية التي تتنزل ضمن مشروع ثقافي اتخذ من هامش مساحة الحرية التي أنتجتها ثورة 17 ديسمبر 2010/ 14جانفي 2011. ولعل التوقف عند مفاصل هذا العمل بمكوناته يجعلنا نتابعه من خلال هذه الوقفة النقدية لإبراز أهم مميزاته فما الذي يحمله هذا العرض الفرجوي من خلال لوحاته؟ هل من فكرة عن عناصره ومقوماته الفنية؟

 

من الجينيريك إلى البوليتيك

لعل من أبرز ما حققته ثورة الكرامة على المستوى الفني أنها استطاعت انعاش ذاكرة فنية ظننا خلال مرحلة الطغيان أنها قد سقطت أو قد ذهبت في النسيان، إلا أن هذا الحنين للماضي لا يمكن أن ينسينا أننا لو رجعنا بالذاكرة قليلا لتذكرنا بعض من كلمات الشاعر فؤاد نجم: “حنغني ودايما حنغني ونبشر بالخير ونمني”… وهي أغنية عجت بها الساحات المفتوحة لأسبوع الجامعة الحفلات الكبرى للمؤتمرات الطلابية، إلا أن هذه الصرخات الاحتجاجية ذات المنحى الفني السياسي بقيت مجرد معطى استهلاكي في الفضاء الفني التونسي.

فرغم أهمية التجارب الغنائية للمجموعات الملتزمة مثل البحث الموسيقي أولاد المناجم وعشاق الوطن والمرحلة والشمس الموسيقي إلا أنها لم تستطع تجاوز “العيش على تخوم الشيخ إمام، بل إنها كانت “تستهلك” منتجات الشيخ إمام إنّ صحّ التعبير. ولعل الإفراط في الشعاراتية أفقد هذه المحاولات الغنائية المقدرة على إنتاج أغاني ذات منحى انتقادي سياسي ساخر. كما نجده في تجربة إمام ونجم من قبيل “شرفت يا نيكون بابا “أو جيسكار ذيستان أو يعيش أهل بلدي. وغيرها من الأعمال التي جعلت السياسة تتحول إلى ضحك كالبكاء.

لعل التفاعل الخلاق مع الأغنية الملتزمة في تونس جعلها تقتصر على أغنيات الشعارات والوعي السياسي الجاد والجدي وهو جانب رغم أهميته لا يمكن أن ينسينا أن لهذه المشروع وجوها أخرى لعل من بينها الوجه النقدي الكوميدي خاصة إذا تعلق الأمر بالكوميديا السوداء التي غابت بشكل يكاد نهائي عن التجربة الغنائية الملتزمة في تونس.

وفي هذا الإطار تتنزل منطلقات هذا العمل الذي اتخذ من البوليتيك مرتعا له. وفي الإطار تتنزل أغنية: “سيدي عامل بوليتيك/ يتكتك ويحب التكتيك/ كيف تنادي راهو يجيك/ أما خسارة موشي ليك…”.

كما أن أغنية انتقاد الانتهازية والوصولية التي تمييز بها البعض إثر الثورة وحتى قبلها تجعلنا ننتبه إلى كلمات الأغنية: “كول ووكل/ باش ما تطيحش/ كي تتعكل/..”

هي صرخة في وجه التحولات العولمية للمجتمع التونسي في سنة 2019 وما تلاها في فترة نحن أحوج ما نكون إلى النظر في مرآتنا الاجتماعية والسياسية لتعتبر ونعبر عن روح الدعابة التونسية بسخرية لاذعة نحتاجها كي لا تتغلب علينا آليات التحطيم التسلط والاستعباد ولتعبر في فنّ مشبع بالحياة يحوّل الألم إلى وعي يستطيع التجاوز.

ولكن هل في هذا العمل اقتصار على المشاغل السياسية أم للاجتماعي حضوره؟

 

الفايس بوك لا يغرّوك

لم تتغافل مكونات هذا المشروع عن الاهتمام بالتواصل الاجتماعي وخاصة الفايس بوك. ففي هذا العمل أغان ذات منحى اجتماعي ينتقد ما يحصل في الفايس بوك من قناع اجتماعي فهذا المتكلم: “لا نعرفها لا تعرفني/ طلعتلي/ في الفايس بوك..”

بهذا المعنى نفهم ما حققته هذا العمل من انتقاد اجتماعي للمجتمع التونسي وما وقع من شروخ في بنيته، إذ أن العلاقات الاجتماعية والظواهر التي طرأت على تونس جعلتنا نكتشف وجوها من مجتمعنا من الإضرابات العشوائية والاعتصامات التي حملها الواقع اليوم في قالب سؤال لا ينتظر جوابا: “وينو المسؤول؟”.

فهذه الأغنية تتساءل: “وينو المسؤول وينو؟” نكتشف البيروقراطية وما انجرّ عنها من انفلات واستهتار وتفاهات شملت أغلب القنوات التلفزيوني ولم يبق في إطار المجال الاتصالي أو الافتراضي بل بلغ إلى حياتنا الاجتماعية التي بلغت من الرداءة ما يجعلنا نتساءل ما الذي وقع؟ هل وصلنا إلى القاع أم أن تحت هذا القاع من قاع؟

هذه القضايا الاجتماعية المستحدثة تواكب الواقع الاجتماعي بمختلف تركيباته في قالب موسيقي فما هي مرجعيات هذا العمل موسيقيا؟

 

بين الخميسي والسملالي

لعل من بين ما حدث من قطيعة مع الأغنية الفكاهية في تونس والتي اضمحلت تقريبا مع فترة التسعينات. ربما بمقصد سياسي هو ما دفع أصحاب هذا العمل إلى العمل على الاشتغال على الرصيد الثقافي الفني للخميسي والسملالي والمورالي وغيرهم من الذين تجاهلتهم آلة الإعلام الرسمية خلال تلك الفترة. واستطاع هذا العمل كتابة لحنية موسيقية تستلهم من هذه المعطيات لبناء موسيقي خلاق. ربما يكتشفه الجمهور من خلال متابعة هذا العمل.

ولكن قبل ذلك وفي انتظار ذلك، يبقى أن نشير إلى أن هذا العمل يسعى إلى إنتاج فني يستعيد أعمالا كبرى تحقق إجابة على سؤال طالما طرح: لمَ لم تطرح الثورة بديلا فنّيا؟

عن هذا السؤال يجيب هذا العمل.

“أحنا هكا/ التونسي هكا” إنتاج الفنان شكري البصلي بدعم من صندوق التشجيع على الإنتاج الأدبي والفني/ وزارة الشؤون الثقافية/ نص أنور البصلي وحسن الكناني. شارك في كتابة الأغاني عدد من الشعراء الغنائيين.

باديس بن عمار

في نفس السياق